|
| مؤتمر سنوي لائتلاف القلب مع الجوارح |
إن للروح لسبحات تقترب فيها من ربها المتعال، وتأتلف فيها مع الإيمان السرمدي الرقراق المتدفق من المشاعر الفياضة، حيث الإخلاص العميم والتفاني المطلق، حيث لا شيء يراد إلا مرضات الرب الرحمن.
وللصائمين حياة تتماهى مع كل جميل، وتذوب في ريحانة الإيمان مع كل ساعة تمر بهم، فإذا الوجود من حولهم نور وحبور، وإذا هم يسبحون في فيض النورانية الساجي، يستقون من نبع الحب والبذل والعطاء والرضا برب رحيم، جواد كريم، غني حي قيوم.
وإن من أسمائه الحسنى سبحانه وتعالى: الحكيم، وهو من اتصف بالحكمة، وهى إتقان الأمور ووضعها في مواضعها، ومقتضى هذا الاسم من أسمائه تعالى أن كل ما خلقه وشرعه، فهو لحكمة بالغة وبصيرة نافذة، وعلة علوية.
كما أن من أسمائه سبحانه: الرحمن، فهو الذي الرحمة من صفاته، وهو الذي جعل الرحمة في قلوب عباده، وهو الذي يرحم خلقه بشرائع تيسيرية، وبمؤهلات تقريبية، يفتح بها السبيل إلى القرب منه سبحانه، والتزلف على بابه عز وجل، ولذلك قال بعد آيات الصيام: "وإذا سـألك عبادي عنى فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان".
فها هو رمضان يدنو منا وندنو منه، فتغمرنا فيه ثلاثة معان راقية: أولها: أنه شرع لنا فيه من الأعمال الصالحة ما يكون سببا في تكفير ذنوبنا ورفعة درجاتنا. وثانيها: أن الله تعالى فيه يوفق إلى العمل الصالح، ولولا معونة الله وتوفيقه لما تيسرت لنا الصالحات، وثالثها: أن الله أعد به- فضلا منه- الأجر المضاعف على الأعمال، ووعد العتق من العذاب.
لفتات سامية
وها هي بعض اللفتات الإيمانية السامية يلفتنا إليها رسولنا صلى الله عليه وسلم:
-
عن أبي سعيد الخدري أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "من صام رمضان وعرف حدوده وتحفظ مما كان ينبغي أن يتحفظ منه، كفر ما قبله" (رواه أحمد والبيهقي).
-
وعن أبي سعيد الخدري قال: "لا يصوم عبد يوم في سبيل الله إلا باعد الله بذلك اليوم النار عن وجهه سبعين خريفا" (متفق عليه).
-
وعن سهل بن سعد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "إن للجنة بابا يقال له الريان يقال يوم القيامة: أين الصائمون فإذا دخلوا أغلق ذلك الباب" (متفق عليه).
والصائمون طبقتان علويتان: أولهما من ترك طعامه وشرابه وشهوته لله تعالى، يرجو عنده عوض ذلك في الجنة، فهذا قد تاجر مع الله، والله لا يضيع أجر العاملين: "قال صلى الله عليه وسلم إنك لن تدع شيئا اتقاء لله إلا أتاك الله خيرا منه".
وأما الطبقة الثانية: فهي طبقة من يصوم في الدنيا عما سوى الله، فيحفظ الرأس وما حوى والبطن وما وعى، ويذكر الموت والبلى، ويريد الآخرة فيترك زينة الدنيا. فهذا عيد فطره يوم لقاء ربه فتدبر في ذلك المعنى واستحضر الحديث الرباني لمعلم البشرية صلى الله عليه وسلم إذ يقول: "للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" (متفق عليه).
حكم ربانية
وفي أيام النفحات الرمضانية حِكَمٌ لا تفوتنا، فمن تدبرها فقد هُدِيَ، ومن غفل عنها فقد غفل:
أولها: قوله تعالى: "يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون". فالصوم إذن هو التعبد بترك الشهوات. وقد وجه الله الخطاب للمؤمنين في الآية؛ لأن صيام رمضان من مقتضيات الإيمان.
