|
ما أجمل أن يقضي العبد أياما في رحاب بيت الله الحرام. فطالما رجوت ربي أن أزور بيته. إلا أن إلحاحي على ربي ازداد وتكثف هذا العام. ويبدو أنها كانت ساعة إجابة لعلم ربي بمدى احتياجي لهذه الزيارة.
والعجيب أنني كنت عازمة على أداء مناسك العمرة في الأسبوع الأول من رمضان. فإذا بالتأشيرة تتأخر يوما بعد يوم؛ حتى فتح الله باب القبول وأتاني فرجه، عندما سلمت إليّ الشركة التأشيرة قبيل العشر الأواخر من رمضان.
ومهما كتبت لكم؛ فلن أستطيع أن أصف عظم الفرحة التي تغمر القلب؛ حينما يظن العبد أن الباب قد أغلق بعدما بذل كل ما في وسعه، ثم يُفاجأ به وهو ينفتح أمامه في غمضة عين، بل في أقل من ذلك.
أعددت أنا وأخي حقائب السفر في أربع وعشرين ساعة، وقلوبنا تتطاير وتزغرد من الفرحة والشوق لأكثر بقاع الأرض طهرا وبركة. تلك البقعة التي كتب الله حبها في قلوب عباده المؤمنين إلى يوم الدين. إلا أنه لم يخطر ببالنا أننا سنشهد تلك الصورة البائسة للمسلمين في رحاب بيت الله، والتي عكرت صفو فرحتنا.
مزعجون في الطواف
أذن علينا المغرب ونحن على مشارف مكة، فإذا بنا نفاجأ بمن يوقف سيارة الأجرة التي أقلتنا من مطار جدة؛ ليعطينا بعض العلب من الطعام البسيط والمُشبع في آنٍ واحد. والحقيقة، إنها كانت مفاجأة رائعة، شعرنا من خلالها بالأثر العظيم لذلك الدعاء الذي دعا به خليل الله إبراهيم عليه السلام؛ قائلا: {رَبِّ اجْعَلْ هَـذَا الْبَلَدَ آمِناً وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الأَصْنَامَ} (إبراهيم: 35).
وما إن وصلنا إلى فندق "الحسين" -الذي يبعد قرابة كيلومتر عن الحرم- حتى اشتعل فينا النشاط؛ رغم إجهاد السفر. فعزمنا أنا وأخي على الإسراع إلى الحرم لأداء مناسك العمرة، وعدم الانتظار إلى ما بعد صلاة الفجر كما كنا نخطط من القاهرة.
وأخذنا نقترب من "البيت" رويدا رويدا، حتى شاهدنا الكعبة، كعبة الله في الأرض، كبيرة مهيبة كما كانت دوما، وستكون بإذن الله؛ فدعونا ولبينا ثم انطلقنا إلى الطواف حولها لنبدأ عمرتنا. وهناك كانت المفاجأة غير السارة هذه المرة.
لقد فوجئنا بازدحام رهيب ومرعب؛ وليته كان ازدحاما فقط، بل كان ازدحاما خاليا من أبسط أنواع الرحمة والرفق واللين. كان ازدحاما ممزوجا بالعنف والعناد، بالشد والجذب؛ لدرجة تجعلك في النهاية تنسى العبادة وتتوه عنها. فيصير كل تركيزك على من هو عن يمينك وشمالك، وعلى من هو خلفك وأمامك. فهذا يشدك، وهذا يجذبك، وهذا يُضيق عليك، وهذا يجرفك بعيدا، وهذا يستفزك.
وإذا بك تجد من يصر على أداء ركعتي ما بعد الطواف وسط كل هذه "المعمعة". وتحيط جماعة من البشر بهذا "المُصر"؛ لكي يُتم الركعتين عند مقام إبراهيم عليه السلام. فيزداد الطواف صعوبة وتعقيدا، ويزداد المعتمرون اختناقا وتعذيبا.
وتصر مجموعات أخرى على الوصول إلى الحجر الأسود لتقبيله. فتفعل كل شيء للوصول إليه؛ متناسية أن تقبيل الحجر في نهاية الأمر سُنة، وأن حماية المسلم من الضرر والأذى فرض لا محالة. فهل يجوز التضحية بالفرض للقيام بالسُنة؟ وما هي الغاية الحقيقية: إرضاء الله أم تقبيل الحجر؟!.
بصراحة شديدة، لقد أُفسد علينا -أنا وأخي- طوافنا بفعل ذلك السلوك الهمجي الغوغائي؛ كما أُفسد علينا دعاؤنا وأذكارنا.
