يقول الأستاذ أحمد عبيد، من فريق الاستشارات الإيمانية بمصر:
أختي الفاضلة...
يقول الإمام النووي في كتاب "الأذكار": "إنَّ الوَسواس إنما يُبتَلى به مَن كمُل إيمانُه، فإنَّ اللص لا يقصد بيتًا خرِبًا"، يقصد أن الشيطان يحاوِل إفساد قلوب أهلِ الإيمان ليُفسد عليهم إيمانهم.
ولو قمنا بسرد بسيط لما ورد برسالتك من تعبيرات، يتضح لنا أن حجم التغير الذي طرأ على شخصيتك وسلوكك وإيمانك، كفيل بأن يبرر لنا هذا الأمر.. انظري معي:
1- تقولين أنك كنتِ ممن ينقرون الصلاة، إذا قمت للصلاة من الأساس، فأصبحت تستمتعين بصلاة السنن وقيام الليل.
2- وتقولين أنك كنت متبرجة، تتفننين في اختيار الملابس الكاشفة، فارتديت الحجاب، وصادقت الفتيات المتدينات.
3- وتقولين أنك استبدلت اهتمامك بأخبار أهل الفن، اهتماماً أعز وأرقى بسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وآل بيته الأطهار وصحبه الكرام.
4- وتقولين أنك امتنعت عن سماع الأغاني، وتحولت إلى سماع الأشرطة الإسلامية، والكلام الطيب النافع.
فهل بعد هذا كله، ننتظر من الشيطان أن يقف متفرجاً ليبارك شخصيتك الجديدة ؟!!، هل ننتظر منه وهو عدو واضح يبارزنا العداء أن يشجعك على هذه الخطوات المباركات؟!، ... لا .. لا .. حتماً أنه سيعمل جاهداً للبحث عن مدخل جديد، وحتما أنه سيبحث عن وجه جديد يناسب هذا "النيولوك". فإنه لا يكون شيطاناً بحق إن لم يفعل!
أختي الكريمة..
لست أدعي علما أتفضل به عليك، ولكني اجتهدت أن أجمع لك من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال العلماء، وبعض الآثار التي قد تفيدك في الخلاص من هذه الحالة وهذا الشعور، وأبشرك ابتداء بقول العلماء أنه ينبغي للإنسان ألا يَفزَع إذا عُرِضت له الوسوسة، فالله ـ تبارك وتعالى ـ لا يعاقب الإنسان على مجرد الوسوسة، والرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يقول: "إن الله تَجاوز لأمتي عما حَدَّثتْ به نفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به".
1- ثَبَتَ في حديث النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه قال: "يأتي الشيطانُ أحدَكم فيقول له: من خلق هذا؟ من خلق هذا... حتى يقول: من خلق الله؟. فمن وجد ذلك فليستعذ بالله وليَنتَهِ".
2- وروي أن الصحابة – رضوان الله عليهم- شكوا إلى النبي ـ صلى الله عليه وسلم - أن الشيطان يُورِد أحيانًا على قلوبهم ما يصعب عليهم أن يتكلموا به، فقال لهم مشيرًا إلى الشيطان: "الحمد لله الذي رَدَّ كيده إلى الوسوسة".
3- وعن أم المؤمنين عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت : قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم :" مَن وَجَد من هذا الوسواس فليَقُل: آمنَّا بالله وبرسُله ثلاثًا، فإن ذلك يذهب عنه".
فكيف بالله عليك بعد هذا تقولين "لا أعلم هل أنا كافرة في ذلك الوقت وأنا بين يديه" !!، وكيف تكونين كافرة وأنت تقفين بين يدي الله، تقرين له بالوحدانية، وتعلنين له الخضوع؟!
4- يحكى عن أحد علماء السلف أنه قال لتلميذه: ما تصنع بالشيطان إذا سول لك الخطايا؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: فإن عاد؟ قال: أجاهده. قال: هذا يطول، قال: أرأيت لو مررت بغنم ينبحك كلبها ومنعك من العبور ما تصنع؟ قال: أكابده وأرده جهدي قال: "هذا يطول عليك، لكن استغث بصاحب الغنم يكفه عنك".
فالاستعانة بالله القوي رب العالمين، أعظم سبيل لطرد وساوس الشياطين. وهذا ما علمنا إياه ربنا سبحانه وتعالى في قوله في محكم التنزيل: (وإما يَنزَغنَّك مِن الشيطانِ نزغٌ فاستعذْ باللِه إنه هو السميعُ العليمُ) (الأعراف:200).
نأتي لوساوس الطهارة – وهو آفة كثير من الناس - للأسف- ذلك الأمر الذي يجعلك تتمنين الموت حتى يخلصك من عذابك. ولو علمت كيف يقف الشيطان ساخرا منك، يضحك ملء شدقيه لنزعت هذا الوسواس من قلبك.
يعلمنا فقهاؤنا أن الأصل هو الطهارة لا النجاسة حتى ترى النجاسة رأي العين. وفي الحديث عندما شُكى إلي النبي صلى الله عليه وسلم الرجل يخيل إليه أنه يجد الشيء في صلاته - يعني الحدث - فقال صلى الله عليه وسلم: ( لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا ). فالأصل بقاء ما كان على ما كان.
