|
| العمل الإغاثي لون من العمل الخيري
|
من الظواهر اللافتة للانتباه انتشار العمل الخيري بين قطاع كبير من الطبقات الاجتماعية المختلفة، كما أن من الأشياء الجديرة بالرصد والملاحظة عزم الشريحة المتدينة في الأغنياء على تقديم يد العون في المجالات الخيرية المختلفة ، واستثمار بعض الأماكن التي اشتهرت بأنها أماكن للترفيه، كالأندية وغيرها، في تسويق وبيع المنتجات التي يعود ريعها لصالح المحتاجين، أو إقامة الاحتفالات والندوات التي تسهم في ذات الغرض.
ويقوم عماد هذه الجمعيات على التطوع، ما جعل البعض يستفهم حول أسباب الانتشار الكبير للعمل الخيري، ودوافع الانخراط فيه، فمن المتطوعين من يقتحم المجال الخيري عن قناعة تامة، ورغبة وحب في البذل والتضحية ابتغاء وجه الله تعالى، وهناك من يشكك في قناعات هؤلاء، مشيرا إلى أنهم يستهدفون كسب مغانم اجتماعية "وجاهة"، أو التهرب من دفع الضرائب المقررة للحكومات على مشروعاتهم ومؤسساتهم التجارية، أو مآرب أخرى لا يعلمها إلا علام الغيوب.
وفي البداية، نود أن نؤكد على حقيقة، هي أنه ليس لإنسان -كائنا من كان- أن يبحث في نوايا العباد، أو أن يتهمهم بعدم الإخلاص، وإنما فقط أردنا في هذا التحقيق الصحفي الوقوف على الأسباب الحقيقية، والبحث عن الدوافع الكامنة وراء اشتغال الناس بالعمل الخيري، في محاولة لفهم ورصد وتسجيل الحقيقة، ومن ثم فقد عرضنا كل هذه الهواجس والشكوك على بعض القائمين على النشاط الخيري بمصر، والعاملين فيه.
تحريات وشروط!
تحدثنا مع الدكتور جاد مخلوف، الأستاذ بجامعة الأزهر، وأحد علماء الجمعية الشرعية لتعاون العاملين بالكتاب والسنة المحمدية بمصر، فأوضح لنا أن هناك عدة أنشطة للعمل الخيري الذي تتبناه الجمعية، يتمثل في بعديه الدعوي والاجتماعي، الذي يستهدف إزالة التفاوت الضخم بين الفقراء والأغنياء، مثل مشروع كفالة الطفل اليتيم، ومشروع كفالة طالب العلم، ومشروع تيسير زواج الفتيات اليتيمات، ومشروع تشغيل أمهات الأيتام.
وبيّن الدكتور مخلوف أن هناك محاذير في اختيار المتطوعين في العمل داخل الجمعية الشرعية، فليست الأنشطة المتفرعة للجمعية يمكن أن يدخلها بسهولة كل من هب ودب، فالجمعية الشرعية "لا تقبل المتطوعين العاطلين عن العمل، كما أنه يجري تحريات واسعة على الراغب في التطوع؛ لأننا نختار من يمتازون بحسن الخلق، المعروفين بحسن السير والسلوك، وألا يكونوا من المنتمين للأحزاب أو الجماعات".
وأكد أن العمل الخيري عادة يكون مقصد العاملين فيه الخير، وابتغاء وجه الله تعالى، والدليل على ذلك أن جميع أعضاء مجلس الإدارة والمديرين لا يتقاضون أي مقابل مادي عما يقومون به من أنشطة تطوعية، وكلهم -ولله الحمد- على مستوى عال، ومنهم أساتذة جامعيون، ووكلاء وزارة، وذوو مناصب رفيعة.
وفي حديث لشبكة "إسلام أون لاين.نت" رفض أحد المسئولين عن تقديم المعونات بالجمعية الشرعية ذكر اسمه، قائلا: "عملي إنساني بالدرجة الأولى، وأنا أفضل أن آخذ الثواب والأجر من الله فقط، وأنا موظف، وعندي ثلاثة أولاد وبنتان، وقد تطوعت منذ أكثر من عشرين عاما". مؤكدا أن "هناك منافع تعود على المتطوعين في العمل الخيري، لكنها من الله وليست من البشر، حيث يتفضل بها سبحانه على أولئك النفر الذين فرغوا أوقاتهم وجهدهم لله".
