| يقول الأستاذ فتحي عبد الستار:
الأخ الحبيب هلال
حياك الله، وجعل لك من اسمك نصيباً، حتى تكون مبعَث نور وهدى لمن حولك، وبعد..
أشكرك على رسالتك هذه، التي طرحت موضوعات في غاية الأهمية، وضعها الشرع المطهر في مكانة كبيرة، واحتاط لها بضوابط، ووضع لها آداباً يجب أن تُتَبع وتُرَاعى .
ولكي أقدم لك الإجابة التي تفيدك، أريد أن أناقش معك عدة مفاهيم.
تعالى أولاً- أخي هلال – نناقش مفهوم "الاختلاط"، حيث اكتسبت هذه الكلمة سمعة سيئة من كثرة التعبير بها عن صور سلبية للتعامل بين الجنسين، وأصبح مجرد سماعها أو ذِكرها يترك في النفس تصورات مستقبحة، ويوحي بمعانٍ مرفوضة.
والحقيقة أن كلمة "الاختلاط" هذه ليس لها أصل في المصطلحات الشرعية، ولم تجرِ على لسان النبي صلى الله عليه وسلم، ولا على لسان أحد من صحابته الكرام، ولا على لسان أيٍّ من التابعين أو فقهاء السلف، رضي الله عنهم أجمعين، وإنما هي كلمة مستحدثة ابتدعها بعض الدعاة المتأخرين.
وأشيع استخدامها، وارتبطت بالمعاني السيئة، حتى اكتسبت مع الوقت حُكْم الحرمة، فلا يكاد أحد يُسأل عن حكم الاختلاط إلا ويقول دون تفكير: "هو حرام"!!. وعلى المستوى الشخصي فإني لا أحب استعمال هذا اللفظ، وأفضل عليه لفظ (الاشتراك).
وإن كنا نريد أن نحكم بأدوات العلم، لا بالعاطفة، فينبغي أن تحكمنا المسميات لا الأسماء، والمعاني لا المباني، ونحكم على المصطلحات بحسب ما تدل عليه فعلاً، وبحسب تطبيقها في الواقع، لا بحسب فهم الناس لها.
إن الحق الذي ندين الله به – بعيداً عن الأحكام السطحية والأقوال المتشنجة – أن الاختلاط – بمعنى وجود الرجال والنساء في مكان واحد- ليس محرَّمًا في ذاته، وإنما الحرام هو ما قد يلابس هذا التواجد المشترك أو ما قد ينتج عنه من أفعال محرمة.
من هذا ندرك أن الاختلاط المنضبط بضوابط الشريعة وآدابها، لا يُعدُّ مُحرَّما، وتتمثل تلك الضوابط والآداب في التزام كل من الرجال والنساء بالآتي:
• اللباس الشرعي.
• غض البصر.
• عدم الخضوع بالقول.
• تجنب الخلوة المحرمة.
• البعد عن الكلام الزائد الذي لا فائدة تُرجَى منه، والمزاح الخارج.
فما خالف تلك الآداب وتعدى تلك الحدود فهو المُحرَّم. وهذا هو الفهم الذي قررته الشريعة وسيرة النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام. وقد تناولنا هذه القضية في استشارات وفتاوى كثيرة، اشتملت على أدلة وأمثلة كثيرة تؤيد ما أقول، أنصحك أخي بالرجوع إليها، ومنها:
- كيف أدعو زميلاتي للعمل؟
- اختلاط الجنسين.. ضوابط شرعيَّةٌ ودعويَّة
- الاختلاط.. "الشرع" قبل شجاعة الشجعان
- الاختلاط بين الجنسين: حقيقته وحكمه وضوابطه
بناء على هذا، فإنه كي تحفظوا دينكم – رجالا ونساء - في هذه المؤسسة المشتركة، فعليكم أن تتمسكوا بالآداب والأخلاق التي وضعها الشرع الحكيم للتعامل بين الجنسين، والتي بها يسلم الدين، وتصان الأعراض، وتُحفَظ الحرمات. ولا تسمحوا لأي منكم – رجلاً أو امرأة – أن يتعدى هذه الحدود، فإن أخذتم على أيدي المتفلتين والمتفلتات نجوتم جميعاً، وإن تركتموهم هلكتم جميعا.
