أمَّا الأسباب التي تعين على تحقيق الهمَّة العالية للمسلم في حياته كثيرة، وأمثلتها من السيرة كثيرة، نذكر منها:
1- حبُّ الله ورسوله، وحبُّ جنَّته، واليقين بها والشوق إليها:
عن أنس رضي الله عنه قال: انطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى سبقوا المشركين إلى بدر، وجاء المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يقدمَنَّ أحدٌ منكم إلى شيءٍ حتى أكون أنا دونه"، فدنا المشركون، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:"قوموا إلى جنَّةٍ عرضها السماوات والأرض"، قال: "يقول عُمَيْر بن الحُمَام الأنصاريُّ رضي الله عنه: يا رسول الله، جنَّةٌ عرضها السماوات والأرض؟! قال: "نعم"، قال: "بَخٍ بَخ"، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ما يحملك على قولك بَخٍ بَخ؟!" قال: لا والله يا رسول الله إلا رجاء أن أكون من أهلها، قال: "فإنَّك من أهلها"، فأخرج تمراتٍ من قَرْنه فجعل يأكل منهنّ، ثم قال: لئن أنا حييت حتى آكل تمراتي هذه إنَّها لحياةٌ طويلة! فرمى بما كان معه من التمر، ثم قاتلهم حتى قُتِل.رواه مسلم.
فحبُّه لله ورسوله وتصديقه بهما، ويقينه بقيمة الجنَّة وشوقه إليها، كلُّ ذلك كان حافزاً له لتحصيل الثواب ولاتخاذ أسباب الوصول لأعلى درجاتها، مع الصبر على ذلك: "إنَّما يُوَفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب".
2- الخوف من النار، واليقين بعذابها:
عن أنس رضي الله عنه قال: خطبنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطبةً ما سمعتُ مثلها قط، فقال: "لو تعلمون ما أعلم، لضحكتم قليلا، ولبكيتم كثيرا"، فغطَّى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وجوههم ولهم خنين".رواه البخاري، خنين: أي بكاءٌ مع صوتٍ وانتشاقٍ من الأنف.
فقد دفعهم يقينهم بالنار وخوفهم من عذابها إلى الانطلاق في الالتزام بالإسلام وحمايته ودعوة الناس إليه.
3- تذكُّر عِظَم الرسالة التي تحملها:
فأنت يا أخي المسلم صاحب أعلى لواءٍ على الأرض، ودينك هو الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، كيف لا وهو مرتبطٌ مباشرةً بالعزيز الغالب سبحانه، ويا له من ارتباط.
ودينٌ عظيمٌ بهذه الدرجة يحتاج إلى رجالٍ عظام، ومهمَّة الدعوة إلى دين الله تعالى هي أعلى المهمَّات وأشرفها، يقول ابن الجوزيِّ رحمه الله: "ألست تبغي القرب منه؟ فاشتغل بدلالة عباده عليه، فهي حالات الأنبياء عليهم السلام، أما علمتَ أنَّهم آثروا تعليم الخلق على خلوات التعبُّد، لعلمهم أنَّ ذلك آثر عند حبيبهم؟ هل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق، وحثَّهم على الخير ونهيهم عن الشرّ؟"، ويؤكِّد ذلك الإمام ابن القيِّم رحمه الله فيقول: "الشجاع الشديد الذي يهاب العدو سطوته: وقوفه في الصف ساعة، وجهاده أعداء الله، أفضل من الحجِّ والصوم والصدقة والتطوُّع، والعالِم الذي قد عرف السنَّة، والحلال والحرام، وطرق الخير والشرّ: مخالطته للناس وتعليمهم ونصحهم في دينهم، أفضل من اعتزاله وتفريغ وقته للصلاة وقراءة القرآن والتسبيح"، ويقول الإمام عبد القادر الكيلاني رحمه الله: "هذه -أي الدعوة- هي الغاية القصوى في بني آدم، لا منزلة تفوق منزلته إلا النبوة".
4- الانتماء إلى "العزيز" سبحانه:
انتمِ إلى ربِّك العزيز سبحانه، انظر في قيمة ما تحمل، تزدد عزًّا وفخرا، يقول تعالى: "ولله العزَّة ولرسوله وللمؤمنين ولكنَّ المنافقين لا يعلمون" ويقول جلَّ شأنه: "الذين يتَّخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزَّة فإنَّ العزَّة لله جميعا"، ويقول سبحانه: " ولا يحزنك قولهم إنَّ العزَّة لله جميعاً وهو السميع العليم"، ويقول جلَّ وعلا: "من كان يريد العزَّة فلله العزَّة جميعا"، وقد وصف ربُّنا سبحانه نفسه بـ"العزيز" في أكثر من تسعين موضعاً في القرآن الكريم، كما علَّمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضوان الله عليهم العزَّة بأفعالهم، فلم يعطوا الدنيَّة من دينهم، وقاتلوا حتى تكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، ولم يهدأ لهم بالٌ حتى أعلى الله بهم دينه ولواءه، وكذلك فعل الأنبياء السابقون عليهم السلام.
