|
| الشيخ محمد الراوي
|
"استحضار فضل الله، وتدبر آياته في كتابه العزيز هي أساس علاقتي مع الله وسبيلي في زيادة قربي منه عز وجل" معاني أكد عليها الشيخ الدكتور محمد الراوي في حديث من القلب لشبكة "إسلام أون لا ين.نت" عن علاقته مع الله عز وجل، والذي أكد خلاله على العديد من المعاني الهامة والخطيرة التي يمكن من خلالها التحول إلى القرب من الله في علاقتنا به عز وجل.
ولقد كان من أكثر المعاني التي حرص على ذكرها الشيخ الراوي كأساس في العلاقة مع الله هي تربية الفطرة الإنسانية على محبة الله والقرب منه، وعدم التصنع أو التحضير أمام الناس لإظهار تلك العلاقة على أحسن ما تكون، مشيرا إلى منهجه الحياتي الذي يسير عليه في علاقته مع الله من خلال حوارنا معه.
* بداية ما الأمر الذي يجعله الشيخ محمد الراوي أساسًا في بناء العلاقة مع الله؟
- العلاقة مع الله تستوجب استحضار أثر الخالق في المخلوق، فالإيمان يجعلنا نخاطب أنفسنا أين كنا قبل أن نجيء إلى الدنيا؟ فهذا السؤال مع يسره ذكرنا القرآن به في قوله: "هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئًا مَّذْكُورًا"، ولنا مع هذا السؤال أن نقول متى أصبح الإنسان شيئًا مذكورًا؟ فاستحضار ذلك يجعلنا نوقن بالله يقين من يعرف قدرته وحكمته ويعرف في الوقت نفسه حكمة خلقه وغاية وجوده فلا يضِل ولا يُضل، ولا يشغل بهواه عن ذكر الله؛ لأن ذلك يودي به في دنياه، ويحقق الخسران له في أخراه، ومن هنا نادى الله المؤمنين بقوله: "وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ".
* ولكن كيف ينسى الإنسان نفسه يا فضيلة الشيخ؟ وكيف يكون ذلك عقابا للإنسان؟
- أنا أعرف شيئا من عقاب هو أشد من عقاب الإنسان بأن ينسيه الله نفسه؛ لأنه إذا نسي الإنسان نفسه وقع في الخبائث، وهو يحسب أنه يعمل الطيبات، وصدق الله حين قال "قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُم بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالاً الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا"، فمن هنا ندرك حكمة الأمر بالمداومة على ذكر الله والإكثار من ذلك بلا انقطاع في قوله: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلاً" لأن الذاكر لله تعالى يكون نومه وصحوه وقعوده ومصابه وشكره وحياته وموته ذكرا لربه، وما أجمع ما قالته الآية الكريمة أمرا لرسول الله "قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ".
وما أحب أن أشير إليه في العلاقة مع الله هو أنه لا بد أن يعرف الشخص نفسه؛ لأن الإنسان إذا عرف نفسه وصدق في معرفتها كان ذلك سبيلا لمعرفة الله، ولذلك نرى القرآن عندما يقدم العقائد للناس يقدمها في التفكر في أنفسهم وفي ذلك يقول عز وجل: "وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَن يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ".
* كيف تصف علاقتك مع الله؟
- علاقتي مع الله أساسها فطرية؛ لأنها تعتمد على حبه عز وجل، فلا أستطيع القول بأن لدي أسلوبا معينا، وأعني بذلك أنني أذكره ذكر ما لا أنساه، وأجعل ما بداخل نفسي لله أكثر من خارجي، وأجعل من علاقتي معه سببا في الخروج من أي أزمة تعترضني، لدرجة أنني عندما يصيبني ضيق وأتذكر الله عز وجل يذهب هذا الضيق عني، فحبي لله هو حب العبد لربه وهو الحب الذي له تأثير في كلامي قد يشعر به السامع، فأنا أحب الله حب عبد بحاجة إلى الله تعالى دائما، والقرآن له فضل كبير في توجيهي لهذا الحب عن طريق إتباع تعاليمه في كيفية العلاقة مع الله.
وفي الحقيقة فإن علاقتي بالله تعتمد على حب كبير له سبحانه؛ لأنني استشعرت رعايته لي منذ الصغر حيث إنني ربيت يتيما، وشعرت أن فضله علي كبير، حيث هيأ لي الأمور من رعاية ونشأة، ولذلك فإنني يكفيني في علاقتي مع الله أن أتذكره دائما، ولا أطلب منه سوى الستر فأنا ممن أؤمن بنعمة الستر وهذا ما أشعره من الله.
