|
| أيتام يتعلمون بإحدى الجمعيات الخيرية بفلسطين
|
قرروا أن يمنحوا الأيتام وطن الأمان، وأن يهبوا قلوبهم الحياة، فامتدت أياديهم نحوهم ترعاهم وتسقي جفاف أيامهم بقطرات الحنان والعطاء.
آمنوا أن إسعاد اليتيم لا يكون بالكلام فقط، بل يتعداه إلى حيز التنفيذ حيث الكفالة والرعاية، وأيقنوا أن كفالة اليتيم لها مذاق خاص وبحر خير لا ينضب.
"جابر.س" تكفل برعاية أحد الأيتام، وعن السبب يتحدث: "لقد أردت من وراء عملي هذا دخول الجنة، وكلي رجاء أن أكون بصحبة الرسول صلى الله عليه وسلم؛ الذي تعهد بمرافقة كافل اليتيم".
أما "أم رامي" التي تكفلت برعاية ثلاثة أيتام في إحدى المؤسسات الخيرية فذكرت بفرحة: "كفالة الطفل اليتيم عمل مباشر وإجراء عملي لمساعدته، فلا يكفي أن نردد: علينا مسح دمعة اليتيم، فالمطلوب تطبيق لهذا الشعار ومساعدة الأيتام، وتقديم المعونة لهم سيمحو الحزن عنهم".
ولأنها خافت من أن يكون أحد أولادها محل الطفل اليتيم؛ بادرت "سعاد.ر" بالتبرع بمبلغ من المال، تقدمه شهريا لكفالة أحد الأيتام. وتشير: "شاهدت طفلا يتيما خلال زيارتي لإحدى المؤسسات الخيرية، آلمني منظره الحزين، وتخيلت أن ابني مكانه، وتساءلت: من سيحافظ عليه ويحفظ كرامته؟.
وعلى الفور قمت بكفالة هذا الطفل، وأدعو أهل الخير ألا يبخلوا على الأيتام ماديا أو معنويا. فكفالة اليتيم أمر عظيم حث عليه إسلامنا، ويجب أن نقوم به لنحفظ روح التكافل الاجتماعي".
"أشعر بسعادة بالغة عندما أرسم البسمة على وجه يتيم"؛ بهذه العبارة حدثنا "أبو محمد.ع" عن الدافع لكفالته أحد الأيتام، وأضاف: "جميلٌ أن تشعر بأنك ساهمت في الحفاظ على البنية الاجتماعية، وحافظت على طفل من الحرمان والضياع والعيش بذل ومهانة".
منافع كثيرة
تلك الصور السابقة عن كفالة الأيتام عن بعد عبر جمعيات خيرية تقوم بدورها برعاية الأيتام مباشرة، وإيصال كفالة المتبرعين إليهم. ولكنْ ثمة صور أخرى في فلسطين لكفالة الأيتام؛ حيث تبدو صور التراحم في أعظم ملامحها عندما يتكفل أحدهم يتيما، ويتعهد برعايته رعاية مباشرة.. بحثنا عنهم, حاورناهم، وبداخلنا سؤال: ما حصادهم من كفالة اليتيم؟
كان أحدهم يناديها "ماما"، وكانت تلاطفه بحنان الأم. ولما سألناها هل هو ابنك؟ أجابت: لا، هو ابن أختي. وواصلت "هدى.س" حكايتها: "لقد توفيت أختي بحادث مروري تاركة خلفها ابنها؛ الذي لم يتجاوز الأربعة أشهر. فأخذته في أحضاني وبدأت أربيه وأرعاه وأتكفل شئونه وألبي كافة احتياجاته؛ حتى كبر وأصبح الآن عمره 5 سنوات، وأتمنى أن يظل في كنفي لآخر يوم في حياتي".
وعن الدافع الذي جعلها تتكفل برعايته؛ أجابت بثقة: "ربما لن تصدقوا أن أمنيتي في هذه الحياة أن أتكفل برعاية أحد الأيتام؛ امتثالا لحديث رسولنا صلى الله عليه وسلم "أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة". ورغم صدمة الحادث الذي تعرضت له أختي؛ فإن ابنها خفف عني الصدمة، وحقق حلمي الذي لا زلت أواصل تحقيقه".
