|
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: "وَتُحِبُّونَ المَالَ حُبًّا جَمًّا"، وهذه الآية الكريمة تنطبق تمامًا على الأوضاع الحالية التي يعيشها المواطنون اليوم "في دول كثيرة" في ظل هوى البورصة وشراء وبيع الأسهم والوعي العام بجدوى هذا الفعل لاستثمار الأموال وتسمين الأرصدة. وأسوة برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم يمتلك أسهمًا ولم يكتتب الصحابة والأئمة والأولياء الأسهم لأبنائهم وعاشوا وعملوا صالحًا دون التكالب على الدنيا وتكوين الملايين وحشد الأرصدة البنكية.
اليوم يشهد المجتمع "القطري مثلاً" ظاهرة التعلق الحميم بالأسهم والاهتمام الشديد من النساء والرجال بعمليات الشراء والبيع والانصراف عن الاهتمام بأي قضية دولية أو اجتماعية محلية، ويؤكده الازدحام الشديد عند مواقف سوق الدوحة المالي والمجموعة والموظفون الذين ينصرفون عن أعمالهم ومسئولياتهم بالخروج للبورصة والمتابعة بالإنترنت وشراء البطاقات الشخصية، وبيع المدخرات والممتلكات من الأراضي والعقارات والسيارات والقروض والتهادي بالأسهم، وأحاديث المجالس والتفاخر بين البعض بامتلاك الملايين بسبب اللهاث خلف المضاربات السهمية.
ومن الناس من قرر المقاطعة للتحريم في هذا المجال والاعتقاد بحرمته والرفض حتى لبيع البطاقة أو الاقتراض برغم الحاجة للسيولة المالية.
وفي رأيي الشخصي أن التداول مع الأسهم هو استثمار حقيقي ونافع للأموال، خاصة لذوي الدخل المحدود الذين يعتمدون فقط على الرواتب للحياة المعيشية وشراء الأسهم بأسماء الأولاد هو وسيلة للإحساس بالتأمين لمستقبلهم، خاصة في ظل المتغيرات الكثيرة للأحوال والظروف العملية والاقتصادية، ولا بأس أن يمتلك الإنسان أسهمًا تكون عونًا له في وقت حاجته مستقبلاً وأفضل من الاستعانة بالآخرين للاقتراض والمعونة في الشدة. ولكن المرفوض هو التكالب الشديد على الشراء والتنافر والتباغض والتحاسد بين الناس والتخلي عن المسئوليات والارتباطات الوظيفية والأسرية والأخلاقية الحميدة والسلوكيات القويمة في سبيل الوصول لأعلى الأرقام في رصيد الأسهم، يقول الإمام الحسين رضي الله عنه: "الناس عبيد الدنيا، الدين لُعَقٌ على ألسنتهم" (لُعَق: شيء قليل)، ويقول الله عز وجل: ".. والذين آمنوا أشد حبًّا الله"، وقد أصبح الكثير منهم عبيدا للأسهم وأشد حبًّا لها، وفي غمرة هذا التعلق والهوى ينمو حب الدنيا وتعظم التضحية بكل معنوي وروحاني في سبيل توثيق الحب الدنيوي. والإنسان يعيش وهو بحاجة إلى نوعين من الإشباع المادي والجسدي، والإشباع الروحاني والنفسي، ولا بد لكي يحقق التوازن لذاته والارتقاء بإنسانيته أن يسعى لإشباع كليهما؛ لذلك فإن التكالب على الأسهم وحب المال يؤدي إلى السقوط في هاوية الدنيا والتقوقع الذاتي والنفور من الوظيفة وأعمال الخير، وهذا يؤدي إلى نقصان الإشباع الروحي واختلال التوازن الحيوي والشعور بالتعاسة والشقاء الإنساني.
أرجو أن يتذكر المغرمون في هوى الأسهم أنها ظاهرة متغيرة، وهناك الكثير من القضايا الإنسانية التي تستحق الاهتمام، وهناك المحتاجون المحرومون والأعمال الاجتماعية التطوعية التي تحتاج إلى سواعد وعقول المخلصين واستثماراتهم المالية.
كاتبة قطرية (نقلا عن صحيفة الوطن القطرية).
|