|
| صورة الغلاف
|
كثيرا ما نسمع أو نقرأ أو نكتب عن الإيمان؛ فكلمة الإيمان ليست جديدة علينا. إذ لا بد لكل إنسان من شيء يؤمن به. أما أنه لا يؤمن بشيء؛ فهذا يعني أنه لا مبدأ له ولا خلاق.
فالحديث عن الإيمان إذن حديث ليس بجديد ولا غريب؛ وإنما هو حديث العارف إلى العارف. لكن الجديد هنا أننا نتحدث عن الإيمان كما تراه عيون غيرنا. وليست أي عيون تلك التي نقتبس رؤيتها. فبين العيون عين كليلة وعين ضئيلة وعين ناظرة وعين باصرة، وصدق القائل:
| سبحان من قسم الحظـوظ |
فلا عتــاب ولا ملامة |
| أعمى وأعشى ثم ذو بصـ |
ــر وزرقـاء اليمامة |
والعيون التي نصور تجربتها في هذا التقرير هي عيون غربية تربت في بيئة للمال فيها كلمة مسموعة وللمادة فيها راية مرفوعة. فصح لنا -بل توجب علينا- أن نحكي حكايتها وننقل تجربتها الصادقة؛ لأنها تجربة الورد والشوك والفقد والشوق.
فوق هذا، هي عين حاذق متخصص، فهي عين أستاذ جامعي وخبير عالمي تخصص في علم الأديان مقارنة وفلسفة وتاريخا، ورجل ذي تجربة تطاولت إلى نيف وخمسين عاما.
قراءتنا هذه هي قراءة سريعة -في أزمنة متسارعة تتلاهث فيها الدقائق- لتجربة البروفيسور هيوستن سميث أستاذ تاريخ الأديان الزائر بجامعة كاليفورنيا بيركلي، الأستاذ السابق بجامعة واشنطن، والذي توصف كتبه بأنها من أعمق وأبلغ ما كتب عن الأديان باللغة الإنجليزية.
وقراءتنا هذه رحلة ممتعة في كتابه: "لماذا الدين؟" "Why Religion Matters?" نقف فيها عند محطات معينة نرسم من خلالها صورة لتجربة الرجل، ونقف على رؤية جديدة للإيمان وأهميته؛ ولكن بعيون غربية.
نحن في أيد أمينة
يحمل مطلع الكتاب الذي صدر العام الماضي لنا نسائم من طفولة الرجل؛ حيث يحكي لنا أنه نشأ بين أبوين كانا يعملان في التنصير في الصين. ولأنها الصين، ولأنها مهمة دينية؛ فقد كان على الأسرة أن تتوقع الكثير من التضحيات بداية من ترك عيش رغيد ومرورا بمواجهة جحافل ممن لا يؤمنون بشيء ولا يأبهون بشيء.
غير أن الوالدين -اللذين تجردا للمهمة- تركا لطفلهما خير ميراث، وهو الإيمان. وقد طبع الإيمان بصمته في حياة الرجل فصار شخصا واثقا. ويخبرنا سميث أن أهم وظائف الإيمان؛ أنه يمنحنا إحساسا بأننا بأيد أمينة. فلا نشغل أنفسنا بهموم آتية ولا نعمة فائتة. فالله يدبر لنا ويده تحركنا إلى الخير.
وكأننا الآن نستمع لصوت حديث النبي صلى الله عليه وسلم لابن عباس: "واعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، واعلم أن النصر مع الصبر وأن مع العسر يسرا".
ويذكرنا المشهد بقول الله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26).
وحين غادر سميث الصين عائدا إلى الولايات المتحدة للدراسة حمل معه الإيمان، واستمر يحارب طيلة حياته للمحافظة عليه. كيف لا وهو أعز ميراث.
أزمة العالم الحديث
يرى سميث أن أزمة العالم الحديث لا تكمن في مشاكلنا الاقتصادية أو السياسية؛ بقدر ما تكمن في أزمتنا الروحية. فالعالم بشطريه -تباعدا أو تقاربا- يعاني أزمة روحية قضت على الثوابت الدينية، وأفقدت البشر القدرة على التسامي إلى النشوة الروحية والسمو الإيماني.
كل هذا أفقد الحياة بهجتها، فصارت سلسلة من أعمال آلية متتالية؛ تؤدى بطريقة روتينية، ولم نعد نستطيع أن نواجه المشاكل التي تحتاج إلى عزم ويقين.
بعد وفاة كاتب الأغاني العالمي المعروف إيرفنج برلين، استضافت إحدى القنوات الموسيقار العالمي إسحاق شتيرن؛ ليحدثهم عن حياة الراحل التي امتدت إلى 101 سنة. وحين سئل شتيرن عن السر وراء وصول برلين إلى العالمية؛ على الرغم من موهبته الموسيقية المتواضعة، أجاب بأن السر يكمن في فلسفته الحياتية البسيطة.