ولله الحمد- أخي هلال- حيث شهدت في رسالتك بأن كثيرًا من الذين يعملون معك في هذه المؤسسة يتميزون بالأخلاق الحسنة الطيبة.
بعد أن قررنا هذه المفاهيم، نأتي إلى القضية والمشكلة التي طرحتها في رسالتك، ودعني أتتبع معك تعبيراتك وألفاظك وأنت تحكيها، فقد قلت أخي الكريم: "فجاءني أحد الزملاء وقال لي: إن إحدى الزميلات أخبرته أنها رأت اثنين من الموظفين .. إلخ".
وما أود التعليق عليه هنا أولاً هو هذا الفعل المنبوذ ديناً وخلقاً، ألا وهو القيل والقال، والغيبة، ونقل الكلام الخبيث، فقد تكاثرت الآيات والأحاديث الدالة على حرمة هذه الأفعال وكراهية الشارع لها، وتستطيع أن تطلع على الروابط التالية لتعلم مدى قبحها، وحكمها، وكيفية التوبة منها:-
- الغيبة ..تعريفها وحكمها
- أضرار الغيبة والنميمة
- كيفية التوبة من الغيبة
- كفارة الغيبة والأسباب الباعثة عليها
فما كان ينبغي لتلك الزميلة التي رأت هذا الفعل من زميليها – إن كانت رأت فعلاً – أن تنقل ما رأت وتفضح أمرهما، وتقطع عليهما طريق التوبة، بل كان يجب عليها أن تنصحهما سراً، وتبين لهما خطأ صنيعهما.
ورائدنا في ذلك قول النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي كان سببا في فضح ماعز – الصحابي الذي زنا في عهد النبي صلى الله عليه وسلم- : "لو سترته بثوبك كان خيرًا لك". وقوله صلى الله عليه وسلم، في بيان فضل الستر بشكل عام: "من ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة".
ولكن هذه الزميلة – سامحها الله- بدلا من أن تفعل ذلك، استبدت بها شهوة الكلام والإخبار بخفايا الأمور، فصرحت لأحد زملائها بما رأت، فلم يكن هذا الزميل بأفضل منها ولا أتقى، ولم ينهها ولم يزجرها، بل حمل عنها هذا الحديث الذي قد يكون إفكا مفترى من الأساس أو مبالغاً فيه، واستبد به ما استبد بها، وحمل الكلام إليك.
وهكذا ينتقل الحديث وينتشر من شخص لآخر، حتى يصير على لسان كل العاملين في هذه المؤسسة، إن لم يقابل في طريقه أذُنا صالحة، تنتقي ما تسمع، وتنقيه، وتنصح قائله وتزجره وتوقفه عند حده إن رأت فيه ما لا يرضي الله ورسوله.
ما أقبح وما أشد عقاب هؤلاء الناقلين، هذا إن كان ما يتناقلونه صحيحاً، فماذا لو كان إفكا ؟؟!!، ماذا لو كان كذباً أو اختلاقاً؟!.
إننا نعلم أن من طباع هؤلاء المستلذين بالخوض في الأعراض أنهم يتفننون ويتلذذون بإضافة وقائع أخرى من خيالهم لما سمعوه، وكأن كل منهم يريد أن يضع بصمته الخاصة على الموضوع، ليضفي عليه شيئا من الإثارة !!.
وهم بذلك يصنَّفون عند الله عز وجل من الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهم الذين توعدهم الله عز وجل بالعذاب الأليم في الدنيا والآخرة، حيث قال عز وجل: "إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ واللَّهُ يَعْلَمُ وأَنتُمْ لا تَعْلَمُونَ".
