|
كان يوما من الأيام واحدا من البشر الذين ضلوا الطريق، غير أن هذا لم يكن ليمنعه من أن يعود إلى الحق.. سار في طريق الضلالة، كذبوا عليه بمبادئ الشيوعية الزائفة، رأى فيها ملء فراغه، خدع بالكلمات البراقة، لكن الحق كان متأصلا فيه، فلما انكشف الغطاء الزائف عاد إلى الله، ليكون أحد المشايخ والدعاة، وقبل أن أعرفكم من هو، اسمعوا منه قصة توبته، يقول الشيخ:
"إن في الحياة تجارب وعبرا ودروسا.. لقد مررت في مرحلة الدراسة بنفسية متقلبة حائرة. لقد درست التربية الإسلامية في مدارس التربية -ولا تربية- ثمانية عشر عاما، وتخرجت بلا دين، وأخذت ألتفت يمينا وشمالا: أين الطريق؟ هل خلقت هكذا في الحياة عبثا؟.. أحس فراغا في نفسي وظلاما وكآبة، أفر إلى البر وحدي في الظلام لعلي أجد هناك العزاء. ولكني أعود حزينا كئيبا.
وتخرجت في معهد المعلمين سنة 1969، وفي هذه السنة (التي قبلها حدث في حياتي حدث غريب تراكمت فيه الظلمات والغموم)؛ إذ قام الحزب الشيوعي باحتوائي ونشر قصائدي في مجلاتهم وجرائدهم، والنفخ فيها، وأخذوا يفسرون العبارات والكلمات بزخرف من القول يوحي به بعضهم إلى بعض حتى نفخوا فيّ نفخة ظننت أنني أنا الإمام المنتظر. وما قلت كلمة إلا طبلوا وزمروا حولها، وهي حيلة من حيلهم إذا أرادوا أن يقتنصوا ويفترسوا فردا، فهم ينظرون إلى هويته وهوايته ماذا يرغب ثم يدخلون عليه من هذا المدخل.
رأوني أميل إلى الشعر والأدب فتعهدوا بطبع ديواني ونشر قصائدي، وعقدوا لي الجلسات واللقاءات الأدبية الساهرة، ثم أخذوا يدسون السم في الدسم، يذهبون بي إلى مكتبات خاصة ثم يقولون: اختر ما شئت من الكتب بلا ثمن فأحمل كتبا فاخرة ذات أوراق مصقولة وطباعة أنيقة، عناوينها: "أصول الفلسفة الماركسية" "المبادئ الشيوعية"...
وهكذا بدءوا بالتدريج يذهبون بي إلى المقاهي الشعبية، فأجلس معهم على طاولة قديمة تهتز وأشرب الشاي بكوب قديم وحولي العمال، فإذا مر رجل بسيارته الأمريكية الفاخرة قالوا: انظر، إن هذا يركب السيارة من دماء آبائك وأجدادك، وسيأتي عليك اليوم الذي تأخذها منه بالثورة الكبرى التي بدأت وستستمر.. إننا الآن نهيئها في "ظفار" ونعمل لها، وإننا نهيئها في الكويت ونعمل لها، وستكون قائدا من قوادها.
وبينما أنا أسمع هذا الكلام أحس بأن الفراغ في قلبي بدأ يمتلئ بشيء؛ لأنك إن لم تشغل قلبك بالرحمن أشغله الشيطان، فالقلب يدور كالرحى، فإن وضعت به دقيقا مباركا أخرج لك الطحين الطيب، وإن وضعت فيه الحصى أخرج لك الحصى. ويقدر الله -سبحانه وتعالى- بعد ثلاثة أشهر أن نلتقي برئيس الخلية الذي ذهب إلى مصر، وغاب شهرا ثم عاد.
الاستهزاء بأذان الفجر
وفي تلك الليلة، أخذوا يستهزئون بأذان الفجر، كانت الجلسة تمتد من العشاء إلى الفجر، يتكلمون بكلام لا أفهمه مثل "التفسير المادي للتاريخ" و"الاشتراكية والشيوعية في الجنس والمال"، ثم يقولون كلاما أمرره على فطرتي السليمة التي لا تزال، فلا يمر، أحس بأنه يصطدم ويصطك، ولكن الحياء يمنعني من أن أناقش؛ فأنا أراهم عباقرة مفكرين وأدباء وشعراء ومؤلفين؛ فكيف أجرؤ على أن أناقشهم؛ فأسكت. ثم بلغت الحالة أن أذن المؤذن لصلاة الفجر فلما قال: "الله أكبر" أخذوا يتندرون على "الله"، ثم لما قال المؤذن "أشهد أن محمدا رسول الله" أخذوا يتندرون على رسول الله، صلى الله عليه وسلم.
من هنا كانت البداية
وهنا بدأ الانفعال الداخلي والبركان الإيماني الفطري يغلي، وإذا أراد الله خيرا بعبده بعد أن أراه الظلمات يسر له أسباب ذلك؛ إذ قال رئيس الخلية: لقد رأيت الشيوعية الحقيقية في لقائي مع أحد شعرائنا الشيوعيين، فهو الوحيد الذي رأيته يطبقها تطبيقا كاملا، فقلت: عجبا، ما علامة ذلك؟! قال: "إذا خرجنا في الصباح الباكر عند الباب فكما أن زوجته تقبله فإنها تقبلني معه أيضا، وإذا نمنا في الفراش فإنها تنام بيني وبينه..."، هكذا يقول، والله يحاسبه يوم القيامة.
