|
ما كان على الشيطان إلا استغلال ظروف حياتي التي عشتها منذ نعومة أظفاري في اختلاط دائم مع الجنس الآخر، واستغلال مهارتي العالية في التعامل معهن.
بدأ الأمر بحسن نية واستمتاع بريء بصحبتهن ومحادثتهن واللعب معهن بداية من جاراتي العديدات في المنزل الذي أقطنه، وصولاً إلى صديقات النادي، ثم ما لبثت في بدايات المراهقة أن أترقبهن وأتربص بهن في كل مناسبة ومكان يجمعني بهن.
وكنت دائمًا ما أجد ترحيبًا وتقبلا منهن، مما كان يزيد استمتاعي بهذه المغامرات ويدعوني للاستزادة منها.
وتربص بي الشيطان في صبر عجيب حتى وصلت إلى السنة النهائية في المدرسة (17 سنة)؛ ليبدأ في المرحلة التالية وهي توظيف هذا الاختلاط وتوجيهه إلى حيث خطط لي من سبيله.
قبل الاسترسال في القصة، أحب أن أوضح نقطة هامة وهي طبيعة العلاقة بيني وبين الله سبحانه وتعالى خلال هذه الفترة.
تربيت في بيت يحترم الدين ويلتزم بالطاعات، ولكن كما كان الحال في هذا الزمان، كان التوجيه الديني لي لا يتعدى الأمر بالصلاة والصيام.
اللهم إلا المجالس الدينية التي كان جدي رحمه الله يجمعنا (الأطفال) فيها ليحكي لنا قصص الأنبياء وقصة النبي صلى الله عليه وسلم والتي ربطتني بخيط رقيق جدًّا بالله وبالإسلام.
هذا الخيط الرقيق الذي كنت دائمًا أحافظ عليه ولا أقطعه أبدًا هو أهم ما في قصتي.
رجوعًا للمرحلة الثانوية، كنت قد قررت خلال هذه المرحلة أن أبدأ في الصلاة وأن أحاول المحافظة عليها.
وأعانني على ذلك بعض زملائي في المدرسة الذين أحسبهم على خير.
وعلى الرغم من الراحة التي كنت أشعر بها معهم، فقد كانت لي أوقاتي الأخرى التي لم تكن توافقهم، حتى إنني كنت لا أخبرهم بتفاصيلها حتى أتجنب عتابهم وتوبيخهم لي أحيانًا.
والتحقت بالكلية، وقلّ تواصلي بإخوتي هؤلاء (فقد كانوا وما زالوا إخوتي وليس فقط أصدقائي) وتفرقنا في كليات مختلفة.
وأصبح المجال أوسع أمامي لأن أسعى وراء هوايتي المفضلة. وأصبح لي من الصحبة ذات نفس الاهتمام الكثير.
وهنا بدأ الشيطان في عمله الذي صبر عليه كثيرًا. ازددت خبرة وحرية وأصبحت أتعامل مع أناس أكثر تحررًا. وسرعان ما انتظمت المقابلات والسهرات والسفر والمبيت خارج المنزل.
ثم سرعان ما أصبح الخمر هو الجليس في كل هذه المناسبات.
ولم يجد الشيطان صعوبة بعد ذلك في أن يدفعني بأصابع يديه إلى ما تبقى من فاحشة.
ثم تركني أسير في هذا الطريق دون مساعدة، إلا بزيادة رصيدي دائمًا ممن هم على شاكلتي، فكنت أشعر كأني أصطدم بهم أثناء مشيي، وبتغذيتي بالمعلومات عن الحفلات الماجنة والأماكن الموبوءة التي كانت تأتيني دون مجهود.
نأتي الآن إلى ما ذكرت في أول الرسالة، أين الله مني في ذلك الوقت.
قد يتعجب القارئ الكريم إذا قلت إن الله كان دائمًا معي، وكنت أشعر كأن خيطًا رقيقا موصولاً بيني وبين الله لا أستطيع أن أقطعه.
كان هذا الخيط يعذبني، فلا أنا بعيد عن الله ولا أنا قريب منه طائع له.
كنت في كل وقت أشعر كأني لو نظرت إلى أعلى لوجدت الله ناظرًا إليّ.
كنت مع كل ما أفعل، أشعر بخوف شديد، بل ورعب إذا ما انقطعت عن الصلاة، حتى إنني إذا ما قطعت صلاتي لأيام، أعود وأصليها قضاء حتى أتم ما فاتني.
ربما يظن أحدكم أن هذا نفاق، ولكني أقول: إنه ضعف وصراع بين فطرة نفسي التي فطرني الله عليها، وانزلاق نفسي فيما زين الشيطان لها من معاص وفواحش.
لن أطيل أكثر من ذلك في هذه الفترة، ولنأت إلى الوقت الذي أحسب أن الله قد قدر فيه برحمته أن يعيدني إليه.
ثم كانت حفلة رأس السنة التي أقيمت في مكان خاص بعيد.
ولكن معذرة قبل ذلك بشهور فاجأني والدي بأنه قرر الذهاب إلى عمرة مع والدتي، وسألني بإلحاح أن أرافقهما.
كنت قد تخرجت والتحقت بعمل، فرفضت بحجة أن عملي لن يسمح لي بإجازة، ثم إني لا أملك المال للعمرة. فألحّ عليّ والدي وأخبرني بأنه سيتكفل بالمصاريف.
لقد اعتمر والدي كثيرًا ولم يدعني أبدًا لمرافقته، تعجبت من موقفه هذا ووافقت أن يقوم بالحجز فقط حتى أنظر في أمري.
وجاءت ليلة رأس السنة، وذهبنا إلى الحفلة.