ويضيف هذا المسئول: "أنا شخصيا استفدت من العمل التطوعي، حيث تغيرت شخصيتي للأحسن، بسبب الاحتكاك بعدد كبير من الناس، خصوصا من الطبقات الفقيرة، كما تعلمت الصبر، لأني ألتقي أصنافا متفاوتة من الناس، كما تعلمت أن أربي أولادي على تجنب الكبرياء والإسراف، فهناك ملايين البشر التي تموت من الجوع".
النساء الأكثر تطوعا!
|
|
المرأة حاضرة بقوة في العمل التطوعي
|
( "إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية أو علم ينتفع به أو ولد صالح يدعو له". هذا الحديث كان سببا في تغيير حياتي). بهذه الكلمات بدأ المهندس محمد عبد الباقي، رئيس مجلس إدارة جمعية "صناع الحياة" حديثه معنا.
ويقول عبد الباقي: "أحاول من خلال الجمعية أن أطبق كلام النبي صلى الله عليه وسلم، فأقوم بالأعمال الخيرية انطلاقا من كونها صدقة جارية، كما أقدم العلم الذي ينتفع به عبر الدورات التعليمية، أما عن الولد الصالح؛ فجميع المتطوعين هم في مقام أولادي الذين أرجو أن يدعوا لي".
ويرى عبد الباقي أن شباب اليوم "فيهم خير كثير"؛ لأنهم "يساعدون بمجهود كبير، ولا يقتصر تطوعهم على القيام بالنشاطات المختلفة، بل يقوم الميسور منهم بدور الراعي المادي لبعض الأنشطة"، ويضيف: "لا أنفي وجود نماذج سيئة، تريد استغلال العمل الخيري لتحقيق مكاسب خاصة، أو للتهرب من الضرائب؛ فقد يأتينا متطوع نستشعر أنه يبحث عن مصلحة، لكن هؤلاء يسهل علينا كشفهم من أول وهلة، ونحن لا نحكم بالظاهر، وإنما مثل هؤلاء لا يصبرون على العمل الجاد".
ويكشف عبد الباقي عن ملاحظة جديرة بالتسجيل وهي غلبة النساء على الرجال في العمل الخيري، فيقول: "النساء هن الأكثر تطوعا، وبنسبة كبيرة، فهل يعقل أن عدد المتطوعين في الجمعية يتجاوز المليونين منهم عشرة آلاف رجل فقط، والباقي من النساء. (على حد قوله) مفسرا ذلك بانشغال "الشاب بالبحث عن فرصة عمل، ليكون أسرة ويفتح بيتا، ويستقر".
من أول لحظة
ويذكر حازم محمد أحد الشباب المتحمسين للعمل الخيري، ومسئول عن استقبال المتطوعين الجدد في جمعية رسالة: من بين الخبرات التي أكتسبها من العمل الخيري، معرفة الشخص الذي يأتي إلى الجمعية للتباهي، أو للتعرف على أصحاب جدد، أو حتى أولئك الذين يكونون مدفوعين من آبائهم، وهم غير مقتنعين بهذا العمل.
ويقول حازم: "نكتشف هذه الحقيقة من أول حديث معه، وعند ملء استمارة التطوع، فالشاب غير الجاد، أو صاحب المصلحة يبحث عن النشاط الأقل مجهودا، ويكون غالبا نشاطا جماعيا حتى لا تنكشف حقيقة دوره إذا قصر في العمل المطلوب، ولا يطلب الدخول في أنشطة إنسانية مرهقة مثل مرافقة كفيف؛ أو تعليم أمي، فمثل هذه الأنشطة تتطلب جهدا وصبرا وإخلاصا، وهي ليست في الواجهة حتى يعلم بها الناس".
ويضيف حازم: "المتطوع الذي يبحث عن الوجاهة، يكون كلامه أكثر من أفعاله، ويشترك في عدة أنشطة دفعة واحدة، وتكون أكثر مشاركاته بالأفكار التي من وجهة نظره تساعدنا على تنفيذ العمل بصورة أفضل، وعند مطالبته أو تكليفه بتنفيذ ما اقترح من أفكار، فهو غالبا يعتذر ويتحجج بأمور كثيرة. كما أن مثل هذا الشخص ينكشف بالممارسة، فهو لا يحترم المواعيد، وكثيرا ما يخل بما اتفق على إنجازه بدون عذر مقنع، فهو يدعي دائما أنه مشغول أو مريض، وفي هذه الحالة تتم تجربته مرة وأخرى، إلى أن نضع حول اسمه دائرة، نفهم من خلالها طبيعة هذا الشخص، ومع ذلك فإننا نحاول أن نستفيد منه حسب جهده، وأن نوظفه حسب طاقته وإمكاناته".
