|
تعد المساجد في الغرب حلقة التواصل الرئيسية بين المسلمين في الغرب وتعاليم دينهم الحنيف. وتتعدد التجارب الناجحة التي زخرت بها الدول الأوربية في إنشاء مساجد تعلي ذكر الرحمن؛ لإيجاد ملاذ للمسلمين أينما وجدوا، يستطيعون أن يعلوا من أعلاها صوت الأذان، ويقيموا شعائرهم، وأنشطتهم الدينية في مكان يصلح للاجتماع والعبادة.
وفي بريطانيا وصلت مع بدايات الأربعينيات من القرن العشرين طلائع المهاجرين المسلمين من شبه القارة الهندية التي خضعت للاستعمار البريطاني. وبادر المسلمون إلى تنظيم أنفسهم في مؤسسة حملت اسم "جمعية اتحاد المسلمين"، تأسست رسميا في عام 1943. ولم يمض وقت طويل قبل أن يجري افتتاح مسجد صغير في بيت رقم 27 من شارع أكسفورد بالمدينة، كما افتتحت مدرسة صغيرة لتعليم أبناء المسلمين.
وتزايد إنشاء المساجد الصغيرة والكبيرة؛ لتلبية احتياجات مواطني المملكة المتحدة من المسلمين
لبيوت الله. ونحاول في السطور التالية أن ننقل تجربة مسجد شرق لندن في إحياء التراويح في رمضان من هذا العام. ونسرد تعليق المسلمين بلندن على فعاليات المسجد في هذا الشهر الكريم.
مسجد وملتقى إسلامي
يمثل مسجد شرق لندن الذي أنشئ عام 1910 مركزا حيويا لكافة الأنشطة الإسلامية والخدمات التي تقدم للجالية على مدار العام خاصة في رمضان. ويعد المسجد أحد أقدم المساجد في العاصمة البريطانية. وقد قامت الجالية الإسلامية في شرق لندن بتدشين مشروع طموح لبناء مبنى ملحق بالمسجد مكون من خمسة طوابق.
وتكلف هذا المسجد عشرة ملايين جنيه إسترليني، وافتتح المبنى الجديد الذي أطلق عليه اسم "مركز لندن الإسلامي" في شهر يونيه 2004. وحضر الافتتاح الدكتور الشيخ عبد الرحمن السديس - إمام الحرم المكي- ولفيف من قيادات الجالية وعمدة لندن.
ولا يقتصر دور المسجد على العبادة؛ إذ يشمل المبنى الجديد قاعات للصلاة للرجال والنساء، ومدرستين إسلاميتين، وقاعة مؤتمرات، وقاعات مناسبات، ومبنى الإذاعة المتحدثة باسم الجالية المسلمة، والتي تبث برامجها على مدار الساعة، وتلقى نجاحا منقطع النظير بين سكان مدينة لندن مسلمين وغير مسلمين. كما يشمل شركة سفريات، ومطعما إسلاميا، ومحل أزياء محجبات، وشركة معاملات إسلامية لشراء المنازل دون فوائد ربوية.
أول ما يدهشك وأنت تدلف إلى المسجد أنك لا تحس بالغربة أو القلق؛ فكل ما حولك ينطق بأنك في مجتمع إسلامي وكأنك في دولة إسلامية. ويتنوع العمل في المسجد لتقديم الخدمات في رمضان من تقديم الإفطار لما يزيد على ألف فرد يوميا، فضلا عن استقبال المسلمين الجدد وتقديم العون لهم, وتنظيم حلقات التعريف بالإسلام، والحلقات التعليمية، وحلقات الأطفال والنساء، وحلقات التوعية.
بقي أن نقول: إن المسجد يتسع بقاعات الصلوات المختلفة لما يزيد على ثمانية آلاف مصل. تعج بهم القاعات في أثناء التراويح. ولا يبقى في المسجد موضع لقدم. وتكاد تجزم أنك في مسجد عمرو بن العاص، وليس في مسجد بقلب العاصمة البريطانية.
ويؤم التراويح في المسجد كل عام حفاظ تتم دعوتهم من قبل إدارة المسجد ممن يتميزون بحسن التلاوة وتجويد الأداء. وفي السنوات الأخيرة كان الشيخ أحمد محمد عامر -القارئ بالإذاعة المصرية- على رأس من يؤمون التراويح في المسجد كل عام. وتمتد صلاة التراويح إلى 20 ركعة تختم بالوتر الذي يتنهي بدعاء تتفطر منه القلوب وتقشعر الأبدان.
تراويح بطعم الحنين
"التراويح هنا في مسجد شرق لندن لها طعم مختلف؛ فالمسجد يحرص كل عام على دعوة حفاظ وقُراء من عدد من الدول الإسلامية ينعشوننا بقراءتهم، ويحيون في نفوسنا الإيمان بأصواتهم العذبة، وتلاوتهم الخاشعة".. كانت تلك إجابة أبو قاهر؛ الشاب البنجلاديشي الأصل، البريطاني المولد والنشأة؛ ردا على سؤالي له حول تراويح رمضان في مسجد شرق لندن.