ويقعون قبل هذا التصنيف في تصنيف أبشع، وفي ذنب أقبح، وهو رمي المحصنات المؤمنات، وهو جرم يوجب حداً، قال تعالى: "والَّذِينَ يَرْمُونَ المُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ولا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ".
كل هذه الأمور الخطيرة والتشريعات العظيمة يغفل عنها هؤلاء، ويقذفون بأنفسهم في أتون عذاب الله وسخطه دون وازع من دين أو خلق. وتتفاوت درجاتهم في العذاب والسخط بحسب دور كل منهم، كما قال عز وجل: "لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُم مَّا اكْتَسَبَ مِنَ الإثْمِ والَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ".
إن واجب المسلم الحق والمؤمن الصادق إذا تناهى إلى سمعه مثل هذا الكلام الخبيث أن يرفض سماعه ويزجر قائله، ويحذره من عذاب الله، وأن يظن بإخوانه المسلمين خيرًا، طالما لم تقم هناك بينة تدل على غير ذلك.
قال تعالى: "لَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المُؤْمِنُونَ والْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْرًا وقَالُوا هَذَا إفْكٌ مُّبِينٌ. لَوْلا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ . ولَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ فِي الدُّنْيَا والآخِرَةِ لَمَسَّكُمْ فِي مَا أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ . إذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُم مَّا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وهُوَ عِندَ اللَّهِ عَظِيمٌ . ولَوْلا إذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُم مَّا يَكُونُ لَنَا أَن نَّتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ . يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ. ويُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ واللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ".
أخي الحبيب هلال،
سألتني أن أخبرك بكيفية التعامل مع مثل هذا الأمر، ولعل ما قلته في السطور السابقة قد أجاب على سؤالك، ولكن إتماما للفائدة ألخص لك منهج الإسلام في التعامل مع هذه المسألة:-
أولاً: إذا رأى الإنسان أخا له على معصية، يجب عليه أن ينصحه أولا باللين والرفق، ملتزما بآداب النصيحة، وأن يبين له خطأ فعله، ويستر عليه ويمهله. وليس له أن يخبر أحدا من الناس إلا ولي أمر هذا العاصي إذا استمر على معصيته وكانت معصيته يتعدى ضررها إلى غيره، بشرط أن يكون هذا الولي بيده وفي استطاعته منع الضرر، حفاظا على أمن وسلامة المجتمع.
ثانيا: إذا تناهى إلى سمع المؤمن حديث يشي بنقيصة في أحد إخوانه، أو بعيب فيه أو بفعله لمعصية، فيجب عليه أولاً أن يزجر من حدثه ويعظه وينصحه، ثم يحسن الظن في أخيه المنقول في حقه الكلام، ولا يتغير قلبه عليه طالما ليس هناك دليل على صحة ما نُقل عنه.
عليك- أخي هلال- أن توقف هذه المهزلة فورا، فتنصح هؤلاء بأن يكفوا عن الحديث في هذا الأمر اتقاء لعذاب الله عز وجل، وذكِّرهم بالآيات والأحاديث التي ذكرتها لك. فلو فعل الكل هذا ما وجد أصحاب النفوس المريضة آذانا يصبون فيها سمومهم، ولدفعهم هذا إلى الكف عن هذا الفعل.
كما يجب أن تتخذوا بعض التدابير والإجراءات في المؤسسة- أو تطلبوا من صاحب العمل اتخاذها- لضمان استحالة حدوث خلوة بين رجل وامرأة، اتقاءً للشبهات، وحماية للأعراض.
وعليك أيضاً إتباع ما ذكرته من شروط للعمل المشترك بين الجنسين لتلافي حدوث تجاوزات في المستقبل.
ويضيف الأستاذ مسعود صبري:
الأخ الفاضل:
الأصل في المسلمين إحسان الظن، وليست التهمة، قال تعالى: "يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم"، وقال تعالى:"إن يتبعون إلا الظن وإن الظن لا يغني من الحق شيئا"، وقال تعالى: "وإن هم إلا يظنون"، وغير ذلك من الآيات التي تذم الظن ولا تمدحه.
