English

 

الأحد. يوليو. 31, 2005

تزكية » قلوب جريحة

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

فضفضة جيران *

Image

اعتبر العرب الجوار منذ أيام الجاهلية حقا يعتد به، بل من المكارم التي يعتز بها ويحترمها كل إنسان أصيل. وكثير من الناس مَن يبحث عن الجار قبل شراء أو استئجار الدار؛ لما له من أهمية وضرورة. لكن هذه القيمة على الرغم من أهميتها في الإسلام كعنصر مهم لبناء المجتمع الصحيح المعافَى؛ فقد اعتراها الكثير من الوهن، وبدأ بريقها يتلاشى مع شيوع قيم المدنية الحديثة التي جرَّت الناس إلى كثير من التحفظ والانطواء، فأصبح الجار آخر مَن يعلم عن جاره شيئا، بل تكاد الصلة تكون مقطوعة بين الجيران اللهم إلا نادرا.

ترى ما هي الأسباب التي دعت إلى ذلك؟ وكيف يستعيد الناس هذه السُّنَّة التي حض عليها الإسلام؟ هذا ما يجيب عليه زوار منتدى مجلة الجزيرة على الإنترنت.

سبب للإرهاب!

يعلق نادر الرشيد- مواطن سعودي: "لقد قال الرسول صلى الله عليه وسلم: "ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه". وقد قيل: "الجار قبل الدار"، و"الجار ولو جار". وإذا تذكرنا ما حدث من الإرهابيين من قتل ودمار وفساد وإزهاق لأرواح الأبرياء فسندرك أن غياب واجب الجار كان غطاء لكل تلك الأفعال.

ولنكن صريحين؛ فهذا حديث الساعة، والسبب هو التفكك الاجتماعي في تلك الأحياء، ولأن الجار لا يعلم عن الجار إلا إذا اشتم رائحة رفاته، كل يأتي وقبل دخول الشارع يظهر جهاز التحكم في فتح الباب عن بُعد، ومن ثَمَّ يدخل بسيارته إلى منزله، هذا حال الناس هناك إلا مَن رحم ربي.

أوجه كلامي إلى كل مَن له غيرة على بلده. نحن حكومة وشعبا يجب أن نتكاتف لاقتطاع وبتر العادات السيئة؛ لكي يشفى الهيكل السعودي من الداخل والخارج، فلماذا لا يعود الناس كما كانوا على دين الله؟ يتفقدون بعضهم البعض عقب الصلوات وفي كل صباح؛ ليطمئنوا على جيرانهم؟! وفي هذه الحالة سينكشف أمر كل مندس وسط الأحياء، وسيعرف أمر كل خائن للوطن والدين.

مبررات واهية

وتقول "غيداء المفرج": يعلِّل بعض المقصرين في صلة الجوار أسباب تقصيرهم بالارتباطات والمسئوليات الدنيوية؛ أي الارتباطات والمشاغل التي تجعلهم يقطعون صلة الجوار بينهم وبين مَن جاورهم، وهناك أناس توجد لديهم مبررات، وهي أن بعض الجيران الارتباط بهم قد يجر إليهم بعض المصائب والمشاكل، لكن ما ذنب الجيران الطيبين والأخيار الذين لم يُوفوا حقوق جوارهم. أختم قولي بأن الأسر التي لديها أطفال أكثر تواصلا من تلك التي ليس لديها أطفال.

"محمد بن عبد العزيز بن فهد اليحيى"- إعلامي سعودي يقول: لعل من أسباب انهيار صلة الجوار حسب وجهة نظري الشخصية هو تأثير المادة على نفسيات الكثيرين، فمَن يمتلك مالا كثيرا يسرف منه أو يخزنه في البنوك، أو مَن لديه كبرياء في النفس، وهذه صفة بعض الجيران، حتى لو كان العز الذي هو فيه كله بالأقساط فإن نظرته إلى جاره تكون نظرة تعال ونظرة دونية. وعندما تسأل أحد الجيران: لماذا كل هذا النفور؟ ولماذا كل هذا التجاهل؟ هل هناك شيء؟ هل هناك مشكلة بيني وبينك أو بين الأبناء؟ يتعلل برد أقبح من ذنبه؛ مشاغل الحياة.

