English

 

الثلاثاء. يونيو. 7, 2005

تزكية » قلوب جريحة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

تساؤلات حائرة في رسالة زائرة

عبد العظيم بدران

Image

رسالة طويلة، مملوءة بالأسئلة الحائرة، وردت إلينا من إحدى زائرات موقع "إسلام أون لاين.نت"، تناولت العديد من القضايا الإيمانية ذات الصلة بعلاقة العبد مع ربه، ودارت كلها في سياق واحد حول "ماذا يريد الله منا؟"، وحتى يعم الخير، فقد أحببنا أن ننقل لكم نص أسئلتها وما رددنا عليها به، نسأل الله أن يهدينا وإياكم إلى خير القول وأفضل العمل .. آمين

* بدأت السائلة رسالتها قائلة: تحيرني أسئلة كثيرة وأنا أتأمل أحوال الدنيا.. حاولت أن أدفع نفسي عن طرحها.. أهمها ما الذي يريده منا الله تعالى؟.. فحينما كنت غير ملتزمة بأمور العبادة.. كنت أعتبر الغاية التي يريد الله أن يصلها الإنسان هي عبادته بالفرائض ثم الاستزادة من النوافل. ولكني بعد أن تبت والتزمت بالفرائض وبعض النوافل ما زلت أحس بأني تائهة.. فما هي الغاية التي يريدها الله منا وهو غني عن عبادتنا وعن صبرنا على المشاق الكبيرة؟؟

- فقلت لها: حين تمر بكِ هذه اللحظات التفكيرية المتزاحمة أعتبركِ قد بدأتِ تتحسسين الطريق. ولكني في الوقت ذاته أخشى عليك من التسرع والانبهار بالسراب، تحسبينه ماءً لأنك ظمأى.. حتى إذا جئت إليه لم تجديه شيئا.

حين تبت إلى الله – كما تقولين – وأديت الفرائض ثم النوافل، لم تجدي الاستقرار النفسي الذي كنت تبحثين عنه.. ترى ما السر في هذا؟ هل المشكلة الآن في المريض أم في العلاج؟.

أما العلاج فنعلم أنه من عند العليم الخبير، الذي أحاط بكل شيء علما، كما أن هذا العلاج قد صح عليه وساد به آلاف الملايين من البشر. فما السر إذن؟.

* لكنها قالت: أخبرني بالسر أكرمك الله؟

- فأجبتها قائلا: السر لم يعد سرا.. إنه في الطريقة التي تتناولين بها الدواء. إن الطبيب الماهر قد يصف للمريض علاجا ناجحا، ولكن الأخير قد يتهاون، ويزيد الجرعة عما هو مطلوب، ويترك الدواء نهائيا في بعض الأوقات.. فهل ستنفع المريض حذاقة الطبيب ومهارته حينئذ؟!.

يخيل إلي – صدقا – أنك يا أختي الكريمة لم تؤدي عبادتك كما أراد الله. لا أعني المظاهر الخارجية منها، وعدد ركعاتها، وأشكال السجود والركوع، وغير ذلك، ولكن قد ينقصك في كل هذا السر الذي يقبل الله به عباداتنا: الإخلاص والخشوع.. ولا أستطيع أنا أو غيري أن نشكك في إخلاص إنسان؛ لأن الإخلاص سر من أسرار الله يودعه الله قلب من يشاء من عباده، فلا يطلع عليه إنسان مثله فيحسده، ولا شيطان فيفسده، ولا حتى ملك من الملائكة المقربين. وهذا أيضا هو السر الذي وقر في قلب أبي بكر الخليفة الأول رضي الله عنه ورجح به إيمان الأمة جمعاء.

* فعادت تقول: لكنك حتى الآن لم تخبرني، ماذا يريد الله منا؟

- قلت لها: الجواب متوفر في كلام الله تعالى، وحديث نبينا صلى الله عليه وسلم. ففي القرآن العظيم يقول الحق سبحانه:

- {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر}.

- {والله يريد أن يتوب عليكم}.

- {وما الله يريد ظلما للعالمين}.

- {يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم. والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلا عظيما. يريد الله أن يخفف عنكم وخلق الإنسان ضعيفا}.

- {ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم لعلكم تشكرون}.

- {تريدون عرَض الدنيا والله يريد الآخرة والله عزيز حكيم} .