فقد كان الرجل يرى الحياة على أنها وحدة أو حب، أمل أو هزيمة. ويرى أن الأمل أجدى من اليأس والرحمة أفضل من القسوة، علينا أن نتطلع دائما لما هو آت.
وكأن فلسفة الرجل توضح لنا أن محدودية هذا الكون المادي لا تفي بمتطلبات الروح التي دائما ما تتطلع "للمزيد". إذن لا بد من وجود هذا "المزيد".
إن تحول زهور عباد الشمس إلى الضوء علامة على وجود الضوء، وتحرك أجنحة الطير علامة على وجود الهواء. فالروح تتعطش لحقيقة اسمها "الإله" أيا كان اسمه. وهذا الإله يمثل اتجاها direction أكثر من مجرد جسم object؛ لأن الجسم سيظل يضعنا في نطاق المحدودية التي لا تفي بحاجة الروح.
وهنا أيضا نسمع صدى صوت الأعرابي الذي نظر في الصحراء فوجد آثار الله بادية في البادية، فقال: "بعرة تدل على البعير، وآثار السير تدل على المسير. سماء ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، أفلا يدل ذلك على اللطيف الخبير؟!" والشاعر يقول:
| تأمل في نبات الأرض وانظر |
إلى آثار ما صنع المليك |
| غصـون من لجـين سابغات |
بآثار هي الذهب السبيك |
| تـدل على المـلائك أن ربي |
هو الله فليس له شريك |
عدو أم صديق؟
حين وصلت العلوم الحديثة ألقى الغرب عن كتفيه لباس الإيمان وقذف بنفسه في بحر لجي قوامه الفروض والبراهين والنظريات العلمية. وظن أن العلم -بمعطياته المتنوعة وأساليبه الهندسية- يكفيه ويغنيه.
حين سئل سميث -في مقابلة صحفية- عن سر غضبه من العلم، قال للرجل: أنا لست غاضبا من العلم، بل إنني أحبه وأشجعه. إن جل غضبي منا -معاشر الغربيين- حيث سمحنا لحياة المادة والفروض العلمية -التي لم تخرج عن كونها فرضيات- أن تستحوذ على أدمغتنا وكتبنا للعلم شيكا على بياض.
لقد سمحنا للنظريات العلمية أن تزعزع ثوابتنا الإيمانية وزعزعت معها ثوابتنا الأخلاقية. واستتبع هذا أزمة روحية أضيفت إلى سجل أزماتنا التي منها المشكلة البيئية، والانفجار السكاني، والهوة السحيقة بين الأغنياء والفقراء. وها نحن ندخل ألفية جديدة محملين -بل مثقلين- بإرث من المشاكل والأزمات والمعضلات.
نفق المدنية الحديثة
يطرح سميث رؤيته لحال الغرب؛ فيبين أن الغرب قد وجد نفسه في نفق اسمه "المدنية الحديثة". وفي هذا النفق نفقت الروح وقضى عليها. ويصف لنا النفق بجوانبه الأربعة، التي أسهمت في القضاء على الروحانية والإيمان، الأرضية والجدار الأيسر والسقف والجدار الأيمن.
أما أرضية النفق فتمثلها العلمية scientism والتي تفترق عن العلم science. فبينما يرى أن العلم وجد لخدمة البشرية، يرى أن العلمية وجدت لتدميرها؛ فقوام العلمية أمران: أولهما: أن الطريقة العلمية والمعملية هي الطريقة الوحيدة التي يمكن الاعتماد عليها في التوصل لحقائق الأشياء وما عداها زور وبهتان.
والثاني: أن الأشياء المحسوسة فقط هي الموجودة، فما لا يحس، لا يوجد. لذلك، لا مكان لأي معني إيماني أو روحي كالإيمان بوجود إله واليوم الآخر وغير ذلك. إذ إنها -في هذا المنطق الإلحادي- تدخل تحت ضرب الوهم و الخرافة.
على الجانب الأيسر في النفق نرى التعليم العالي والذي أسهم هو الآخر في قتل الإيمان ومحوه من نفوس الشبيبة الذين يتعلمون في جامعات الغرب.
ويكفي أن نقرأ عناوين بعض الكتب الغربية التي تحكي مرارة تلك المشكلة، مثل كتاب بيج سميث "قتل الروح: التعليم العالي في أمريكا". ويلخص لنا جورج م. مارسدن في كتابه "روح الجامعة الأمريكية" كيف تحولت الجامعة من مؤسسة دينية بروتستنتية إلى كفر مؤسس.
 |
|
هيوستن سميث
|
أما سقف النفق ففيه وسائل الإعلام والتي تسهم هي الأخرى في تشجيع الناس على التمرد على الدين وخلع ربقة الإيمان. ويفسر سميث هذا بأن فواتير وسائل الإعلام تدفعها الإعلانات.