ولقد أصبح الجار الآن مختلفا ومن غير أبناء الوطن -غير السعوديين- الذين لهم نظام لا يتفق مع ديننا وقيمنا وتقاليدنا، وخصوصا في موضوع الخصوصية وانفصال الرجال عن النساء وممارستهم لطقوس غريبة.

فهناك بعض الجيران يتمنى أن يقضي الساعات الطويلة هو وأسرته أمام الستالايت على أن يقضي سويعات قليلة مع جاره. وقد يصبح البعض عدائيا لجاره بسبب خلاف بسيط بين أطفال صغار أو حتى اختلاف بين النساء قد يصل إلى حد الاشتباك بالأيادي أو الأسلحة، وهذا شيء لم نعهده في السابق.

كما أن الجار الآن عندما يقدم النصيحة لابن جاره أو يشعر جاره بأن ابنه أو ابنته يقوم بتصرفات سيئة أو لا ترضي فإن ذلك الجار يرد بعيدا عن الأدب، بعيدا عن الذوق، بعيدا عن الأخلاق، بعيدا عما حثنا عليه ديننا الحنيف، كما أن هناك جيرانا لا يعرفون معنى أصول الأدب، ولا حتى أصول التعامل، فكيف يعرفون حقوق الجار؟! فتجد الواحد منهم يرمي النفايات أمام باب جاره بكل احتقار وبكل تجاهل وعدم احترام.

نوعية أخرى تقف بسياراتها وتسد مدخل الباب باب الجار، وإذا تكلمت أو قلت: لماذا؟! فإن ذلك الجار جار السوء إما أن يقوم بصدم سيارتك أو الرجوع على بابك بالسيارة بكل وقاحة وقلة أدب. وحياة التآلف بين الجيران لم تعد موجودة إلا في بعض الأحياء، ولكنها توجد بكثرة في المناطق والمدن الصغيرة؛ حيث الجيران يتشاركون في كل شيء وفي كل أمور الحياة المختلفة، يقفون معك في فرحك وحزنك.

وشيء مؤسف جدا أن تقوم بإرسال بعض الطعام إلى جارك إذا كان لديك وليمة، ترسل له وليمة من أول الطعام وليس من آخر الطعام، فعندما ترسل إليه هذا الطعام فإنه يقوم بكبه في الشارع دون مراعاة للنعمة أو احترام لذلك الجار، فكيف نريد أن تكون هناك صلة جوار وهناك أناس بهذه العقلية؟!.

قطيعة في كل شيء

وتؤكد "أم خالد" على أن القطيعة صارت سيد الموقف في التعامل مع الجيران والرحم الآن؛ مضيفة: تنتهي قطيعة الرحم بقطيعة الجيران، فجارنا الذي في أول الشارع رجل متدين من أهل المساجد، رافع الراية لكل جار بجواره: نحن لا نحب أن نزور أحدا ولا يزورنا أحد. والمجاور لنا رجل طيب كما يبدو على وجهه، وزوجته مدرسة متعلمة، كل مَن تزورها من الجيران لا تخرج إليها إلا بعد ساعة تسلم ولا تتفوه بأي كلمة ولا تقدم أي شيء من الضيافة، أي رايتها الرفض من الداخل. والمجاور لنا من الناحية الأخرى ابن حلال وزوجته تحب أن تزور جميع الجيران ومعرفة كل أخبارهم، لكنها لا تحب أن يزورها أحد.

ويواصل الحديث "ياسر المبارك ناصر الهواوي" قائلا: ترجع مشكلة الجوار إلى عدة أمور: ضعف الجانب الديني لدى الجار، ووجود فوارق اجتماعية أو مالية بين الجيران، والانشغال بتأدية الأعمال، وعدم وجود محفز ومنظم ومرشد للحي والجيران.