دعاء الحال لا المقال
* وهل لك منهج في هذه العلاقة؟
- ليس لدي منهج تقليدي في علاقتي مع الله، ولكن كل ما أحرص عليه في هذه العلاقة هو السرية التامة، فلا يعنيني أن يعرف الناس أنني قريب من الله وإنما أحب أن أكون قريبا منه في نفسي وفي قلبي، وعليه فإن المعلنات عندي في علاقتي مع الله هو الحفاظ على أداء الصلوات واحترامي لما شرعه الله، كما أنني لا أحب التكلف في إظهار العلاقة مع الله حتى الدعاء لله، لا أستشعره إلا عندما يخرج من قلبي قبل لساني في خفية لا يراني فيها سوى الله، ولذلك إذا ما سألت عن خير الدعاء أقول دائما هو ما خرج من القلب، وما قاله الرسول صلى الله عليه وسلم للرجل الذي سأله عن خير الدعاء بأن يطلب من الله من خير ما طلب منه نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، وأن يستعيذ من شر ما استعاذ به نبيه محمد صلى الله عليه وسلم.
وفي الحقيقة لا أؤمن بمن يستحضر التقوى في علاقته مع الله أمام الناس، ولذلك لا يريحني من يقوم بتحضير الدعاء ليقوله علنا على الناس، خاصة أن ما في القرآن يغنينا عن تحضير الدعاء للقرب إلى الله والدعاء في القرآن به كل الخير الذي يتمناه، ولا بد وأن يكون الدعاء صادرا من القلب.
* لكل إنسان فترات ومراحل استشعر فيها أنه تحول في العلاقة مع الله إلى جانب أقوى، فما المرحلة التي استشعرت فيها بعملية تحول للقرب من الله، وتعميق العلاقة به؟
- في حياتي لم تحدث تحولات في علاقتي مع الله، فالبيئة التي نشأت وتربيت فيها كانت ملتزمة بالقرآن وتعمل على تأسيس الطفل في علاقته مع الله منذ الصغر، فالبيئة والفترة التي نشأت بها كانت تنافس فيها على معرفة الله وقراءة القرآن، ولذلك فعلاقتي مع الله لا يوجد فيها تحولات لأن هذه العلاقة أساسها النشأة، فقد فتحت عيني على القرآن ولم أرغب في غيره، ولي ذكريات كثيرة معه ومع تفسير آياته.
ومع ذلك فإنني واجهت عقبات ومواقف في حياتي بطبيعة مراحل الإنسان، كان يمثل كل منها مرحلة يزداد فيها قربي من الله، حيث تدبرت فيها حكمة الله، فكانت تزيد من قربي منه عز وجل؛ لأن العقبات دائما تعطي للإنسان فرصة لأن يراجع نفسه، وإذا ادعيت أنني لم أخطئ أكون كذابا، ولكن هناك في داخلي شيء ما يجعلني أصحح الخطأ بمعنى أن أكون معترفا أمام الله بخطئي، وأعود إليه ولا أجاهر بمعصية.
لحظات القرب
* متى تستشعر أنك أكثر قربا من الله؟ وما هي أول لحظة شعرت فيها بهذا القرب؟
- مع قراءة القرآن أستشعر أنني قريب من الله؛ لأنني أحب القرآن منذ الصغر، وأول لحظة شعرت فيها بهذا القرب من لحظة سماعي لقوله تعالى: "الله لطيف بعباده" فعند سماعي لهذه الآية ظللت أبحث عنها في المصحف أكثر من ساعة حتى أستشعر معناها في قلبي.
ولا أنكر فضل قراء القرآن أصحاب الأصوات الندية في تقوية العلاقة مع آيات الله والقرب من الله عز وجل، ومن بين القراء الذين أثروا في حياتي هو الشيخ محمد صديق المنشاوي، فعندما كنت أذهب إلى المسجد كنت أحتار فيما سأقوله في الخطبة، ولكن عند سماع القرآن من الشيخ المنشاوي كنت أشحن بالمعاني التي أريد قولها في الخطبة، والسبب هو أن الشيخ المنشاوي كانت قراءته تثير بكاء النفس، وتستشعر فيها أنك مسحوب وهائم في معاني القرآن وفي الحقيقة فإن لي ذكريات كثيرة مع القرآن، الذي سيظل أساس قربي من الله، ولذلك تمسكت طوال حياتي بتدريس القرآن وحتى في مجمع البحوث الإسلامية أتمسك بلجنة القرآن الكريم، وأتشرف دائما برئاستها حتى أستطيع خدمة كتاب الله عز وجل.