فهذه هي مكانة العزَّة في ديننا، ربٌّ عزيزٌ سبحانه، أمرنا ألا نعطي الدنيَّة من ديننا، ونهانا عن الذلَّة والمهانة، بل ونهانا عن كلِّ ما يؤدي لذلك، قال صلى الله عليه وسلم: "ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم"رواه البخاريُّ ومسلم، والمرَّة الوحيدة التي سمح لنا ربُّنا فيها بالذلَّة هي مع إخواننا المسلمين: "يا أيُّها الذين آمنوا من يرتدَّ منكم عن دينه فسوف يأتي الله بقومٍ يحبُّهم ويحبُّونه أذلَّةٍ على المؤمنين أعزَّةٍ على الكافرين يجاهدون في سبيل الله ولا يخافون لومة لائم ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله واسعٌ عليم"، وهذه الآية العظيمة تحتاج إلى وقفة: فالقوم الذين يحبُّهم الله تعالى وسوف يأتي بهم بدلاً ممن ارتدُّوا عن دينهم، من شروطهم أن يكونوا أعزَّةً ولا يخافون لومة لائم ولا يذلُّون إلا لإخوانهم، ألا تكفي هذه الآية للتدليل على عِظَم هذا الدين ورقيِّه وعلى اشتراطه العزَّة كشرطٍ أساسيٍّ للمنتمين إليه؟
انتمِ إلى العزيز سبحانه، وستجد همَّتك تطاول عنان السماء.
5- الوفاء بالوعد مع الله ورسوله وإسلامه:
فالمسلم من نطق الشهادتين بصدقٍ كان بينه وبين ربِّه ورسوله وإسلامه وعدٌ بأن يتمسك بدينه، ويحافظ عليه، ويدافع عنه، وينشره لغيره، وهذا الوعد يُعِين النفس على السعي لتنفيذه خوفا من إخلافه، وحبًّا في ثواب الوفاء به.
عن أنس رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخذ سيفاً يوم أُحُد، فقال: "من يأخذ منِّي هذا؟" فبسطوا أيديهم، كلُّ إنسانٍ يقول: أنا أنا، قال: "فمن يأخذه بحقِّه؟" فأحجم القوم، فقال أبو دجانة رضي الله عنه: أنا آخذه بحقِّه، فأخذه ففَلَق به هام المشركين".رواه مسلم.
6- الشعور بالتقصير، ومحاولة التعويض:
فاستشعار مقدار الثواب الذي يفوت المسلم بسبب تقصيره أو غفلته أو إعراضه أو نسيانه أو نحو ذلك يكون دافعاً له للعمل من أجل تعويض ما فاته.
عن أنس رضي الله عنه قال: "غاب عمِّي أنس بن النضر رضي الله عنه عن قتال بدرٍ فقال: يا رسول الله غبت عن أوَّل قتالٍ قاتلتَ المشركين، لئن الله أشهدني قتال المشركين لَيَرَيَنَّ الله ما أصنع، فلما كان يوم أُحُدٍ انكشف المسلمون، فقال: اللهمَّ إنِّي أعتذر إليك ممَّا صنع هؤلاء -يعني أصحابه- وأبرأ إليك ممَّا صنع هؤلاء -يعني المشركين- ثم تقدَّم فاستقبله سعد بن معاذ فقال: يا سعد بن معاذ، الجنَّة وربِّ النضر، إنِّي أجد ريحها من دون أُحُد، فقال سعد: فما استطعتُ يا رسول الله ما صنع، قال أنس: فوجدنا به بِضْعاً وثمانين ضربةً بالسيف أو طعنةً برمحٍ أو رميةً بسهم، ووجدناه قد قُتِل ومثَّل به المشركون، فما عرفه أحدٌ إلا أخته ببنانه، قال أنس: كنَّا نرى أو نظنُّ أنَّ هذه الآية نزلت فيه وفي أشباهه: "من المؤمنين رجالٌ صدقوا ما عاهدوا الله عليه فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدَّلوا تبديلا"رواه البخاريُّ ومسلم.
7- البشريات:
فمن طباع البشر أنَّ النجاح يدفع إلى مزيدٍ من النجاح، فما نراه الآن من بدايات العودة لله تعالى والإسلام ممثَّلةً في انتشار الحجاب، ومراكز حفظ القرآن، وامتلاء المساجد بالمصلِّين، والمدارس الإسلامية، وانتشار الأخلاق بين الناس، وعودة روح الجهاد والدفاع عن الإسلام ونصرته، وإعادة عزَّته، كلُّ ذلك وغيره من البُشْرَيات الكثيرة -رغم أنَّها كلَّها ما زالت بدايات- يدفع إلى مزيدٍ من العمل والإنجاز حتى يُتمَّ الله نصره.