وقد تقرر عند علماء الإسلام أن الحدود تدرأ بالشبهات، لقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أبو داود: "ادرءوا الحدود بالشبهات"، فإن كان درأ الحد يكون بالشبهة، فما بالنا بالظن الخبيث؟
إن تناقل الكلام في مؤسسة عمل يعني أمورا عدة، أهمها:
- ترك العاملين لأعمالهم، وأنهم لا يراعون الله تعالى في أوقات الأعمال، بل يتركون أعمالهم، ليتحدثوا عن هذا وذاك، وهذا يعني أنهم ثرثارون، ومثل هؤلاء الناس لا يوثق في أقوالهم، بل يجب الحذر منهم لسوء أعمالهم.
- أن مثل هذه الإشاعات تفسد جو الإيمان، وتقتلعه من جذوره، وتجعل الجو الذي يعيش فيه الناس مليئا بالخبث والخبائث، والوقائع والدسائس، مما يجعل انتشار السيئات كالنار انتشارها في الهشيم.
- أن الناقلين عن الناس كذبا وزورا، فسينقل عنهم أيضا، فلا يظن الناقل أن الناس لن ينقلوا عنه، فسريان هذه الروح غير الطيبة لن تقتصر على أحد دون أحد، بل ستسري على الجميع.
- أنه يجب علينا أن نحافظ على المؤسسة ونظامها، وأن الناس أتوا للمؤسسة للعمل والإنتاج، وأنهم يقبضون رواتبهم على أعمالهم، لا على اتهام الناس بالظن، ولو كان حقيقة، لكان من الواجب الستر، كما جاء في الحديث: "ومن ستر مسلما ستره الله في الدنيا والآخرة".
- أن يوقن كل أخ في المؤسسة أن مثل هذه الأفعال تهدم الدين والدنيا، فلن تبقى مؤسسة قوية ناجحة تقوم بدورها أيا كان نشاطها إلا أن يتقي الموظفون فيها ربهم في أعمالهم، وأن يتقنوا عملهم على أكمل وجه، لقوله صلى الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملا أن يتقنه"، كما أنها تأكل الدين، ويبقى أهل المؤسسة مفلسون، كما جاء في الحديث عن المفلس: "الذي يأتي يوم القيامة، وقد شتم هذا، وضرب هذا، و قذف هذا، وأكل مال هذا، فيأخذ هذا من حسناته، وهذا من حسناته، حتى إذا فنيت حسناتهم، طرح من سيئاتهم عليهم، ثم طرحوا في النار".
- أنه يجب على الصالحين في المؤسسة أن يقوموا بدور النصح والإرشاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وأن يوقفوا كل ظالم عند حده، حتى لا يستشري الأمر، فينخر في المؤسسة، حتى يأتي بعاليها أسلفها، ويومئذ يندم الجميع يوم لا ينفع الندم.
وإن تقوى الله تعالى، والحب في الله، والحرص على أعراض المسلم "كل المسلم على المسلم حرام، دمه وماله وعرضه"، ونشر الأخوة والحب حماية لأي مجتمع صغير أو كبير من أن ينهار، أو يفقد صوابه، أو يعجز عن القيام بدوره.
فلتكن المؤسسات مكانا للإنتاج، ولندع الثرثرة والاتهام بالكلية، فإن لم تكن، فمكانها في غير هذه المؤسسة، والله يجازي كل امرئ بما عمل، قال تعالى: (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللهُ نَفْسَهُ وَاللهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ).
نسأل الله أن يصلح حالنا، وأن يرزقنا تقواه. وأن يحفظ ألسنتنا عن الخوض في أعراض الناس.. اللهم آمين.
طالع أيضاً:
حسن الظن.. رباط الأخوة
المقياس الحقيقي لحسن الخلق
دور "العبادات" في تهذيب "الأخلاقيات"
العبادات والمعاملات.. هذه نقرة وتلك نقرة!
|