ودون تفاصيل كثيرة سرعان ما انقلب الحاضرون جميعًا إلى سكارى، ثم مورست الفواحش عيانًا جهارًا.
لحكمة من الله أرادني واعيًا مدركًا لما حولي. وكشف الله عني الغشاوة ورأيت الأمور على حقيقتها القبيحة.
رأيت أناسًا أحقر وأدنس من الخنازير.
إن الحيوانات لتستحي أن تفعل ما كانوا يفعلون.
ما هذا المستنقع الذي أنتمي إليه؟
هل أنا من هؤلاء؟
ثم سألت نفسي سؤالاً ارتعد له جسدي:
ألا يحق على هؤلاء العذاب؟؟؟ ألا يحق عليهم غضب الله الآن؟؟؟ إذا خسف الله بنا الأرض الآن فهل سأكون معهم منتميا إليهم؟ هل سأكون في زمرتهم بين يدي الله سبحانه وتعالى؟؟؟ لماذا يصبر علينا الله؟؟؟
ورجعت إلى بيتي ولم أنم ليلتها، بل كنت لا أريد أن يراني أحد فأغلقت عليّ باب حجرتي إلى ظهر اليوم التالي.
أحسست بالضياع والتيه، بل أكثر من ذلك لقد كان إحساسًا بالهلاك واليأس.
ثم ها هو الذي يئست من رحمته، يأتيني مهرولاً باسطًا إليّ يده.
بعد يومين أو ثلاثة لا أتذكر، أخبرني والدي بأنه دفع لي ثمن رحلة العمرة دون استئذان مني وقد تحدد السفر بعد حوالي أسبوعين.
توجهت في اليوم التالي إلى عملي، وطلبت من مديري الموافقة على إجازة للعمرة، ولكنه رفض حيث إنه لا يسمح لي بالقيام بإجازة لحداثة تعييني.
ووجدت نفسي أضحي بكل شيء في سبيل هذه العمرة، وقدمت إليه استقالتي في نفس اللحظة.
وشاء الرحمن أن يحفظ لي عملي الذي كنت حريصًا عليه من قبل، فتفهم مديري الوضع ورفض الاستقالة وأصبح هو من يسعى لي في هذه الإجازة حتى وافقت الإدارة على منحي إجازة بخصم من الراتب، وبالطبع رحبت على الفور بهذا الاقتراح.
وجاء يوم السفر الذي أصبت فيه بحمى شديدة لازمتني طوال الرحلة، حتى كنت في الحافلة التي تنقلنا من جدة إلى مكة المكرمة في حالة غيبوبة خفيفة.
ولم أفق إلا على تكبير الركاب عندما رأوا المسجد الحرام، ونظرت إليه وبكيت.
وبدأت مناسك العمرة التي كنت أؤديها بمشقة شديدة، حتى إذا ما انتهيت وضعت جبهتي على أستار الكعبة وأصابني حزن شديد، وظننت وقتها أن الله لم يتقبل توبتي، وأن العمرة ضاعت من بين يدي وأنا في مكة. كنت في مصر أُصاب بمرض أخف كثيرًا من هذا، فلا أستطيع الحركة لأكثر من أسبوع، فكيف بهذه الحمى الشديدة.
ودعوت الله أن يغفر لي، وناجيته: أتيت إليك من بعيد لا لشيء إلا إليك ولا أبغي إلا عفوك ورضاك عني، فإن شئت تقبلتني وإن شئت رددتني خائبًا.
وبكيت كما لم أبك من قبل، ولا أدري لكم من الوقت؟
ثم صلينا الفجر وقد أذن المؤذن، ثم رجعت إلى الفندق لأنام.
استيقظت قبل الظهر بوقت قليل ولم أصدق نفسي، فلا أشعر بأي شيء من المرض...
زالت الأعراض كلها إلا بعض الزكام والكحة الخفيفة.
سبحان الله، أشعر بعافية لم أشعر بها من قبل. حتى إن مرافقيّ في الرحلة لم يصدقوا أن هذا هو ذلك الذي أنهكته الحمى ليلة أمس.
هرولت إلى المسجد الحرام وإلى الكعبة لأقضي أجمل أيام حياتي فيه، ثم بعد ذلك في المسجد النبوي الذي ما إن دخلته حتى غمر قلبي حب لرسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن أعرفه أو أقرأ عنه.
ولم ينته كرم الله ورحمته عند هذا الحد.
فقد كنت أدعوه بشيء واحد بعد استغفاري إياه من جميع ذنوبي التي شعرت وقتها بأنها جبال تسقط على رأسي: اللهم إن كنت قبلتني وعفوت عني فارزقني بالزوجة الصالحة والذرية الصالحة.
وكان أملي أن يستجيب لي الله بعد سنة أو سنتين، فأنى لي أن أتعجل وقد كنت أعصيه سنين.
ولكن الله الكريم الرحيم قد هداني لزوجتي بعد عودتي من العمرة بشهرين اثنين. ويسّر لي الزواج ورزقني منها ذرية، تعاهدنا أنا وزوجتي على تربيتهم على تقوى الله وطاعته.
فسبحان الذي فتح أبواب رحمته لجميع خلقه فلم يغلقها في وجه أحد.
{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيم}ُ (الزمر: 53).
وسبحان الذي ينتظر عبده الغافل حتى يعود إليه، وهو الغني عنه وعن توبته.
عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لله أفرح بتوبة عبده من رجل نزل منزلاً وبه مهلكة ومعه راحلته عليها طعامه وشرابه، فوضع رأسه فنام نومة فاستيقظ وقد ذهبت راحلته، حتى إذا اشتد عليه الحر والعطش أو ما شاء الله قال أرجع إلى مكاني فرجع فنام نومة، ثم رفع رأسه فإذا راحلته عنده".
|