English

 

الثلاثاء. أغسطس. 30, 2005

تزكية » دعوية

أرسل لصديق  
   
روابط من إسلام أون لاين

الصيف.. تجارب إيمانية

أحمد شيخون - صبحي مجاهد

Image

مع قرب انتهاء الإجازة الصيفية، والعودة من جديد للمدارس والأعمال توشك أن تنتهي رحلة من الراحة والمتعة والنشاط؛ فمما لا شك فيه أن الإجازة هي محطة الوقود التي تزودنا بالنشاط والحيوية والطاقة، ونمحو بها آثار التعب المتراكم والجهد المبذول خلال عام كامل من العمل والدراسة.

والحق أن الناس يختلفون في تعاملهم مع الصيف؛ فمنهم من يلهو فيه ويلعب بلا هدف، فيقتل وقته بسهام المعاصي؛ بالذهاب إلى المصايف والشواطئ، فيما يذهب فريق آخر إلى اعتباره فرصة لإراحة الجسد لا تكتمل حلاوتها إلا من خلال إقامة علاقة روحية هادئة مع الله. ولذا فإن الاستمتاع بالإجازة يختلف من فرد لآخر؛ ففيما يراه البعض فرصة لتنسم الهواء الذي يزيح عن الصدر ما لوثته عوادم السيارات طوال العام، يراه آخرون بابا للتفلت والاختلاط غير المبرر، بين الفتيات والشبان، يترتب عليه تضييع الوقت ومعصية الخالق سبحانه وتعالى، بينما ينظر فريق ثالث للصيف على أنه فرصة لزيادة الإيمان والقرب من الله سبحانه وتعالى.

وهذا الفريق الذي يرفض اتهام الصيف بأنه "السبب في جلب المعاصي"، يعتبر أن فترة الإجازة هي فرصة لنيل رضا المولى عز وجل، ومراجعة وتقويم النفس، شريطة أن يحسن استغلال شهور الإجازة الصيفية من خلال التقارب والتزاور والتراحم بين المسلمين؛ فهو السبيل لتقارب الأسرة في مكان واحد من أجل زيادة الألفة والمودة بينهم، والبعد عن الذنوب؛ مما يجعلنا نعيش "صيفا بلا معاصٍ".

شبكة "إسلام أون لاين.نت" أجرت هذا التحقيق الصحفي مع عدد من المواطنين من شرائح متنوعة؛ لرصد تجاربهم وخبراتهم حول الإيمان والصيف، وللوقوف على إجابة محددة وواضحة لسؤال طالما راود الكثير من المؤمنين: كيف نقضي صيفا بلا معاصٍ؟

لا إفراط ولا تفريط

في البداية يقول هشام عبد العزيز -محام-: بعض الناس يرى أن إجازة المصيف لا يمكن أن تكون إجازة بدون شاطئ ومصيف وتخفُّف من كل "القيود" في الملبس والسلوك وغيرها، والبعض الآخر يرفض المصيف والشاطئ رفضا نهائيا انطلاقا مما يحدث من تجاوزات، وأنا أتعجب لهما! هل من الضروري أن نكون على أحد طرفي النقيض؛ إما الإفراط أو التفريط؟! الانفلات أو التجاوز؟! لماذا لا يكون لنا خطتنا الخاصة لكي نعيش متعتنا في المصيف إلى آخرها، دون أن يكون لأحد علينا حجة. ضحك ولعب وجد، و"كله في السليم" بدون مخالفات شرعية.

ويضيف هشام بقوله: إن أول ما يجب أن نعرفه هو أن مصيفنا ليس معصية في ذاته؛ فرسولنا -صلى الله عليه وسلم- كان يخرج مع السيدة عائشة إلى التلاع (أي مساقط المياه في الصحراء التي كانت تسمى البادية)، حيث الخضرة وانسياب المياه. فكان يتبدى (أو كما نقول الآن يصيف)، ولذلك في أثناء قيامنا بالتصييف يجب علينا: أن نحدد نيتنا قبل السفر؛ فهي الكفيلة بأن تجعل تسليتك عبادة!! بل إن مجرد الاسترخاء بهدف العودة إلى عملك أو دراستك بنشاط هو في ذاته نية حسنة.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ بعض زوجاته في رحلاته، وكان يطلب من أصحابه أن يتقدموا عنه، ثم يخلو مع بعضهن كعائشة ويتسابق معها، وكان يسبقها وكانت تسبقه.

