| بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد ..
أختي الكريمة، أعزك الله، ورفع قدرك في الدنيا والآخرة..
ما كان لنا أن نحتقر رسالتك أبدا، ولا أن نغفل الرد عليها، وقد جاءت من قلب حي ينبض بالإيمان، نعم أختي، لا تتعجبي، فإنك- ومقلب القلوب - لست أبدا صاحبة قلب ميت، بل إن قلبك يحيا وينبض، بل إنه يذكِّر القلوب الميتة ويوقظها من غفلتها .
إن القلب الذي يشعر بالتقصير في جنب الله، ويشكو قسوته وبعده، ويصرخ متألما، ليس بقلب ميت أبدا، فالميت لا يشعر ولا يتألم ولا يشكو. إنما هذا من فعل الأحياء .
إن المشكلة الحقيقية عندك- أختي الكريمة- تكمن في عدم معرفتك الصحيحة بربك، وعدم معرفتك الحقة بحكمة العبادات وأسرارها، فأنت تعبدين الله عز وجل لأنك ظننت- أو ربما أشعرك من حولك- أن الإيمان بالله عز وجل وعبادته هو مجرد واجب إجباري لا بد من القيام به، وأن القيام بالشعائر والنسك هي مجرد حركات نفعلها فقط لأننا أمرنا بفعلها، دون الالتفات إلى مقاصدها وأسرارها وحكمتها ونفعها العائد علينا وعلى ديننا.
باختصار يا أختي أقول لك :
أنت تملكين القلب الحي فعلا، ولكنك تفقدين العاطفة والشعور اللذين يملآن هذا القلب، تفقدين حب الله عز وجل، الذي لن يتأتى إلا عن طريق معرفته معرفة حقيقية، وهذا الحب الذي لو تمكن من قلبك لأفاض عليك أنواعا أخرى من الحب تملأ كيانك وتشعرك بالطمأنينة وتزيل عنك المخاوف والوساوس والشكوك والنفور، فتحبين دينه، وتحبين عبادته وشعائره، وتحبين كتابه، وتحبين المؤمنين. وتجدين نفسك تقومين بالواجبات الدينية بحب وبرغبة وشوق، وتقبلين على الحياة بكل ما فيها من خير.
أختي العزيزة :
أرجو أن تتأملي في كلماتي هذه مليا، وإني أدعوك أن تجربي القيام بما سأنصحك به الآن، ولن تخسري شيئا، بل أعدك بأنك ستكسبين الكثير، وبأنك ستجدين حياتك من جديد، وستستمتعين بها أيما استمتاع في كنف الله عز وجل :-
1. ثقي بأن الله عز وجل يحبك، وأنه كرمك واصطفاك عن سائر المخلوقات للقيام بمهمة عجزت عنها السماوات والأرض والجبال .
2. تعرفي إلى ربك جل وعلا من خلال النظر في خلقه، انظري لآثار عظمته ورحمته في الكون من حولك، في أوراق زهرة جميلة، في زرقة السماء وصفائها، في النسمة العابرة، في الطيور السابحة في الفضاء، في البحار وما تحوي من مخلوقات، في نفسك أنت وفيمن حولك من بشر.
3. تعرفي إلى نفسك وتصالحي معها، واكتشفي قدراتك ومواهبك وابدئي في استثمارها، ولا تقللي من قيمتك الشخصية ولا من قيمة ما تفعلين، ولا تنسي ما قلته لك في البداية من أنك كائن عظيم شرفه الله عز وجل وكرمه، فكوني على هذا المستوى من التكريم الرباني.
4. تحاملي على نفسك وقومي بين يدي الله قبيل الفجر أو في وقت السحر، وابكي بين يديه، واشكي همك له، دون افتعال للكلمات ولا تحضير للدعاء، بوحي له بما تشعرين به كما نقلته لنا، قولي له كل هذا الكلام، واطلبي منه أن يساعدك، وأن يخرجك مما أنت فيه من هم وحزن، فهو سبحانه أرحم بك منا ومن أبويك ومن الناس أجمعين.
ولعل الله عز وجل ابتلاك بهذا لأنه يجب سماع صوتك في الدعاء، و يحب أن تقفي بين يديه وتطلبي منه ما تشائين، وتذكري أنه وعدنا بالإجابة، وهو سبحانه لا يرد سائلا، ولا يخيب رجاء من يلوذ به.
5. أكثري من قراءة كتب الرقائق التي تتحدث عن حب الله لعباده ورحمته بهم، ونعمه عليهم .
6. تعلمي واقرئي في أسرار العبادات وحكمها ومقاصدها، واعلمي أن الصلاة أو الطواف أو السعي أو الصيام أو القيام .. إلخ ، إن لم تؤدى بحضور قلب واستحضار لحكمتها وروحانيتها فكأنها لم تكن، فاحرصي على تعلم هذه الأشياء والالتفات إليها والسؤال عنها، ولا تكن عبادتك آلية لا روح فيها.
7. اقرئي في سير الأنبياء والسلف والصالحين، وكيف كانوا يواجهون الابتلاءات ويصبرون عليها. وكذلك سير التائبين والتائبات وكيف كانت حياتهم قبل التوبة وبعدها، فهذا يشد من أزرك ويقويك ويأخذ بيديك.
8. أعيدي رسم العلاقات بينك وبين من حولك من الناس، بينك وبين أبويك وإخوتك وجيرانك وزميلاتك وأقربائك، اندمجي معهم فيما ليس فيه خروج عن الأدب والشرع، عيشي حياتك معهم، شاركيهم اهتماماتهم وأنشطتهم.
وأخيرا أختي الكريمة..
تذكري أن الدنيا مهما طالت ومهما صعبت ومهما قاسينا فيها، فإنها قصيرة منتهية، سنؤول بعدها إن أحسنا فيها وصبرنا إلى رضوان الله عز وجل وإلى نعيم مقيم لا يزول ولا ينقضي، نعيم ينسينا الدنيا وما كان فيها من شقاء، فلنصبر هذه الساعات التي يسمونها العمر .
أسأل الله عز وجل أن يزيل همك وحزنك وأن يربط على قلبك وأن ينيره بنور الإيمان واليقين، وأرجو أن تطمئنينا عليك.
|