ولعلَّ في قصَّة دعوة مصعب بن عمير رضي الله عنه لأهل المدينة للدخول في الإسلام ما يدلُّ على ذلك؛ إذ أرسله الرسول صلى الله عليه وسلم مع الذين بايعوه في بيعة العقبة الأولى حين أتَوا للحجِّ وكانوا اثنا عشر فرداً ليعلِّمهم إسلامهم، فانتقل من بيتٍ لآخر يدعو فآمن من آمن، وكان ذلك دافعاً له لمزيد من توصيل دعوة الله تعالى، حتى جاء حجُّ العام الذي بعده فبايع فيه سبعون رجلاً وامرأتان رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بيعة العقبة الثانية على الدفاع عنه وعن دعوته، ثم انتشر الإسلام شيئاً فشيئاً بعد ذلك.
كذلك لما أسلم عمر بن الخطاب رضي الله عنه بمكَّة كانت هذه البُشرى دافعاً للمسلمين لمزيدٍ من نشر دعوة الإسلام والجهر بها.
8- التواجد في وسط الصالحين، والتعاون معهم:
فيُعين بعضهم بعضاً على زيادة الإيمان بالطاعة كالصلاة والصوم والذكر والتدبُّر وقراءة القرآن وغيره، ويحضُّ بعضهم بعضاً عند النسيان، ويشارك بعضهم بعضاً عند الدعوة لدينهم، ويقوِّي بعضهم بعضاً عند الدفاع عنه، فقد كان هذا هو فعل الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فقد كانوا يلتقون في صلوات الجماعة، ويتدارسون القرآن، ويشتركون في الأفراح والأحزان، ويعملون ويتاجرون ويجاهدون، فأصبحت حياتهم كلُّها همَّةً ونشاطا، وأحسنوا إعمار الكون وخلافة الله تعالى فيه.
9- القراءة في رفع الهمَّة:
وهي كثيرة، حفلت بها كتبنا، وامتلأت بها أسفارنا، فقط افتح وطالع واقرأ، فأنصحك بالقراءة في كتب الرقائق وتزكية النفس، إذ فيها الكثير من الحديث عن الهمَّة، وأخصُّ بالذكر كتابات الإمام ابن قيِّم الجوزيَّة والحارث المحاسبي رحمه الله، وشيخ زهَّاد بغداد الشيخ عبد القادر الكيلاني، والأستاذ مصطفى صادق الرافعي.
ودعني أذكِّرك ببعض الأدبيَّات التي وردت في ذلك:
- قيل لأحد التابعين: أريدك في حُوَيْجة –تصغير حاجة-، فقال: ابحث لها عن رُجَيْل –تصغير رجل.
فأصحاب الهمم العالية هم للأمور العظام لا الحاجات الصغيرة.
- مجموعةٌ من الأشعار في رفع الهمم: يقول المتنبِّي:
- سبحان خالِق نفسي كيف لذَّتها……. فيما النفوس تراه غايةَ الألمِ
الدهر يعجب من حملي نوائبه……. وصبر جسمي على أحداثه الحطمِ
- وما الدهر إلا من رُواةِ قصـائدي….… إذا قلتُ شعراً أصبح الدهر منشدا
وسـار به من لا يسـير مشمِّرا……. وغنَّـى به من لا يغنيِّ مغَرِّدا
- ذريني أنل ما لا يُنال من العلى……. فصعبُ العُلى في الصعب والسهل فيالسهلِ
تريدين لقيان المعالي رخيصةً……. ولابدَّ دون الشهد من إبَر النحلِ
- وإذا كانت النفوس كبارا……. تعبت في مرادها الأجسامُ
- إذا غامرتَ في شرفٍ مرومِ……. فلا تقنع بما دون النجومِ
ويقول طرَفة:
إذا القوم قالوا: من فتى؟ خِلْتُ أنَّني……. عُنيتُ فلم أَجْبُن ولم أتبلَّدِ
وغير ذلك كثير
أخي الكريم:
إضافةً إلى ما سبق، فإنَّ لك في كتب السيرة الزاد، ولو اطَّلعت على أيِّ بابٍ من أيِّ كتابٍ في السيرة؛ لمواقف لرسول الله صلى الله عليه وسلم أو لصاحبته الكرام إلا وستستَخْرِج أنت منه همَّةً وعملاً وإنجازًا وتفاؤلا، فما عليك إلا أن تتدبَّر في معانيه وتطبِّقها في حياتك. جزاكم الله عن الإسلام والمسلمين خيرا، ونتمنَّى مداومة الاتِّصال بنا.