ولكن علينا أن نتذكر دائما أنه يجب ألا يلهينا المرح عن الطاعات.

أما عن الملابس -والكلام ما زال لهشام- فهي إشكالية كل عام؛ حيث المايوه الشرعي، والجينز والباندانا؛ فيكفي أن نؤكد على ضرورة الالتزام بزي الإسلام، دون أن نحمل أنفسنا بفكرة أن هذا الاحتشام يضايقنا. فلا أعتقد أن استبدال الرجل الشورت الطويل بالمايوه سوف يقلل من استمتاعه بالمصيف. أو أن تخلي المرأة عن الحجاب سوف يشعرها بالانطلاق؛ لأن الإحساس بالذنب سيشكل أكبر قيد على متعتك.

عبادة التفكر والتأمل

أما ناصر محمد -موظف بوزارة الصحة- فيقول: إنه لم يشاهد جمالا ولا إبهارا مثل ما رأي في منطقة اللسان الواقعة بمدينة رأس البر (إحدى المدن الساحلية المصرية) حيث قرر أن يقضي المصيف هذا العام في منطقة رأس البر التي تتميز بالموقع الجميل والهواء النقي البعيد عن الرطوبة الخانقة والضوضاء.

ويضيف ناصر أنه سمع كثيرا عن منطقة اللسان وروعتها، لكن "لم أتصور أن أجد منطقة بهذا الجمال؛ حيث انسياب الماء العذب بجوار الماء المالح دون أن يطغى أحدهما على الآخر للدرجة التي شعرت بالقشعريرة تتملكني، وتذكرت قول الحق سبحانه وتعالى في سورة الرحمن: {مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ * بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لا يَبْغِيَانِ}.

فظللت طوال مدة إقامتي أذهب مع أسرتي إلى منطقة اللسان، وأظل بالساعات مستغرقا في عبادة التفكر، أتأمل قدرة الخالق العظيم على هذه الآية التي نمر عليها ولا نعتبر بها، ونؤدي صلواتنا بجوارها، ورجعنا محملين بأريج الأيمان.

وهو أيضا ما أكده عبد الحفيظ محمد عبد الحليم -موظف- بقوله: "الذهاب إلى الشواطئ عموما في فصل الصيف بالنسبة لي فرصة للتدبر والتفكر في هذا الكون الفسيح؛ حيث الماء المتدفق في البحر المترامي الأطراف، والأمواج العالية، وهي إشارات واضحة إلى عظمة الخالق سبحانه وتعالى وقدرته، ومثل هذا التفكر يزيد من إيمانيات الإنسان".

عشنا مع القرآن

"الصيف فرصة عظيمة لمراجعة ما كنت أحفظ من القرآن بل وفرصة لزيادة الحفظ..".. بهذه الكلمات أجابت منى بدر -طالبة بكلية الآداب- قائلة: "عندما بدأت الإجازة الصيفية قررت أن أخصصها هذا العام للقرآن، أراجع ما أحفظه منه؛ فإن القرآن يتفلت مني ما لم أراجعه، فاتصلت بثلاث من زميلاتي في الجامعة، وعرضت عليهن الفكرة، فوافقن ورحبن بها، وقررنا أن نذهب يوميا لمسجد الحصري بمنطقة السادس من أكتوبر".

وتضيف منى: "لقد ضربنا عصفورين بحجر واحد؛ حيث كانت رحلتنا اليومية للسادس من أكتوبر بمثابة رحلة ترفيهية، حيث الهواء النقي بعيدا عن التلوث وعوادم السيارات في سماء القاهرة، كما كانت فرصة للعيش مع القرآن طوال الصيف؛ فوالله إنها لمتعة ما بعدها متعة أن تعيش مع القرآن قراءة وحفظا وفهما وتدبرا.. وقد كانت تجربة ناجحة سأكررها في كل صيف ما دمت على قيد الحياة".