يقول عبد المؤمن يحيى -أحد مرتادي المسجد-: " يمثل دعاء التراويح بالنسبة لي نزهة روحية تستمطر الدموع وتحرك الوجدان؛ فالشيخ يدعو للمسلمين في كل مكان؛ وهو ما يجعلني أحس بانتمائي لهذه الأمة المباركة، وأنني لست بمعزل عن آلام إخواني في فلسطين والعراق وباكستان وكشمير، عندما يعلو صوت القارئ الشيح يحيى حوا -إمام مسجد الكالوتي بالأردن- الذي يؤم صلاة التراويح بمسجد شرق لندن، داعيا: اللهم رد لنا الأقصى الأسير.. وارزقنا فيه صلاة قبل الممات غير خائفين ولا وجلين" .
أما "آدم" فيحرص على الحضور مبكرا ليكون في الصف الأول خلف الإمام، وبجانب بقية الأئمة الذين يتوالون على الصلاة. يخبرنا آدم عن تجربته في تراويح شرق لندن قائلا: "يتلو الشيوخ هنا كل بطريقته؛ فتجد الهادئ الذي يتلو علي مهل، وعلى وتيرة واحدة، وهذا يسعد الكبار من المصلين. أما نحن معاشر الشباب فنحب الأئمة الشباب؛ لأن تلاوتهم فيها قوة؛ فكأنها تضخ الإيمان في قلوبنا، وتحيي جذوة الخير فينا. لذا نحرص على أن نطلب من الشيوخ إدامة هذا التفاعل مع الآيات؛ وهو ما يحرك فينا مشاعر الخوف من الله والقرب منه".
ويعقب "جنيد أحمد" على هذا، مشيرا: "على الرغم من أن معرفتي باللغة العربية قليلة؛ فإنني أحاول أن أفهم معنى ما يتلوه الأئمة. وأحرص على قراءة ترجمة ما سيقرءون قبل الحضور للمسجد؛ حتى أكرس ذهني للتفكر في التلاوة. وهو ما يساعدني كثيرا على التأثر ويملأ قلبي بالرهبة والخشوع".
أما "أبو الكلام" فيخبرنا أنه لا يفهم ما يتلى بدقه، لكنه يحس بالتلاوة تخرج من القلب. ولهذا فهي تزلزله من الداخل؛ لأن ما خرج من القلب وصل إلى القلب. ويضيف: "لا ينبغي أن يقرأ كلام الله كأي كلام عادي. بل لابد أن تتفاعل جميع الحواس معه؛ حتى تحصل الثمرة المرجوة من القراءة. ويذكرنا بقول الله تعالي: {أفلا يتدبرون القرآن أم على قلوب أقفالها} (محمد: 24)، وقوله سبحانه: {فويل للقاسية قلوبهم من ذكر الله} (الزمر: 22)".
ويقول الإمام عبد القيوم -إمام وخطيب مسجد شرق لندن-: " تحرص إدارة المسجد على دعوة القراء المتميزين والدعاة المجيدين لإحياء ليالي رمضان. إذ يمثل الشهر الفضيل موسما إيمانيا تحيا فيه القلوب وتجتمع الأفئدة على مأدبة القرآن. ومن أهم ما يساعد على إذكاء هذه الروح الطيبة تلك التلاوة الخاشعة التي يتلوها أئمة التراويح. ولا شك أن حسن التلاوة وجمال الصوت يبعث على الخشوع، ويجذب القلوب للالتفاف حول كتاب الله وتدبره. ولقد طرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لتلاوة أبي موسى الأشعري، وقال له: لقد أوتيت مزمارا من مزامير داود".
ليالي زرع الانتماء
وهكذا تمضي ليالي رمضان والقرآن يحيي في قلوب المصلين في مسجد شرق لندن معانيَ إيمانية جديدة، ويعمق فيهم رابط الانتماء لخير أمة أخرجت للناس. وهم مع وجودهم في الغرب لا يحسون بغربة أبدا؛ فالأذان ينبعث من مكبرات الصوت مرتين يوميا يرفع كلمة الله في طريق شارع "وايتشابل", وتحيط بالمسجد المحلات والمكتبات الإسلامية العامرة بشتى الكتب الإسلامية والعطور والملابس.
وعلى الجهة المقابلة للمسجد ترى لافتة كتب عليها بخط عربي واضح "البنك الإسلامي البريطاني". وتثور في نفسك آمال وآلام: متى ينجح المسلمون في بلادنا وأوطاننا فيما نجح هؤلاء الرجال فيه هنا في قلب بريطانيا؟.
بقي أن تعرف أن صلاة التراويح تذاع على الهواء مباشرة من خلال إذاعة الجالية التي تغطي لندن كلها وما يجاورها. ويستمع من خلالها القاصي والداني إلى كلام الله ومحكم تنزيله، ويشارك المسلمين هذا الكنز العظيم في هذا الشهر الكريم.
داعية بوزارة الأوقاف المصرية، والمدير التنفيذي لمؤسسة "جسور" للتعريف بالإسلام وتدريب الدعاة؛ يمكنكم التواصل معه أو مراسلتنا بآرائكم وخواطركم الإيمانية عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com.
|