وفي مجتمعات صناعية -كالغرب- يتم فيها الإنتاج بالجملة؛ نحتاج إلى استهلاك بالجملة؛ ولن يتم هذا إلا بتعبيد الناس لشهواتهم وإثارة غرائزهم ودفعهم لتلبية مطالب الجسد وتفضيلها على حساب مطالب الروح، والشهوة تجلب شهوة كما يقول اليابانيون: "يأخذ الرجل كأسا، ثم يستتبع الكأس كأسا، ثم يأخذ الكأس الرجل".
وعلى الجانب الأيمن -في النفق- نجد القانون الذي كثرت الضجة حول علاقته بالدين. ويرى سميث أن من المدافعين عن مبدأ فصل الكنيسة عن الدولة خائفون من أحد أمرين، إما من تسلط الكنيسة على الحكومة أو من تلوث الدين بالسياسة.
غير أن هذا يحدو بنا إلى القول بأن الدين والسياسة متدافعان؛ وإذن متصلان طالما أن بينهما هذه المعضلة، فليس لنا أن نفصلهما ونحن نقر بهذه العلاقة مهما كان شكلها.
إذن فجدار القانون -الذي فصل عن الدين- لم يكن الهدف منه إصلاح مسار الحياة؛ بل تقويض الإيمان في النفوس. ومن شاء فليراجع كتاب شتيفان كارتر "حضارة الكفر: كيف يسفه القانون والسياسة الأمريكية الصلاح الديني".
نور.. في نهاية النفق
يضيف سميث: "بعد هذا النفق -أو الفخ- الذي جرتنا إليه العلمية -لا العلم- هل من نور يتلألأ؟ أما زلنا نتحرك في الظلام أم أننا سنصل لمصدر الضوء يوما ما؟". وكأن سميث يقرأ من القرآن: {الله نور السموات والأرض}.
ويخبرنا أن النور هو المجاز الكوني المستخدم للتعبير عن الله. وما توصل إليه العلم الحديث عن خصائص الضوء؛ يؤكد لنا لِمَ كان الضوء أحرى من غيره بلعب هذا الدور. لقد أراد أينشتين أن يقضي بقية عمره يتأمل الضوء ويدرسه.
والضوء -أو النور- يمثل البساطة والوضوح والفهم؛ بينما تمثل الظلمة أي معنى آخر يناقض هذه الثلاثة. وسرعة الضوء ثابتة في عالم متغير متقلب. والنور سبيل الروح للوصول لخالقها ومبدعها.
إن عين الإيمان -وهي المعرفة- تقربنا من مصدر النور وتقربه إلينا فنستطيع أن ننعش القلب الذي أدمته المادة وغطته الغفلة. وإن كانت الرؤية تعني الإيمان؛ فإن الإيمان يعني المعاينة لأنه يلبس الأشياء نورا يجعلنا نحس بقيمتها، وإلا فما قيمة الرحمة والرأفة والعطف إن لم نحس بثواب الله. كل هذا نقرؤه في كلام الشاعر الإنجليزي ويليام بلاك:
This life's dim window of the soul
Distorts the heavens from pole to pole
And leads you to believe a lie
When you see with, not thro', the Eye
تلك الدنا قد عكرت روحنا
قد لوثت في غفلة كوننا
تودي بنا للأخذ من زيفها
حين نرى بالعين- لا من خلالها
إن دعوة هيوستن سميث أن نرى الإيمان بعين الحق لا بعين الجسد، بعين البصيرة لا بعين البصر. إنها دعوة صريحة وجلية للتخلص من مادية تعبث بالأرواح، دعوة صارخة من بحر متلاطم الأمواج غرق فيه الكثير من السباحين المهرة، هو بحر الحضارة الغربية بماديتها الطاغية.
يدعونا سميث للخروج من النفق إلى مصدر الضوء، وأن نستعيد الثقة بالدين الذي هو طوق النجاة للبشرية جمعاء. يرى -ككل المؤمنين- أن الإيمان هو أغلى الكنوز التي يملكها الإنسان، وأنه سلاح المقاومة أمام الحضارة المادية التي لا تؤمن إلا بالحواس وما تتوصل إليه الحواس.
وكأن الرجل يتجاوب مع ابن عطاء الله: "إلهي ماذا وجد من فقدك، أم ماذا فقد من وجدك؟!".. هكذا يرى سميث الإيمان كما يراه كل المؤمنين على اختلاف أديانهم ومشاربهم. يتأمل في نور الإيمان وغايته ولمساته السحرية في إصلاح البشرية؛ ولكن بعيون غربية.
داعية بوزارة الأوقاف المصرية، والمدير التنفيذي لمؤسسة "جسور" للتعريف بالإسلام وتدريب الدعاة؛ يمكنكم التواصل معه أو مراسلتنا بآرائكم وخواطركم الإيمانية عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com.
|