فلما قال ذلك نزلت ظلمة على عيني وانقباض في قلبي وقلت في نفسي: أهذا فكر؟! أهذه حرية؟! أهذه ثورة؟! لا ورب الكعبة، إن هذا كلام شيطاني إبليسي!. ومن هنا تجرأ أحد الجالسين فقال له: يا أستاذ، مادمت أنت ترى ذلك فلماذا لا تدع زوجتك تدخل علينا نشاركك فيها؟ قال: "إنني ما أزال أعاني من مخلفات البرجوازية وبقايا الرجعية، وسيأتي اليوم الذي نتخلص فيه منها جميعا.
ومن هذه الحادثة بدأ التحول الكبير في حياتي إذ خرجت أبحث عن رفقاء غير أولئك الرفقاء، فقدر الله أن ألتقي بإخوة في "ديوانية" كانوا يحافظون على الصلاة، وبعد صلاة العصر يذهبون إلى ساحل البحر ثم يعودون وأقصى ما يفعلونه من مأثم أنهم يلعبون "الورقة". ويقدر الله أن يأتي أحدهم إليّ ويقول: يا أخ أحمد يذكرون أن شيخا من مصر اسمه "حسن أيوب" جاء إلى الكويت ويمدحون جرأته وخطبته، ألا تأتي معي؟ قالها من باب حب الاستطلاع؟ فقلت: هيا بنا، وذهبت معه وتوضأت ودخلت المسجد وجلست وصليت المغرب ثم بدأ يتكلم، وكان يتكلم واقفا لا يرضى أن يجلس على كرسي، وكان شيخا كبيرا، شاب شعر رأسه ولحيته، ولكن القوة الإيمانية البركانية تتفجر من خلال كلماته؛ لأنه كان يتكلم بأرواح المدافع لا بسيوف من خشب.
وبعد أن فرغ من خطبته أحسست بأني خرجت من عالم إلى عالم آخر.. من ظلمات إلى نور، ولأول مرة أعرف طريقي الصحيح وأعرف هدفي في الحياة ولماذا خلقت؟ وماذا يراد مني؟ وإلى أين مصيري؟... وبدأت لا أستطيع أن أقدم أو أؤخر إلا أن أعانق هذا الشيخ وأسلم عليه. ثم عاد هذا الأخ يسألني عن انطباعي فقلت له: اسكت وسترى انطباعي بعد أيام.
يوم ميلادي من جديد
عدت في الليلة نفسها واشتريت جميع الأشرطة لهذا الشيخ وأخذت أسمعها إلى أن طلعت الشمس ووالدتي تقدم لي طعام الإفطار فأرده ثم طعام الغداء وأنا أسمع وأبكي بكاء حارا، وأحسست بأني قد ولدت من جديد ودخلت عالما آخر وأحببت الرسول -صلى الله عليه وسلم- وصار هو مثلي الأعلى وقدوتي، وبدأت أنكب على سيرته قراءة وسماعا حتى حفظتها من مولده إلى وفاته -صلى الله عليه وسلم، فأحسست لأول مرة في حياتي بأنني إنسان، وبدأت أعود فأقرأ القرآن، فأرى كل آية فيه كأنها تخاطبني أو تتحدث عني (أومن كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها) [الأنعام]. نعم، لقد كنت ميتا فأحياني الله، ولله الفضل والمنة.
ومن هنا انطلقت مرة ثانية إلى أولئك الرفقاء الضالين المضلين، وبدأت أدعوهم واحدا واحدا ولكن (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء وهو أعلم بالمهتدين). أما أحدهم فقد تاب بإذن الله وفضله، ثم ذهب إلى العمرة، فانقلبت به السيارة ومات وأجره على الله، وأما رئيس الخلية فقابلني بابتسامة صفراء وأنا أناقشه وأقول له: أتنكر وجود الله؟ فابتسم ابتسامة صفراء وقال: يا أستاذ أحمد، إنني أحسدك لأنك عرفت الطريق الآن، أما أنا فاتركني. فإن لي طريقي ولك طريقك. ثم صافحني وانصرفت وظل هو كما هو إلى الآن.
وأما البقية فمنهم من أصبح ممثلا، ومنهم من أصبح شاعرا يكتب الأغاني وله أشرطة "فيديو" يلقي الشعر وهو سكران، وسبحان الذي يخرج الحي من الميت. ومن تلك اللحظة بدأت أدعو إلى الله رب العالمين**. انتهى كلام الشيخ.
أتعرف من هذا الشيخ، إنه الشيخ أحمد القطان، هو من كبار الدعاة والعلماء في الكويت، ولعل في قصة توبته درسا لنا جميعا. إنه يمكن لنا أن نكون مثله يوما ما، ولم لا! وفضل الله تعالى واسع، فلنغير أنفسنا من الذنوب والمعاصي إلى الطاعات والحسنات، ولكن كالشيخ القطان، فمن علامات التوبة الصادقة أن تغير سيئاتك حسنات بالأعمال الصالحة، والدعوة إلى الله.
باحث في علوم الشريعة، بكلية دار العلوم جامعة القاهرة، والمركز العالمي للوسطية بدولة الكويت
|