وقد ذكر الله تعالى أنه فرض على من قبلنا، ولم يذكر مثل ذلك في الصلاة؛ لأن الصيام فيه مشقة وفيه التعب وفيه ترك المألوف، فذكر الله أنه فرضه على من قبلنا؛ تسلية لنا وتكريما لأمتنا، إذ إنه ما من خير في دينهم إلا هو في ديننا.
ثانيا: تأكيده على التقوى في جميع آيات الصيام؛ لأن الصوم جنة يقي من الذنوب والنار، وهذه حكمة إيجاب الصوم، ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم: "من لم يدع قول الزور والعمل به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه" (أخرجه أحمد والترمذي وابن ماجه).
ثالثا: أن التيسير في الأحكام الشرعية يتجلى ظهوره في أحكام الصوم، فقد قال سبحانه: "فمن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر". والمرضى ثلاثة أقسام: قسم مريض لا يرجى برؤه، فهذا لا صيام عليه، وعليه عن كل يوم مسكين، وقسم مريض مرضا يضره الصوم، فهذا يمنع من الصوم ويحرم عليه، وقسم مريض يشق معه الصوم، لكن لا ضرر عليه فيه، فالأفضل له أن يفطر، ثم يقضي بعد ذهاب المرض، فأي يسر ذلك وأي رحمه؟
رابعا: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قال الله عز وجل: "كل عمل ابن آدم له إلا الصيام فإنه لي وأنا أجزي به".
والمعنى هنا، أن الصيام يختصه الله سبحانه من بين سائر الأعمال، فإنه سر بين الإنسان وربه، فلذلك كان أعظم إخلاصا، وقال بعض أهل العلم إنه إذا كان يوم القيامة، وكان على الإنسان مظالم للعباد؛ فإنه يؤخذ من حسناته إلا الصيام، فإنه لا يؤخذ منه شيء.
صوم الصابرين وصبر الصائمين
 |
|
الصيام.. ذروة الإحساس بلذة العبودية
|
والصوم قد اشتمل على أنواع الصبر كلها، ففيه صبر على طاعة الله وصبر عن معصية الله، وصبر عن أقدار الله. فأما الصبر على طاعة الله؛ فلأن الإنسان يحمل نفسه على الصوم مع مشقته، لكنه مع ذلك يتحمله ويصبر عليه، والصابرون على العبادات الثابتون عليها، هم أهل الرضا.
وأما الصبر عن معصية الله فهو حاصل للصائم، فهو يصبر نفسه عن معصية ربه، فيتجنب اللغو والرفث والزور والفسوق، بل يتجنب حديث النفس بالآثام.
وأما الصبر على أقدار الله، فإن ذلك لأن الإنسان يصيبه من الملل والكسل والعطش، ما يتألم ويتأذى به، ولكنه يصبر لأن ذلك في مرضات الله، فلما اشتمل على أنواع الصبر الثلاث، كان أجره بغير حساب، إذ قال الله تعالى: "إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب".
إنها حياة تمتزج فيها العبادة بالحب، فتصير في أسمى معانيها، إذ أسمى العبودية هو تمام الحب مع تمام الذل والانقياد.
تلك الحياة المخلصة التي يحياها الصائمون، يستشعرون فيها لذة العبودية، لا مجرد تنفيذ الأمر، فهو مذاق سكري مستلذ في حلق الصائم، يتذوقه بجنانه لا بلسانه، ويستسيغه بفؤاده، ويفيض سعادة على جوارحه؛ فترى الجوارح كلها في مؤتمر إيماني مؤتلف، فلا العقل يعصى، ولا اللسان يلغو، ولا العين تخون، ولا الأذن تسترق، ولا اليد تجترئ، ولا القدم تخطو، ولا النفس تصبو إلى ما نهاها ربها عنه.
ذاك المؤتمر الجوارحي الذي يخرج بتوصيات تُنفذ، تتمثل في سلوك مثالي نموذجي، يسلكه الصائم طوال يومه، يرتجي مغفرة عند أول رشفة ماء تبل اللسان، وتسير في العروق، فترى الوجدان كله عند فطره يدعو بدعاء علمه لنا الرسول صلى الله عليه وسلم قائلا: "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله".
رئيس القسم التربوي بموقع المسلم؛ يمكنكم التواصل معه، أو مراسلتنا بآرائكم وتعليقاتكم الإيمانية، عبر بريد الصفحة:tazkia@iolteam.com
|