- {وما الله يريد ظلما للعباد}.

وقد روى مسلم في صحيحه من حديث النبي صلى الله عليه وسلم، حين جاءه جبريل عليه السلام، "وقال يا محمد أخبرني عن الإسلام فقال رسول الله صلى اللهم عليه وسلم الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلا .."، وفي صحيح مسلم عن جابر رضي الله عنه ‏قال: ‏‏أتى النبيَّ صلى الله عليه وسلم ‏ ‏النعمان بن قوقل؛ ‏فقال: يا رسول الله أرأيت ‏إذا صليت المكتوبة وحرمت الحرام وأحللت الحلال أأدخل الجنة ؛ فقال النبي ‏صلى الله عليه وسلم: ‏نعم.

بهذا اليسر أيتها الأخت الفاضلة كان الرسول صلى الله عليه وسلم يحاور ويربي أصحابه الكرام. فمن أين تطرق إليك كل هذا التعقيد الذي شعرتُ به في سؤالك حين قرأته مرارا؟!..

* انتقلت السائلة إلى نقطة جديدة في الموضوع فقالت: لا أدري من أين جاء هذا التعقيد، ولكن حين أقرأ قصص السابقين في تحمل العذاب والفقراء في العصر الحالي.. أشعر أن فهم المتدينين للدين خاطئ وكذلك السلف المتأخرين، لكن أحيانا أغلط نفسي وأقول هؤلاء الذين رضي الله عنهم هم الذين فهموا الدين بشكل صحيح..

- فقلت لها: تحمل السابقين للعذاب هو سنة الله تعالى في أصحاب الحق، لأن الباطل لن يترك الحق يسير بهدوء وسلام لينشر خيره للناس، وطبيعة الصراع بين الحق والباطل –ليس في علاقات الناس فقط، بل داخل الإنسان أيضا- أمر لا بد منه، ولأن السابقين كانت بداية الإيمان في عصرهم، كانت هذه الحرب الضروس عليهم، ولكنهم كانوا رجالا "صدقوا ما عاهدوا الله عليه".

وبالنسبة لتحمل الفقراء للفقر في عصرنا الحالي، فأي عصر خلا من الفقر؟ إن الفقر والغنى سنن اجتماعية، ليس لها علاقة بدين أو عقيدة، إنه حراك اجتماعي، مع التسليم بقدر الله تعالى فيه، ما دام المرء قد أخذ بالأسباب.

* قالت: لكني أود أن أسأل عن الزهد في الدنيا: ما هي الحاجات الأساسية التي يحتاجها الإنسان في عصرنا الحالي التي ليس له غنى عنها؟ فالستائر مثلا أتساءل لما لا نلصق بدلا منها جرائد، ولم يجب أن يكون لنا أكثر من ثوب واحد، ولم نشتر "كنبا" وبالإمكان الجلوس على مطارح أرضية؟؟ فهل ما يخطر ببالي مبالغة؟

- قلت لها: سؤالك عن الزهد، وما الذي نحتاجه في هذه الحياة الدنيا يجيب عنه قول الله تعالى حين خاطب آدم عليه السلام: {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى}. والحد الأدنى للحياة الكريمة يكاد يتفق عليه الخاصة والعامة. وفي قوانين الدول ودساتيرها تفصيل لحقوق الإنسان وكرامته. وقبل ذلك في كتاب ربنا سبحانه قول الله:

- {ولقد كرمنا بني آدم}.

- {قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الزرق}،... وغير ذلك كثير..

وقد أتفق معك في أن الناس اليوم أصبحوا يسرفون في المباحات حتى طغت على حياتهم وكبلتهم بالديون وأصبحت كأنها جزء أصيل لا يمكن الاستغناء عنه. ولكن ليس معنى هذا أن نزدري هذا عند الناس، فالمسلم الحق يتخذ من كل موقف سبيلا للتقرب إلى الناس حتى ولو كانوا مسرفين وخاطئين. وكما تعلمنا فإنه لا بد للإنسان من التخلي قبل التحلي، ولا بد له أيضا من التعريف قبل التكليف، ودعوة الإسلام تقدم التيسير على التعسير، والتبشير على التنفير.

والمسلم ليس بالنقاد المعنف، بقدر ما هو طبيب يضع البلسم حيث تكون الجراح، ويشع من بسمته نور الهداية إلى الناس فيملك منهم القلوب قبل أن يلقي إليهم بالتعاليم.