كانوا يعيشون في دولة الإمارات. وفجأة وهم يسيرون في أحد الشوارع اصطدموا بمنحدرٍ أصاب سيارتهم؛ والنتيجة وفاة الأب والأم تاركين خلفهم 4 أطفال.
فتكفل برعايتهم عمهم الذي يسكن في غزة؛ حضنهم وضمهم إلى أولاده. ويوضح العم "رائد.ن": "تكفلت برعايتهم فمن لهم غيري، وأحبهم الآن أكثر من أولادي، وأرعاهم بصورة خاصة. وما أعظم فرحتي بهم الآن حيث كبر الأطفال، وتخرجوا جميعهم في الجامعات".
نحن من عالم آخر!
ولكن.. كيف ينظر الأيتام إلى مسألة الكفالة وهل استفادوا منها؟ وما مطالبهم من المجتمع؟.
يبدي محمد -9 سنوات- سروره بأن وجد من يرعاه ويكفله ويساعده من أجل البقاء على قيد الحياة. غير أنه يلخص ببراءة أهم ما يراه من سلبيات يقرؤها في عيون المجتمع؛ إذ ينظرون إلى اليتيم بعيون الشفقة، ويحاولون إشعاره بأنه كائن ناقص يختلف عن سائر البشر!.
وتطالب لينا -10 سنوات- المجتمع بأن ينصف الأيتام، فهي سعيدة لأنها وجدت من يكفلها، ولكنها لا تريد أن ينظر إليها الناس وكأنها من عالمٍ آخر.
وتشدد ندى -12 عاما- على أن اليتيم بحاجة إلى رعاية اجتماعية ودعم معنوي؛ وألا يقتصر دعم الكافلين على المادة.
مفهوم إسلامي
أخذت العديد من المؤسسات والجمعيات الخيرية في فلسطين على عاتقها كفالة الأيتام؛ نتيجة الظروف القاهرة التي يعيشها الشعب الفلسطيني. وتوجهت شبكة "إسلام أون لاين.نت" إلى جمعية "مبرة الرحمة" للأطفال.
يذكر المهندس زياد الظاظا -رئيس مجلس الإدارة فيها والمرشح لتولي حقيبة وزارة الأشغال العامة في الحكومة الجديدة: "بلغ عدد الأيتام في قطاع غزة وحده ما يزيد على 22 ألف طفل. يعانون كل ألوان القساوة والمرارة والحرمان. وقد دأبت الجمعيات الخيرية الأهلية في قطاع غزة لكي تتحمل مسئولياتها.
وتمكنت جمعية مبرة الرحمة من كفالة نحو4 آلاف طفل وحدها؛ فيما نجحت باقي الجمعيات المنتشرة بأنحاء غزة في كفالة نحو 16 ألف طفل من الأيتام. ويوفر برنامج كفالة اليتيم المساعدة المالية الشهرية والدورية للطفل ليعيش في كنف أسرته وعائلته؛ حتى نحفظ بنيته الاجتماعية، ونوفر له مناخ الأسرة الدافئ.
هذا بالإضافة إلى متابعة حالة الطفل اليتيم اجتماعيا وتعليميا وصحيا ونفسيا، وتقديم المساعدة اللازمة حسب الحاجة، وإعداد التقارير الدورية عن حالة الطفل وتقديمها إلى الجهة الكافلة؛ حتى نربط بين الطفل اليتيم وكافله، ومن ثم تشتد أواصر مفهوم التكافل الاجتماعي".
وحدثنا "جابر عليوة"، مدير المكتب الرئيسي لجمعية الصلاح الإسلامية عن مشروع كفالة الأيتام في الجمعية؛ قائلا: "نقدم للأيتام كفالة مالية ورعاية شاملة. وتمكنا من كفالة 9 آلاف يتيم في قطاع غزة موزعين على فروع الجمعية التسع حيث يضم كل فرع ألف يتيم. وأنشأت الجمعية مدرسة للطلاب الأيتام وأخرى للطالبات. ويوجد في المدرستين 700 طالب وطالبة".