ويمكن أن نتخلص من هذه المشكلة من خلال: وجود نواد اجتماعية في كل حي، وتنظيم هذه النوادي من قِبل الجهات المختصة، ويجب على الإمام أو المؤذن وكذلك مَن هم أقدم عمرا في الجوار أن يحرصوا على تقوية الروابط الاجتماعية بين الجار وجاره، ويجب على أصحاب العقار وملاك العقار المبادرة في هذا الجانب من خلال معرفتهم بالسكان.

كلمة "سلام"

تحاول "إبتهال السيف الرس" الهمس في أذن كل مسلم بالنصيحة؛ مشيرة: خير وأيسر ما يعين على حسن الجوار قول: "السلام عليكم ورحمة الله وبركاته"؛ حيث قال رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم: "لا يحل لرجل أن يهجر أخاه فوق ثلاث ليال، يلتقيان فيعرض هذا ويعرض هذا، فخيرهما الذي يبدأ بالسلام".

فهذه هي السُّنة المندثرة التي يشيب رأس البعض منا حينما يسمع أن هناك بعض الجيران لا يسلمون على بعضهم، فإن هذه مصيبة، والمصيبة الأكبر حينما تسأله عن السبب فيقول لك: لا أعرفه. فكيف لا تعرفه وهو جارك، فلعل السلام يكون خير بداية للتعارف بينكما. أما السبب الثاني فهو اندثار أكثر العادات القديمة، ومن أهمها إرسال الغداء أو العشاء للجار الجديد الذي يسعى بدوره إلى التقريب بين الجيران.

محمد بن سلمان الحاج الزلفى: لقد زار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يهوديا عندما علم بمرضه، فلماذا نهجر جيراننا؟! وتعاني صلة الجوار في المدن من الانهيار. والحل من وجهة نظري وضع ديوانية في كل حي يجتمع فيها أهل الحي كل أسبوع أو كل شهر على الأقل، وكذلك التذكير المستمر من قِبل إمام الحي وحثهم على صلة الجوار، وكذلك إصدار كتيب صغير يحمل أسماء أهل الحي وأرقام هواتفهم.

جيرة إكسسوار

وتختتم "مريم الفوزان" شاكية إلى الله سوء حالنا بقولها: إن مشاغل الحياة أضاعت كثيرا من الأشياء المهمة في الحياة، أهمها صلة الجوار، ولو دقَّق الناس في هذه الكلمة لما ابتعدوا عن جيرانهم؛ فإن الجدار أصبح أقرب إلى الجار من صاحب الدار؛ لأن الجدار يلتصق ببعضه البعض ولا يبتعد عنه، بينما الإنسان أبعدته مشاغله عن جاره، وصار لا يراه إلا بالصدفة، إما في المسجد أو على باب الدار، فإن الجار أصبح في هذا الزمان إكسسوارا للدار.

وعندما أسأل صديقة لي: مبروك مسكنكم الجديد، فهل تعرَّفت على جيرانك ولك 6 أشهر في الحارة؟! فردَّت بكآبة: أتصدقين ما فيهم أحد قال لي مبروك البيت وعرفني على نفسه، إنهم نسوا العبارة التي تقول: "جارك القريب ولا أخوك البعيد"؛ أعازنا الله من هذه القطيعة.

فإن كتب الله وذهب صاحب البيت بعيدا عن أهله وترك المرأة وأهلها لسبب من الأسباب كانتداب أو سفر مفاجئ يلزم أن يذهب إلى جاره القريب ويوصيه على أهله، وعندها يرتاح باله ويطمئن قلبه، فمن هذا المنطلق يجب علينا أن نهتم بجيراننا ولا نجعل الدنيا أكبر همنا، وأن نكون أقرب إليهم في كل نائبة؛ لأن جارك هو أهلك، اعرفوا بعضكم في السراء لتكونوا ذخرا لبعضكم في الضراء.


* منقول بتصرف من موقع مجلة "الجزيرة" تحت عنوان "صلة الجوار.. قيمة تصدَّعت على أبواب المدينة".

 

«

ابحث

بحث متقدم