وأريد أن ألفت انتباهك إلى شيء مهم، وهو أن الجمال لا ينافي تعاليم الإسلام أبدا، بل إن الجمال جزء أصيل من إسلامنا العظيم، فإذا أردت مثلا أن تستغني عن الستائر لأنه يمكن الاستغناء عنها فليس من المناسب أن نضع الجرائد على الحوائط بدلا منها..!

* استوقفتني قائلة: وماذا عن المقارنات التي حدثتك عنها، هل هي صحيحة أم أني مخطئة فيها؟

- رددت عليها قائلا: إن المقارنات التي تعقدينها بين عصرنا الذي نعيشه الآن وما فيه من مبالغات، وبين العصور السالفة وما فيها من بساطة، هذه المقارنات لها ما يبررها، ولكني أقول: المشكلة ليست في العصر ولكنها فيمن يعيشونه. فاجعلي همك بداية في تغيير المفاهيم والأفكار إلى ما يريد الله منا، وسوف تتغير الأمور تباعا.

* قالت: أحيانا حين أتكلم عن هذا الموضوع مع أخي يقول لي إني أعيش في الأوهام، وإن الله لا يريد منا هذا.. وهنا يعود السؤال الذي يحيرني: أيعقل أن ندخل الجنة مثل هؤلاء السابقين بحياة مرفهة ليس فيها إلا المواظبة على الصلاة والحفاظ على الأخلاق وهي أمور سهلة؟ ألا يقول الله تعالى: "أحسب الناس أن يتركوا أن يقولوا آمنا وهم لا يفتنون"؟

- رددت عليها قائلا: أتعجَّب من قولك: إن المحافظة على الصلاة والأخلاق أمور سهلة.. رغم أن إهمالها من كوارث العصر الذي نعيش فيه.. عدم المحافظة على العبادات، والانفلات الأخلاقي. ولا أجدني في حاجة إلى تفصيل القول في ذلك الآن.

أنت تتصورين أن المرفهين لن يدخلوا الجنة مثل السابقين الزاهدين.. رغم أن منزلة الغني الشاكر كمنزلة الفقير الصابر. والشكر المطلوب هنا هو في قول الله سبحانه: {اعملوا آل داود شكرا وقليل من عبادي الشكور}.

ولا أريدك تتخيلين أن الله يريد منا أن نعيش في فقر ومسكنة واستكانة وعدم استقرار، كما يبدو من كلماتك.. كلا.. إطلاقا.. ما أراد الله لنا ذلك. هل قرأت قول الله تعالى: {ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم وكان الله شاكرا عليما}. ألم تسمعي عن أغنياء الصحابة والتابعين؛ أبي بكر وعثمان وعبد الرحمن بن عوف وغيرهم كثير.. فهل أضلتهم الأموال والدنيا؟ أم أنهم سخروها لخدمة الإسلام في كل مجال؟!.

* قالت: بصراحة لا أشعر أن هناك مؤمنين كالصحابة إلا المجاهدين في العراق وفي أفغانستان؛ هؤلاء الذين تعتبر حياتهم قصة تختلف عن حياة ملايين البشر الذين يولدون ويموتون دون أي رصيد جاد من التضحية في سبيل الله، فأظن أن تضحية الإنسان بالمال والحياة الطبيعية وعيشه في المغارات يعد اختبارا لإيمانه الحقيقي. لكن ما السبيل إلى هذا وأنا في مكاني.. فلو كنت قد اكتمل إيماني فإن هنالك عائقا كوني بنتا.. فضلا عن أن قلبي قاس.. لكني أتمني الوصول إلى هذه المرحلة.. فدلني بالله عليك ما الدرب الصحيح الذي يجب أن أسلكه؟

- قلت لها: أخشى عليك أن تسترسلي في قطار أفكارك هذه معتبرة بعض الأمور التي تؤكدين عليها في سؤالك حقائق لا تقبل المناقشة؛ يبدو لي هذا من قولك: "فأظن أن تضحية الإنسان بالمال والحياة الطبيعية وعيشه في المغارات يعد اختبارا لإيمانه الحقيقي".. "لكن ما السبيل إلى هذا وأنا في مكاني حيث لو كنت قد اكتمل إيماني فإن هنالك عائقا كوني بنتا..."!. ولكن على أية حال فإنني أعتقد أن الله أراد بك خيرا حين يسر لك الكتابة تسألين، ونسأل الله أن يجعلنا جميعا في طريق النور والحق المبين.