وإذا أردنا تحليل وتفسير ذلك السلوك، فسنجد أنه يعكس عدة أمور لا بد من توضيحها في هذا المجال:
أولا: افتقاد بعض المسلمين للغاية من عبادتهم. إذ إن الغاية الحقيقية من العبادة تتمثل أصلا في التقرب إلى الله، والتماس مرضاته وجنته، والتعرف عليه وعلى صفاته؛ فينعكس كل ذلك على قلب العبد فيزيده إيمانا. وينعكس على جوارحه فيزيدها اندفاعا نحو طاعة الله ونحو تحقيق مراده؛ في استخلافنا لتعمير الأرض وإظهار دينه الحق. وينعكس على خلقه فيزيده رحمة وجمالا ورأفة.
ثانيا: افتقاد بعض المسلمين لفقه الأولويات ، وتركيزهم المفرط على التفاصيل دون الكليات، وعلى السُنن دون الفرائض.
ثالثا: عدم إدراك بعض المسلمين لقيمة "الإخلاص" التي هي أساس قبول العمل عند الله سبحانه وتعالى، ووضع جل تركيزهم في "الإنجاز"؛ حتى ولو كان هذا الإنجاز يتم عبر سبل لا ترضي الله ورسوله. فعلى الرغم من أن البيت الحرام يمثل البوصلة والوجهة الأساسية للمسلم وكل ما يتعلق بها من إخلاص واستسلام؛ وعلى الرغم من أن مقام إبراهيم عليه السلام يُذكرنا بقيمة الاستسلام؛ فإننا نجد، ومع كل أسف، السلوك الشائع حاليا لا ينم عن الاستسلام البتة. بل نجده وقد تحول إلى عملية "فتونة"؛ الكل "يصارع" من أجل الوصول إلى أستار الكعبة؛ وكأنها هي المعبود. وكأنها هي "صك" دخول الجنة. فهل بات دخول الجنة سهلا لهذه الدرجة، كما صار كل شيء سهلا ومُبسطا في تصورات المسلمين؟.
رابعا: شيوع الفردية والأنانية في سلوك بعض المعتمرين ، وافتقاد روح التعاون والرحمة والجماعة؛ أو يمكن القول، شيوع مبدأ "أنا ومن بعدي الطوفان". فهناك من يعتقدون اعتقادا خاطئا بأن الثواب في بيت الله الحرام؛ يمكن "غرفه" ولو كان على "أنقاض الآخرين"، ولو كان على حساب كرامة إخوانهم.
ويتناسون أن كرامة الإنسان عند الله أغلى وأكرم من الكعبة ذاتها. ولا أستطيع أن أنسى أبدا تلك السيدة التي أصرت على أخذ مكان سيدة أخرى، فضيقت عليها الركوع والسجود؛ لكي "تنعم" و"تستمتع" بالنظر إلى الكعبة، أو لكي "تغرف" من ثواب النظر إلى الكعبة.
أو ذلك الرجل الذي كان يضرب من أمامه -في أثناء الصلاة- لكي يسجد مكانه. فإذا بالمضروب يخرج من الصلاة؛ وهو يلعن ويسب من ضربه. والسؤال الذي يتبادر إلى ذهني هنا: هل هذه سلوكيات أمة الرحمة؟ وإذا كانت هذه الأمة قد أضحت بلا رحمة فيما بينها، فكيف يمكنها أن تكون يوما رحمة للعالمين؟.
وإحقاقا للحق، فلا بد أن أشهد بوجود معتمرين قد آثروا الرحمة بغيرهم عن الوصول إلى الحَجر الأسود، أو حِجر إسماعيل، أو باب الملتزم. ورأوا أن عدم زجهم لإخوانهم المسلمين أقرب إلى الله وأولى. وهكذا هو حال المسلمين في عالمنا الحالي. فالكثير منهم بات يدوس على غيره مبررا بأن الغاية "السامية" تستحق ذلك. والقليل منهم يتفقه الأمر ويدرك بأن الغاية الأولى والأخيرة؛ هي إرضاء الله قبل أي شيء وكل شيء.
الحس الجمالي
وإذا كانت المفاجأة الأولى في أثناء الطواف؛ فإن المفاجأة الثانية كانت في مشهد الحرم بعد الإفطار. حيث تتحول أطهر وأقدس بقعة في الأرض، إلى مكان للأكل وبقايا الأطعمة وأكواب البلاستيك ونوى البلح. فما إن ينتهي الصائمون من تناول إفطارهم حتى يهب فريق النظافة لإتمام عملهم، وما هي إلا دقائق معدودة ويعود الحرم لجماله وبريقه الذي كان عليه قبل الإفطار.
ولا يفوتني أن أذكر فئة بعينها من المعتمرين استرعت انتباهي، لشدة التزامها بالنظام والنظافة والهدوء قولا وفعلا؛ وهي فئة الماليزيين والإندونيسيين. فهم يتبعون بعضهم بعضا كأسراب الطير المحلقة، بلطفها وذوقها ودماثتها ورقتها. فيا ليت المسلمين يتعلمون من تلك الأسراب المُحلقة.