وينصح حازم كل من يرغبون في التطوع بـ "عدم الانشغال بتكوين صداقات قوية داخل الجمعية، حتى لا تصبح الجمعية مجرد مكان يلتقون ويتسامرون فيه، كما يجب على المتطوعين أن يعلموا أن تطوعهم هذا ليس خدمة لأحد، وإنما خدمة لأنفسهم أولا، ثم لمجتمعهم ودينهم، وأن ينتظروا الثواب من الله فقط".
مكاسب دنيوية!
|
|
نصر فريد واصل المفتي الأسبق لمصر
|
وفي محاولة لتأصيل المسألة من منظور شرعي، عرضنا الأمر على الدكتور نصر فريد واصل- المفتي الأسبق للديار المصرية- فقال: "العمل التطوعي فريضة، وليس من النوافل. فالله تعالى يقول في كتابه العزيز: "وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ"{المائدة:3}. وفي ظل الحالة الاقتصادية السيئة التي نعيشها، يجب على الشباب والموسرين التوجه إلى الجمعيات لمساعدة الفقراء والمحتاجين".
ويضيف الدكتور واصل: "لا مانع من استفادة المتطوع ماديا أو معنويا، شريطة أن يتقي الله، فلا يعقل أن تطلب من رجل أن يتفرغ للعمل التطوعي، ويترك أهله وبيته بدون مصاريف. كان من الأولى به أن يكفي بيته، وحتى لو كان من الأغنياء". مشيرا إلى أن للمتطوعين الحق في تقاضي أجر نظير عملهم؛ لأنهم من العاملين على الزكاة، ولهم الحق في تقاضي بعض أموال الزكاة على سبيل الأجر، ولكن دون مبالغة في الأجر، ومع مراعاة النظر إلى أجر المثل، ولكن من فعل ذلك ابتغاء وجه الله دون أخذ مقابل مادي -طواعية منه- فجزاه الله خيرا، وهو بلا شك أفضل".
ولا يجد الدكتور علوي أمين- أستاذ الفقه بكلية الشريعة جامعة الأزهر- حرجا في إمكانية جمع المتطوع بين نيتي التقرب إلى الله والانتفاع الدنيوي، وتلا علينا قوله تعالى: "لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ" {الحج:29} وعلق على الآية: "ذكرت هذه الآية في الحج، وهى أرقى عبادة يؤديها الإنسان؛ لذلك فمن الممكن أن يجمع المتطوع بين الثواب في الآخرة والمكاسب الدنيوية".
ويؤكد الدكتور علوي أن خدمة الوطن جزء من الإيمان، وقص تجربته الشخصية مع العمل الخيري: "اهتممت بالعمل الخيري، منذ كنت صغيرا، ولم أفوت أي فرصة في الالتحاق بالمعسكرات التي تقدم خدمات للمجتمع، فلم يعش ذلك الإنسان الذي لم يؤثر فيمن حوله ويكن نافعا لهم"، ويبين أن العمل التطوعي كله استفادة، متسائلا: "أليست خدمة الوطن إفادة؟ أليس التعامل مع الناس في مثل هذه التجمعات في حد ذاته اكتساب خبرة؟ ألا يقضي وقته في فعل الخير؟ أليس ذلك كله استفادة؟!".
شفاء نفسي
وتوضح الدكتورة إنشاد محمد -أستاذة علم النفس جامعة المنوفية- أن هناك مزايا اجتماعية وسيكولوجية تعود على المتطوع؛ إذ يستفيد كثيرا من احتكاكه بالناس، فيتعلم الثقة بالنفس، والقدرة على اتخاذ القرارات، والعمل الجماعي، ما يعد أفضل وسيلة للتدرب على العمل في المستقبل بالنسبة للشباب صغيري السن، وعلاج فعال للعديد من الأمراض النفسية مثل الخجل، والانطوائية.
وتقول الدكتورة إنشاد: "كثيرا ما ننصح المكتئبين بالنزول إلى الجمعيات الخيرية، وممارسة العمل التطوعي؛ حماية لهم من الاستمرار في الاكتئاب، وللقضاء على الوحدة التي يستشعرونها" موضحة أن: "التطوع في الجمعيات الخيرية يعلم الانتماء للوطن، والبذل، والتضحية، وهي صفات نحتاج إليها كثيرا في شباب المستقبل؛ حيث لا يمتلك كثير من شباب اليوم أي حس وطني".
صحفي مصري، يمكنكم التواصل معه، أو مراسلتنا بآرائكم وتعليقاتكم الإيمانية عبر بريد الصفحة: tazkia@iolteam.com
|