* عادت تقول: وماذا عن نقدي للملتزمين في وقتنا هذا، ألا ترى أن معي حقا فيما قلته؟

- قلت لها: يجب أن تعلمي أننا بشر ولسنا أنبياء ولا ملائكة.. وليس أحد معصوما على وجه الأرض، وفي الحقيقة لا أجد أفضل من قول ابن مسعود رضي الله عنه حين قال: من كان منكم مُستنا فليستنَّ بمن قد مات؛ فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة. ويشير ابن مسعود إلى أفضل قوم يمكننا اتخاذهم قدوة فيقول: "أولئك أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم كانوا أفضل هذه الأمة، وأبرها قلوباً، وأعمقها علماً، وأقلها تكلفاً، قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه، فاعرفوا لهم فضلهم، واتبعوهم في آثارهم، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم؛ فإنهم كانوا على الهدى المستقيم". ومع ذلك كان من بين الصحابة من أخطأ وتاب، وربما عوقب وأقيم عليه الحد، وما نقص ذلك من قدرهم عند الله تعالى.

* قالت: لكن.. أليس من الواجب على المسلمين أن يكونوا مجاهدين، وأن نعود للجهاد مرة أخرى، حتى نحرر أرضنا، وأن نرفع راية الجهاد، حتى يعود النصر للمسلمين؟

- قلت لها: أنت معذورة في تخيلك أن المؤمنين يجب أن يكونوا اليوم مجاهدين بمعنى محاربين؛ شأنك في هذا شأن عامة المسلمين اليوم. ولكن هذا الفهم يا أختاه لا يستقيم؛ لأن "المؤمن كالغيث أينما حل نفع"، فأنت في الحياة العامة تستطيعين المشاركة في أمور كثيرة – عليك أن تحدديها أنت – تفيدين بها الناس والمجتمع؛ فـ"خير الناس أنفعهم للناس" وليس خير الناس أكثرهم كلاما، أو تبكيتا للآخرين على تقصيرهم ومعصيتهم. وللجهاد مفهوم واسع جدا ليس هنا مجال تفصيله.

نعم، كان الله في عون إخوتنا المرابطين في فلسطين والشيشان وأفغانستان والعراق، وأماكن أخرى عديدة، وأجرهم عند الله عظيم، هم يؤدون ما عليهم، فماذا عنا نحن؟.. هل نعتزل الحياة المدنية التي ابتلينا أيضا بها؟ أليس من الواجب علينا أن نفكر طويلا كيف نغير ما نحن فيه بالتي هي أحسن. فمن الواجب علينا أن نبادر ونسارع إلى المشاركة في تقديم العون للآخرين، أي نوع من العون المادي أو المعنوي أو الثقافي أو العلمي أو الأدبي أو الاجتماعي أو النفسي أو غيره مما نستطيعه، و"لا يكلف الله نفسا إلا ما آتاها".

وفي الختام أختي الفاضلة.. فإن هذه الأسئلة الكثيرة المتداخلة التي طرحتِها تدلني على عدة أشياء:

أولها: أنك لا تجدين القدوة العملية الحقيقية أمامك على أرض الواقع، تلك القدوة التي ترسمينها في ذاكرتك من خلال ما تقرئينه من أخبار الأولين.

وثانيها: أن محور اطلاعك وثقافتك يدور حول عدة نقاط، مهمة نعم، ولكنها ليست كافية في التكوين والتربية الثقافية المتكاملة والمرجوة.

وثالثها: أن الصورة التي ترسخت في مخيلتك من أثر ما تقرئينه أو تطلعين عليه بأية وسيلة جاءت ناقصة، وربما مشوهة إلى حد ما.

ورابعها: أن كل ما سبق قد تسبب في حالة من الحيرة، جعلتك تتساءلين: أين الحقيقة، ومن هم المؤمنون حقا، وماذا يريد الله منا؟.

أسأل الله لي ولك الهداية والتوفيق والإخلاص والثبات.


كاتب وعضو فريق الاستشارات الإيمانية؛ يمكنكم التواصل معه عبر بريد الصفحة tazkia@iolteam.com.

 

«

ابحث

بحث متقدم