والحقيقة إن ملاحظتي تلك ليست عابرة أو عارضة، بل تؤكدها نفس الملاحظة -منذ ثلاثة عشر عاما- حينما كنت أؤدي فريضة الحج؛ فالتزامهم هو هو، والنظافة هي هي.
وحينما سألت عن سر تلك الظاهرة، عرفت أنهم يقرءون كثيرا قبل شروعهم لأداء العمرة والحج. هذا بالإضافة إلى تلقيهم دروسا وحملات توعية قبيل وصولهم إلى البيت الحرام. وهو الأمر الذي تفتقده -مع كل أسف- الجنسيات الأخرى، كما يبدو لي.
وكان أشد ما يثير غيظي، هو إقامة الخطب والمواعظ عقب كل صلاة من جهة، واعتراك المعتمرين مع بعضهم البعض من جهة أخرى. فتجد الخطيب يخطب في الناس من داخل الحرم، بينما المعتمرون في شد وجذب لا ينتهي. وكأن كلام الخطيب لا يخصهم من قريب أو بعيد. إن الأمر ارتأى أمامي كحالة انفصام جماعية أو أممية.
فقه بدوي عند الاقتراب من المرأة
أما التعامل مع المرأة، فحدث ولا حرج. فما زال الفقه البدوي مسيطرا على المُطوعين والمُطوعات في الحرم. وكثيرا ما كنت أُرغم على مغادرة مكاني بالحرم؛ لمجرد أنني لست وسط مجموعة من النساء، أو لكوني أجلس في صحن الكعبة دون محرمي. وكأن النساء ليس لديهن نفس الاشتياق للصلاة بصحن الكعبة مثل الرجال!.
وذات مرة طلب مني الحراس أن أغادر صحن الحرم لأني كنت بغير محرم. فتراجعت إلى الوراء وجلست على سلم الصحن -مُسلمةً أمري إلى الله- إذا بي أجد عسكريا سعوديا هذه المرة، يطالبني بالنهوض وعدم الجلوس على السلم؛ لكونه أمرا غير لائق بالنسبة للنساء المسلمات.
فانطلقت سائلةً إياه في غضب شديد: هل هناك آية قرآنية أو حديث شريف يُحرمان على المرأة المسلمة الجلوس في أي مكان بالبيت الحرام، حتى ولو كان صحن الكعبة؟ وهل لأي أحد السلطة في منعي من الجلوس في أي مكان بالحرم؟ ومنذ متى صارت ملازمة المَحرم للمرأة في الحرم شرطا أو واجبا؟.
وبالطبع أجابني قائلا: إنها تقاليد البلاد ولا بد أن تُحترم. وأدركت لحظتها أن الحوار ليس منه فائدة. فالتقاليد هناك أقوى وأشد؛ يفرضونها على أنفسهم وعلى كل من يأتي إليهم. وهو ما فيه من الظلم الكبير لهم ولغيرهم. ولكن إلى متى، تظل التقاليد البدوية هي الآمرة الناهية؛ حتى ولو على حساب الإسلام؟.
وأطرف ما رأيته -بما ينطبق عليه المثل القائل "شر البلية ما يضحك"- هو تلك الوريقات التي كانت توزع حول الحرم عن مواصفات النقاب الشرعي. تلك الوريقات التي اختزلت الزي الشرعي للمرأة المسلمة في لبس الإسدال الأسود ووضع حجاب أسود على الوجه. ومن ثم يصير إظهار العينين غير شرعي، ويصير لبس العباءة غير شرعي...إلخ. والسؤال هنا: إذا كان هذا رأي بعض العلماء -وهو رأي يُحترم- فهل يجوز تجاهل الآراء الأخرى؟ وهل يعتبر هذا التجاهل من الأمانة العلمية؟.
وفي طريق العودة؛ جلست أتذكر تلك الأيام المعدودات التي قضيتها هناك. انتباهي صلابة الجبال، بثباتها وصمودها. وشبهتني قوتها ورسوخها بقوة الرسالة المُحمدية ورسوخها؛ فدعوت الله أن يعيد أمتنا إلى تلك الرسالة العظيمة القوية الراسخة التي باتت مُفتقدة ومُضيعة من قبل المسلمين.
لقد عدت من العمرة، وفي داخلي حلم أكبر من الحلم الذي ذهبت به. حلم جماعي يشمل هذه الأمة بشتى أجناسها وأعراقها. حلم بأن تكون عمرتي القادمة دون زحام وتزاحم، دون عنف وتناحر، أن تكون عمرة كلها رحمة وتراحم وتعاون وتضافر، كلها وعي وتفكر ونضج وتدبر.. اللهم آمين.
|