رسالة من إحدى الفتيات تقول:
إن الفتيات غير الملتزمات يجدن طريقهن للزواج عن طريق الاختلاط بالشباب في النادي الاجتماعي أو الرحلات الجماعية، وغير ذلك حيث تكون هذه اللقاءات فرصة للتعارف والاختيار، فما السبيل لزواج الفتاة التي عرفت طريق الله، فلم تخرج، وتعيش مثل الأخريات؟!
أثرت هذه الرسالة في نفسي فهذا واقع، وتساءلت: هل كتب على كل فتاة اختارت طريق الله، وآثرت الآخرة على الدنيا أن تبقى بغير زواج.. ولا تشبع مشاعرها، ورغباتها الطبيعية في أن تكون زوجة وأمًا؟ وبدأت التفكير في حل عملي متسائلة: لماذا لا يكون هناك اختلاط مقنن بين الجنسين؟! ألسنا قومًا عمليين؟!
ألم تدخل امرأة على النبي – صلى الله عليه وسلم – والصحابة من الرجال جلوس بين يديه، وقالت له: يا رسول الله : ذهب الرجال بالأجر كله.. إلخ الحديث فهل اعترض الرسول – صلى الله عليه وسلم – أو اعترض الصحابة قائلين: كيف تتكلم امرأة أمام الرجال؟ فلماذا لا يكون هناك قضايا تطرح بين الشباب من الجنسين، وفي مناقشتها يتعرف كل على الآخر؟!
أعرف بعض الفتيات راجحات العقل، ومثقفات بالفكر السليم، ولهن من القدرات والمهارات في التفكير والتعبير ما لا يراها الشباب بمجرد النظرة العابرة – تلك النظرة التي لا تكشف إلا جمال الشكل – وقد يعرض عليه الزواج منها؛ فلا يقتنع لمجرد الشكل، بينما إذا تحدث معها فقد يجد لديها من الشخصية والفكر ما يدعوه إلى نكاحها، فالمرأة ليست شكلاً فقط!!
وبدأنا في عمل رحلات، وصالونات ثقافية يجتمع فيها الشباب من الجنسين بوجود عائلات بعضهم، وتحت إشراف من هم أكبر سنًا من المتزوجين؛ ليحدث نوع من التعارف المنضبط خلال الفقرات المتنوعة من مسابقات في المعلومات العامة، وبعض المواقف الدرامية الهادفة، والتعليق عليها والحوار حولها.
وفي إحدى المرات قمنا بعمل رحلة للعائلات في مكان فسيح بالهواء الطلق، أفطرنا منفصلين، البنات في جانب، والشباب في جانب، ثم قمنا بالبرنامج المشترك لمدة ساعة تقريبًا وقام الشباب بعمل بضعة مشاهد تمثيلية قصيرة ثم جرى حولها حوار مشترك عن المعاني المستفادة، والتطورات المتوقعة.. وهكذا، ثم قمنا بعمل مسابقة بين فريق من البنات وفريق من الأولاد وقام كل متسابق ومتسابقة بتعريف نفسه للحضور قبل الأسئلة والإجابة.. وبالمناسبة فاز فريق البنات في النهاية… عفوًا أعتقد أنها بداية، وليست نهاية.
شكرًا يا أخت ليلى.. ولا أدري هل هذا هو اسمك الحقيقي أم ماذا؟ لو كنت تتابعين صفحتنا من بدايتها لوجدت حسمًا في مسألة حدود العلاقة بين الجنسين يتضمن تأصيلاً للموقف النبوي، وصورة مجتمع الرسالة، ويحدث غالبًا أن تهدي التجارب السليمة إلى نفس النتيجة التي يرشد إليها وحي السماء حين نفهمه ونسترشد به. وعليك مراجعة مشكلة مبدأ اللاعلاقة… ملاحظات من الجزائر أطمح أن يرزقني الله الوقت والجهد ، أو لعل غيري يقوم بذلك – لنكشف متى دخل هذا الفهم الأعوج، والشكل المختل لتصورات العلاقة بين الجنسين في الإسلام؟! ولا أدري صدقًا كيف ومتى استقر هذا الفهم وتوابعه لدى جمهور الملتزمين، أو حتى المحافظين في عالمنا العربي، وأغلب عالمنا الإسلامي؟!
إنما أنا متأكد أن هذا الفهم والسلوك لم يأت بخير، بل كان مدخلاً لشرور كثيرة لعل من أقلها فداحة تأخر زواج الملتزمات، الأمر الذي عالجناه كثيرًا على صفحتنا من قبل.
أختي الكريمة، إننا نعيش فتنة اجتماعية هائلة ساهم فيها هذا الفهم والسلوك بنصيب موفور مع عوامل أخرى يضيق المجال عن شرحها، وحسنًا فعلتم بهذه التجربة العملية التي سبقناكم إليها منذ ما يزيد عن عقد من الزمان، وواجهتنا وقتها انتقادات رهيبة، واتهامات في الدين والتقوى، ثم مرت الأيام فإذا بمن كان ينتقدنا بالأمس يقود اليوم لقاءات من هذا النوع!!
لا أقصد تثبيطك بالطبع عندما أقول: إن الفكرة ليست جديدة كما تتصورين، ولكنني قصدت إيناسك بخبرة سابقة نجحت وأثمرت، ولله الحمد.
مع ملاحظة أن الحركة الجامعة في المجال العام، والتي نشير إليها هنا، ونمارسها في مكتبنا والدوائر التي نتحرك فيها لا تمت بصلة لما هو شائع من فوضى وتسيب فاضح في ممارسة الكثير للعلاقة بين الجنسين.
ملاحظة أخيرة أشير إليها، وهي أننا نعتقد أن الأصل في المجال العام هو حركة الرجال والنساء دون انفصال مع الالتزام بما أشار إليه الشرع الشريف من توجيهات وضوابط، بينما نعتقد أن الأصل في المجال الخاص، ومنه الترفيه والترويح أن يغلب عليه استقلال كل جنس بمساحة يتحرك فيها على راحته، وفهمنا هذا على عكس الفهم الشائع الذي يرى الخير في انفصال الجنسين في المجال العام.
أحسب أن يتحول نمط حياتنا وتفكيرنا بحيث يعود إلى الأصل السليم بحركة الجنسين معًا في المجال العام: عمل، وتنسيق جهود، وتثقيف، واهتمامات عامة، ويكون هذا هو سمت حياتنا الطبيعي، لا نتعسف.. فيه ما تسمينه الاختلاط، كما لا نتعسف الانفصال، ويكون الاستقلال بمساحة منفصلة هو الأصل في أوقات الترويح والراحة، ولا ينفي هذا أن ما قمتم به جيد كبداية كما ذكرت في رسالتك وشكرًا على مساهمتك.
ولمزيد من التوضيح ،برجاء مراجعة مشاكل : تأخر زواج المحجبات.. المقصورات في الخيام تأخر الزواج: صوت عالٍ، وصدى أعلى تأخر سن الزواج…على من نطلق الرصاص