وعلى ما يبدو فإن الكثيرين يتفقون مع منى في الرأي؛ حيث يقول أحمد علي -طالب بالثانوية العامة-:" قبل اندماجي مع أصدقاء المسجد كنت أصاحب شبابا غير ملتزمين، وفي الصيف هذا العام قررت أن أكون من رواد المسجد، وأن أحافظ على الصلوات الخمس في المسجد، وهناك تعرفت على صحبة المسجد، وأصبح الاحترام متبادلا بيننا، وعندما التزمت زاد احترامي للآخرين. وأعانني أصدقائي الجدد على توصيل ما التزمت به إلى الآخرين. فأنا أشعر أننا أكثر من أسرة، وهم أكثر من إخوتي، حقا.. إن الصيف هذا العام كان فرصة لزيادة إيماني".

ويضيف أحمد: "كان يتردد في نفسي دائما حديث النبي صلى الله عليه وسلم في السبعة الذين يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله، خاصة الرجل الذي قلبه معلق بالمساجد؛ فتعلق قلبي بالمسجد، وكنت أقضي فيه فترات طويلة؛ حيث أقسّم وقتي بين صلاة الفريضة والنوافل وورد الأذكار والتسابيح وقراءة القرآن، كما مَنَّ الله عليّ بشاب ممن يحفظون القرآن الكريم حفظا جيدا؛ فكنت أجلس إليه أراجع عليه ما أحفظ فيصحح لي ويعلمني أحكام القرآن.. كم كان الصيف هذا العام ممتعا!!".

صلة الأرحام

أما سيد عبده -موظف بإحدى الهيئات الخاصة- فيرى أن الرباط الوثيق بين الأهل والأقارب ضعف لدرجة الوهن، ويقول: "من هنا فقد فكرت أن أجعل صيف هذا العام فرصة لوصل الأرحام، فجلست مع والدتي وهي سيدة مسنة بلغت من العمر 86 عاما، وطلبت منها أن تعرفني بأهلي وأرحامي، وبينما هي تحكي لي شجرة العائلة أخذت أسجل ذلك في أجندتي الخاصة، ثم قسمت أرحامي تقسيما جغرافيا، وخصصت يومين من كل أسبوع لصلة الرحم؛ فكنت أذهب أنا وزوجتي وأولادي لصلة أرحامنا، وكنت آخذ معي بعض الهدايا لإدخال السرور عليهم.. فالحمد لله كان صيفا مثمرا..".

ويضيف سيد: "الصيف فرصة طيبة للتزاور والتراحم بين الأقرباء، خاصة أن فترة الشتاء ترتبط بالمدارس والمذاكرة للأولاد، بينما الصيف هو المتنفس الوحيد لكسب الحسنات عن طريق زيارات الوالدين والإخوة والأصدقاء ابتغاء مرضات الله سبحانه وتعالى".

وتتفق هبة عبد المنعم عباس -صحفية- مع سيد عبده فيما يقول، وتضيف: "الصيف فرصة لصلة الأرحام؛ حيث يعطيني فرصة لزيارة أقاربي بشكل أكبر؛ فهم طوال العام يعلنون حالة الطوارئ في منازلهم لاستقبال العام الدراسي والشهادات، ولذلك أشعر بحرج كبير في زيارتهم خشية أن أعطلهم، فضلا عن أن البيوت تكون غير جاهز لاستقبال الضيوف، ولذلك كنت أكتفي بالاطمئنان عليهم من خلال الاتصال الهاتفي".

أما محمد أحمد علي -طالب جامعي- فيقول: "أغتنم الصيف للمشاركة في المخيمات الإسلامية، من أجل التعارف على أكبر عدد ممكن من الشباب المسلم من مختلف أنحاء العالم، وأنتهز الفرصة لتبادل العناوين ووسائل الاتصال وخاصة الإيميل، فأوثق صلاتي بهم، وأراسلهم عبر البريد الإلكتروني، وأحمد الله أنني على صلة بحوالي 100 شاب مسلم من حوالي 20 دولة، إنني أشعر بالسعادة لما أنجزته في هذا الصيف، أشعر أنني أطبق قول الله تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا...}".


صحفي مصري؛ يمكنكم التواصل معه، أو مراسلتنا بآرائكم وخواطركم الإيمانية؛ عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com

 

«

ابحث

بحث متقدم