الذي أريد أن أذكره لكم هو انشغالي الدائم بالتفكير في ضعف القدرة على مساعدة الضعفاء والمحتاجين من ذوي القربى وغيرهم، وذلك لأن الإمكانيات المادية لديَّ ضعيفة أو بالأحرى منعدمة !!...
وأقول: إننا نجد في عالمنا الإسلامي اليوم شبابًا يحبون الخير لجميع المسلمين، ولكن قلما نجد من الأغنياء أو الأقوياء أية مبادرة لدعم تلك الطاقات الشبابية الهائلة والمستعدة بكل ما تملكه من طاقة لمساعدة المحتاجين.
إنها المعادلة الصعبة التي نعيشها: في ناحية نجد من لديه الاستعداد والحماس، ولكنه لا يملك المقدرة المالية، ومن الناحية الأخرى نجد من لديه المال، وربما يبحث له عن استثمار في الخير، ولكنه لا يعرف طرقًا لاستثماره، إلا الطرق التي أصبحت تقليدية.
والعالم اليوم يتحدث عن مفهوم -أراه أساسيًا لحل مشكلاتنا، ومنها هذه المعادلة الصعبة التي طرحتها أنت- العالم يتحدث عن "الشراكة" – “Partnership”، ويقصد بها تعاون أطراف مختلفة، يملك كل منها ناحية متميزة تتضافر مع إمكانات الآخرين في تسيير حياة الناس، والنهضة بشئونهم.
المفهوم يفترض أصلاً أنه لا يوجد أحد قادر على فهم وعمل كل شيء، وأن خلفيات وتخصصات واهتمامات وإمكانات الجميع لازمة ومطلوبة للتعاون على إدارة الشأن العام.
ألا ترى معي أن روح هذا المفهوم يمكن أن نجدها مبثوثة في كتاب الله، وتعاليم رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، ومقاصد ديننا الحنيف؟! كيف نقرأ ونفهم قوله تعالى: "وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان".. وكيف نقرأ ونفهم قول المصطفى (صلى الله عليه وسلم) عن المسلمين أنهم: "يسعى بذمتهم أدناهم، وهم يد على من سواهم"!!!
والمشكلة ليست فقط في فهمنا للنصوص الدينية، ولكن أيضًا في فهمنا للواقع، وتتجلى مشكلة الفهم هذه في عجزنا عن طرح صيغ عملية لاستثمار التنوع في الإمكانيات: حماس الشباب، وأموال القادرين، وأفكار الفاهمين.. على سبيل المثال.
ودون إغراق في الإحباط فإن الحلول التي سبق وطُرحت لمعالجة هذه المشكلة معروفة، وكان منها فكرة الحركات والتنظيمات والجمعيات التي حاولت تنظيم الجهود الجماعية، لأن اليد الواحدة لا تصفق، ويمكن -بل ينبغي- تقييم حصاد هذه التجارب في ضوء تطورها ونتائج عملها من ناحية، وفي ضوء التطورات الجارية في عالم اليوم من ناحية أخرى.. وأنا أطرح للتأمل صيغة أو ظاهرة أراها تتنامى في حياتنا، وقد تكون لديها فرص أكبر للنجاح في المستقبل.
أنا أرى أن واقعنا الآن يتجاوز هذه الأساليب والصور المعروفة في التجمع والتعاون والتواصل إلى صيغ أكثر مرونة واتساعًا نحتاج إلى فهمها، وتحسين أدائها، وتطويره.
إننا اليوم بصدد بدايات ما يمكن تسميته بالأشكال "ما بعد الحركية" في الحراك والتفعيل، في نشر الأفكار، وتكوين العقول، والتدريب على المهارات.
يمكننا الحديث عن الإسلام "ما بعد الحركي" الذي أصبح من الممكن فيه أن تتواصل إمكانات وجهود، وتتكامل في خدمة الناس عامة، والمستضعفين بوجه خاص.
تأمل معي أنك بنفسك اليوم قادر على الاتصال بأناس في أقصى بقاع الأرض، والتحاور معهم بشأن التعاون على فعل خير في مجتمعك البسيط المحتاج، كما تستطيع أن تتواصل مع آخرين لهم الاهتمام نفسه الذي يؤرقك دون حتى أن تتقابل معهم أو تسافر إليهم، ويمكن أن تنشأ تبعًا لهذا أشكال غير محدودة من البرامج والممارسات.
إن آفاقًا هامة تنفتح أمام أعيننا تجعل من الفرد الضعيف "سابقًا" قوة أساسية لا حدود لمدى تأثيرها إلا قدرته هو على الخيال والاتصال والفعل.
ونحن في صفحتنا هذه مهتمون بإشعال الخيال، وتطوير الأفكار الجديدة، ودعم الاتصال والفعل بما ينقل الشباب من موقع الشكوى المزمنة إلى موقع المشاركة الفاعلة.
أشكرك على رسالتك، وكن على اتصال مستمر بنا، لعلنا نستطيع معًا تطوير هذه الطاقات الشبابية التي تتحدث عنها، وأدعو الله أن يجزيك خيرًا على نيتك وهمك وهمتك العالية.