من جانبه قال عبد القادر العطار مدير الجمعية الإسلامية بغزة بأن الجمعية بفروعها العشرة تكفل 7 آلاف يتيم. وأوضح العطار أن الكفالة نقدية؛ غير أنه شدد على أن الجمعية تهتم برعاية الأيتام من الناحية الصحية والاجتماعية.
عائد نفسي واجتماعي
لكفالة الأيتام عوائد نفسية واجتماعية سواء على الشخص القائم بالكفالة أو اليتيم نفسه. فأكد الدكتور محمود أبو دف -المحاضر بكلية التربية بالجامعة الإسلامية- أن اليتيم يشعر بالراحة والاطمئنان وعدم الخوف من المستقبل والمجهول.
وتدعمه الكفالة نفسيا واجتماعيا؛ إذ تساعده على الاستقرار الأسري وتتيح له فرصة إكمال تعليمه، ويستطيع أن يثبت ذاته، ويصير إنسانا فعالا منتجا، يفرض احترامه على المجتمع رغم ظروفه الصعبة.
ويحتاج الأيتام إلى الرعاية الإيمانية والتوجيهات الدائمة والحنان؛ حتى يتم تعويضهم عما فقدوه. والمجتمع بأسره مطالب برعايتهم حتى بأقل الأشياء. فالمسحة على رأس اليتيم تجعل القلوب تلين".
ويجب على الكافل عدم التكلف والمبالغة؛ حتى لا يشعر اليتيم بالضعف والشفقة، واستدرك: ويجب دمج الأيتام في المجتمع في كافة الأنشطة والتفاعلات، وإشعارهم بأنهم أناس عاديون، وليسوا بغرباء عن المجتمع".
أما عن الآثار العائدة على الكافل فقال: "كفالة الأيتام من أفضل سبل الخير ومن أعظم أبواب التقرب إلى الله. وكافل اليتيم ضمن رفقة النبي صلى الله عليه وسلم في الجنة. ويبعث كل هذا في نفس الكافل الراحة النفسية والاطمئنان؛ لأن التقدم بالطاعات منبع الارتياح النفسي. كما أن الكفالة تحقق لمن فقدوا الأبناء غريزة الأبوة أو الأمومة. ولا ننسى أن هذا الإنفاق الجميل مدفوع من أجل الله؛ فيبارك الرحمن في الرزق ويزيد من سعته".
في صحبة الحبيب
وعن كفالة الأيتام في الإسلام؛ يوضح الدكتور إسماعيل رضوان، المحاضر بقسم أصول الدين بالجامعة الإسلامية: "كفالة الأيتام في المجتمع المسلم واجب الأمة الإسلامية وواجب المجتمع المسلم. فهم من أهم الشرائح المحتاجة إلى الرعاية.
فقد حث المولى عز وجل على أهمية كفالة الأيتام؛ وجاءت آيات القرآن الكريم دالة على بيان فضل رعاية اليتيم، وعظم أجر كافله. فقال تعالى: {يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ} (البقرة: 215).
وقال تعالى: {وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة: 220 ). وقال أيضا : {فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ} (الضحى: 9).
وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل كفالة اليتيم والإحسان إليه، منها قوله صلى الله عليه وسلم:" أنا وكافل اليتيم كهاتين في الجنة". وأشار بالسبابة والوسطى وفرق بينهما قليلا. وفي رواية :"كافل اليتيم له ولغيره أنا وهو كهاتين في الجنة إذا اتقى الله".
وفي سياق بيان فضل كافل اليتيم أيضا قال صلى الله عليه وسلم: "أحب بيوتكم إلى الله بيت فيه يتيم مكرم" (خرجه السيوطي). وقال أيضا: "إن أردت تليين قلبك فأطعم المسكين وامسح رأس اليتيم" (حسنه الألباني).
ويوضح د.رضوان أنه يكفي لكافل اليتيم فخرا رفقة النبي صلى عليه وسلم في الجنة؛ لما لهذه الكفالة من آثار طيبة على المجتمع المسلم. وأضاف: "تعزز كفالة اليتيم الرابطة الأخوية داخل المجتمع المسلم، وتساهم في ترسيخ مبدأ التكافل الاجتماعي؛ إضافة إلى أن الكفالة توحد صفوف الأمة من خلال الشعور بالعدل والمساواة".
صحفية فلسطينية
|