ويقول فضيلة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي: "لقد أنكر العلماء من جميع المذاهب على أصحاب الوساوس ما أعنتوا به أنفسهم، وإن الله عن تعذيبهم أنفسَهم لَغَنِيٌّ، وهو سبحانه يريد بهم اليسر، ولا يريد بهم العسر".
وفي كتاب "إغاثة اللهفان من مكايد الشيطان" يقول الإمام ابن القيم - رحمه الله- : "ومن كيده الذي بلغ به من الجهّال ما بلغ: الوسواس الذي كادهم به في أمر الطهارة والصلاة عند عقد النية، حتى ألقاهم في الآصار والأغلال، وأخرجهم من اتباع سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وخيل إلى أحدهم أن ما جاءت به السنة لا يكفي حتى يضم إليه غيره، فجمع لهم بين هذا الظن الفاسد، والتعب الحاضر، وبطلان الأجر أو تنقيصه. فالموسوس مسيء متعدٍ ظالم بشهادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم، فكيف يتقرب إلى الله بما هو مسيء به متعد فيه لحدوده؟
أختي الحائرة..
إن كان يطمئنك، فإني أقول لك إنك لست وحدك التي تعانين من هذا الوسواس، فيكفي أن تكتبي كلمة "وسواس" في البحث الخاص بصفحة مشاكل وحلول للشباب، لتحصلي على حوالي 50 مشكلة وإجاباتها، تحمل عناوينها هذه الكلمة. فانظري فيها لعلك تجدين فيها ما يعينك، وإلا فعليك بزيارة طبيب نفسي حتى يكتب الله لك الشفاء، فإن الله خلق الداء وخلق الدواء، وأمرنا أن نأخذ بالأسباب مع يقيننا الكامل أن الشافي هو الله.
وأخيرا؛
فإنني أرى الشيطان يقف أمامك مزهوا بنفسه، فقد نجح في إيقافك عن صلاة القيام، والفجر، وأصبحت حادة المزاج مع والدك. كل هذا لأنه أقنعك أن صلاتك – من وجهة نظرك- باطلة!!... فاستعيذي بالله من الشيطان الرجيم، واستعيني به سبحانه على شيطانك، وعودي إلى سابق عهدك، نشيطة مقبلة على الطاعات مكثرة من الذكر والقيام، واجعلي القرآن صديقك، وأديمي النظر في آياته، فقد تركت خيرا كثيرا يحسدك عليه كثير من الناس.. وتابعينا بأخبارك لنطمئن عليك، وقريباً نسمع منك خبر انتصارك على الشيطان.
ويضيف الدكتور محمد منصور:
أختي الكريمة:
إنَّ قوَّة الوساوس وكثرتها تدلُّ على قوَّة الإيمان، وشدَّته وليس ضعفه وقلَّته، فقد سُئِل الرسول صلى الله عليه وسلم عن هذه الوساوس التي تصيبك، وتصيب كلَّ مؤمنٍ أيضا، فقال: "ذاك صريح الإيمان" (رواه مسلم).
ومعنى هذا أنَّ الشيطان يوسوس للمؤمن بوساوس تزداد تدريجيًّا كلَّما ازدادت قوَّة إيمانه؛ لأنَّه يريد أن يهزمه، ويجعله عاصياً لربِّه غير متَّبع لإسلامه الذي جعله لسعادته فيكون رفيقه في النار يوم القيامة، فإن رآه مؤمناً ضعيفاً مفرِّطاً في إسلامه هزمه بأقلِّ وسوسةٍ ككذبةٍ، أو نظرةٍ محرَّمة أو نحو ذلك، وإن رآه مؤمناً قويًّا متمسِّكاً بإسلامه، علم أنَّه لن يهزمه إلا بوسوسةٍ قويَّةٍ مناسبة، كعدم وجود إلهٍ أو حسابٍ أو جنَّةٍ أو نار.
إنَّ هذه الخواطر لا إثم عليها ما لم تتحوَّل إلى قولٍ أو عمل، كما قال صلى الله عليه وسلم: "إنَّ الله تجاوز عن أمَّتي ما حدَّثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلَّم" (رواه البخاريُّ ومسلم)، بل لها ثوابها في الآخرة، ثواب مقاومتها والصبر عليها، كما قال تعالى: "إنَّما يُوفَّى الصابرون أجرهم بغير حساب".
فهي من الابتلاءات التي تكفِّر الذنوب، والتي يختبر بها الله تعالى صدق من ادَّعى الإيمان، وهل سيستمرُّ فيه أم لا، والتي غالباً ما يخرج منها المسلم مستفيداً بعد اتِّخاذه لوسائل التغلُّب عليها – إضافةً إلى ثواب الآخرة – زيادةً في إيمانه، وصبرا، وجَلَدا، وتدريباً على تحمُّل أعباء الدنيا، فيربح فيها ويتمكَّن من أداء ما أوجبه الله تعالى عليه من حُسن إعمارها وخلافته فيها.
وفَّقك الله وأعانك، و جزاك عن الإسلام والمسلمين خيراً، ومرحباً بوصالك وأسئلتك، وآرائك، واقتراحاتك، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
طالعي أيضا:
الوساوس أفقدتني لذة العبادة
الوساوس.. برهان الإيمان
الوسواس الخناس في الطهارة واللباس
وسواس القولون عند المسلمين.. قصة نجاح
وساوس الإيمان الشائكة(ملف)
|