* ما الوسائل التي كنت دائما تتبعها في تعميق العلاقة مع الله؟
- أهم هذه الوسائل هو تدبر القرآن الكريم، فكل آية من آياته يؤدي فهمها وتدبرها إلى تعميق العلاقة مع الله، وهذا هو سبيلي الأول لتعميق العلاقة مع الله، ولذلك فأنا دائما أقول: إن الإنسان الذي عنده من الفطرة التي تمكنه من معرفة تفسير آيات الله عز وجل التي أنزلها في كتابه المطهر بدون تكلف هو أقرب الناس إلى الله وأشدهم علاقة به عز وجل، فالقرآن في حاجة من أجل تدبره إلى نفس حية، ولذلك أنا من الناس الذين لا يحرصون على قراءة كتب التفسير؛ لأن أعظم تفسير يكون من القلب.
كما أن الطاعة لله هي مسلك هام في تدعيم علاقتي بالله، وأرجو من الله أن يعينني دائما عليه، فالبشر جميعا في حاجة إلى طاعة الله، ولذلك فعندما يطلب الله منا الإيمان يطلبه لكي يكون العبد قريبا منه وإلا استغنى الله عنه، وصدق عز وجل حين قال في سورة التغابن "فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللهُ وَاللهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ"، فهذا دليل على أنه تعالى يريد أن يكون العبد قريبا منه، وكلمة استغنى الله لا يفهمها إلا الإنسان الحر الذي يستطيع أن يتدبر معناها بقلبه وبصيرته.
* وهل هناك مواقف جعلتك أكثر قربا من الله؟
- شعرت أن في الشدائد أنني أجد الله، ولا أقولها دروشة، فكل أزمة جعلتني أتأكد من ضرورة القرب من الله فهو موجود ويشعر بنا، ولذلك تأخذني دائما كلمة "قَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا" ولها علي تأثير قوي؛ لأن كلمة "قد سمع" ليست إخبارا عن قضية وإنما دلالة على عقيدة، وهي أن الله دائما معنا في الشدة والرخاء وليس علينا سوى أن نلجأ إليه لأنه دائما يسمعنا.
تجنب السلبيات
* بالتأكيد هناك سلبيات في حياة كل إنسان يحاول أن يتجنبها حتى لا تؤثر في علاقته مع ربه، فماذا عن تلك السلبيات في حياة الشيخ الراوي؟
- ما أحاول تجنبه هو كثرة المخالطة للناس في أيام الفتن؛ لأني لا أحب أن يأتي الشخص ويسمعها لغيره، ولذلك قليل جدا أن أقضي وقتا بعيدا عن البيت، كما أنني لا أستجيب للناس كثيرا في دعواتهم، وأتجنب مواجهة المواقف باندفاع، خاصة أنني تعلمت كيف أواجه المواقف بحكمة؛ حتى لا أقع في خطأ وفي نفس الوقت أرضي الله عز وجل، ومع ذلك أبدو أحيانا غاضبا ولكن غضبي كغضب الأطفال، وأحرص أن أكون غضوبا لله لا لغيره، كما أرفض أن يكون لدي فتاوى؛ لأن كثرتها دليل على كثرة العيوب، وتوقع صاحبها في الهلاك إن أصابت ضررا.
* من أكثر الأشخاص الذين أثروا في حياتك وفي علاقتك مع الله؟
- رجل كان يدرس لنا التفسير، وكان يحب القرآن وقلت اسمه كثيرا وهو الشيخ هاشم من محافظة سوهاج، وهذا الرجل كان إذا قرأ نفهم منه القرآن، وكنت أقول له عقب قراءته للقرآن: لا تفسر وإنما يكفي أن نسمعك، فكان إذا قرأ كان الطالب يستشعر بالخشوع إلى الله، ولذلك كان هو في القرآن المثل الأعلى، وقد كنت أناقشه كثيرا حتى أتعلم منه، وهو الذي نصحني بألا أترك القرآن، ولذلك دخلت أصول الدين، وتمسكت بتعلم علوم القرآن التي عمقت من قربي من الله، ولذلك ستظل للشيخ هاشم في نفسي مكانة له كبيرة أظل أذكرها طول حياتي؛ لأنه أصل لدي محبة القرآن التي أوصلتني إلى محبة الله.
|