|
شاهدت في إحدى قرى مصر المحروسة منظرًا لن أنساه ما حييت... صواني الطعام تخرج من كل دار من دور القرية متجهة صوب دار المناسبات؛ لتكون طعامًا لأهل الميت... تأملت هذا المشهد وتردد في صدري نداء الحق جل وعلا: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ}.
فالتعارف هدف في حد ذاته؛ وذلك لأنه مقدمة للتآلف، ومن ثَم التعاون، من أجل تحقيق غاية الله من خلق الإنسان، ألا وهي الاستخلاف والتعمير، وهذا المعنى العام والواسع يلزم تجزئته إلى وحدات صغيرة قابلة للتطبيق على أيدي الجماعات الاجتماعية المختلفة التي يجمع بينها رابط ما.
ومن أبرز هذه الجماعات جماعة الجيران، فالجوار يمثِّل بحسب طبيعته المكانية خطّ تماسّ يرتبط فيه الإنسان بالإنسان الآخر ارتباطًا في كل لحظات الزمن، وحدّ الجوار -كما ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم- أربعون دارًا من كل جانب (ما يوازي حي صغير)، حيث يريد النبي صلى الله عليه وسلم من خلال التعاليم والمنهج الأخلاقي والتربوي للجوار، أن يترابط الجيران ترابطًا حميمًا لتحقيق المصالح ودرء المفاسد المشتركة.
وتحولت علاقة الجوار في ظل الإسلام، من علاقة اجتماعية جامدة، إلى مسألة تتصل بالعنوان الروحي للإنسان، وتتحرّك في خط القرب من الله، فنجده صلى الله عليه وسلم يقول: "من آذى جاره حرمه الله ريح الجنة ومأواه جهنم وبئس المصير، ومن ضيّع حق جاره فليس منا، وما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورِّثه".
ولغياب هذه المعاني عن وعينا وإدراكنا أثره العميق على المستويين الفردي والجماعي، والتغيرات المجتمعية الحادثة في العصور الحالية تضاعف من حجم الأزمة والكارثة التي تهمش من دور جماعة الجيران كجماعة اجتماعية فاعلة، فما هي التغيرات التي حدثت في مجتمعاتنا؟، وما هو التأثير المتوقع على المستويين الفردي والجماعي لغياب جماعة الجيران الفاعلة؟، وما هي آفاق العمل لاستعادة الدور الغائب لجماعة الجيران؟، وأين يمكننا أن نجد بعضًا من النقاط المضيئة التي تهدينا عبر ظلمات الطريق؟ أسئلة كثيرة تشغل العقل.. وفي هذا المقال محاولة للبحث عن أجوبة، والله المستعان.
مجتمعاتنا.. ماذا حدث لها؟
كانت البداية بالانتقال من المجتمع القروي، حيث عاش الإنسان بداخل جماعات اجتماعية، توفر له الحماية والأمان ووسائل العيش، وفي المقابل لم يجد الإنسان الفرد غضاضة في أن يكون تابعًا وملبيًا لاحتياجات هذه الجماعة التي تضمه- إلى مجتمع المدينة؛ حيث يغلب الإيقاع المتسارع والمادية الطاغية، في هذا المجتمع توفرت وسائل الأمان ووسائل الخدمات المختلفة وقل احتياج الإنسان للجماعة الاجتماعية وزادت الفردانية... فالكل يجري على لقمة العيش ويبحث عن مصلحته الفردية ومصلحة أسرته، لا وقت عنده للعلاقات والروابط الاجتماعية.
انتقلنا للعيش في أبراج أسمنتية خانقة يقطنها المئات من الأسر، ولا رابط بينهم في معظم الأحوال، وأحيانًا ولا حتى تعارف، ولقد حاولت مروة البدري في دراستها "المنزل هو العالم" أن ترصد التغيرات المجتمعية الحادثة بجماعة الجيران في المجتمع القاهري في أواخر القرن الماضي، ورغم أن الدراسة قديمة نوعًا ما فإن نتائجها شديدة الدلالة، حيث أوضحت بما لا يدع مجالاً للشك اضمحلال قدرة المصريين على التواصل الإنساني والاجتماعي، وتواكب مع هذا فقد مهارات التواصل وضعف ميزانية الوقت المصروف في إقامة علاقة اجتماعية مع الجيران، فجل الوقت ينصرف في العمل ومذاكرة الأولاد، ولا توجد علاقات اجتماعية دائمة إلا في محيط الأهل.
والتطور التكنولوجي المتلاحق ضاعف من حجم أزمة الروابط المجتمعية... فالترفيه أصبح نشاطًا فرديًّا من خلال التليفزيون والدش (الأطباق الهوائية اللاقطة) والإنترنت، وساعدت الميكنة الإنسان على إنجاز الكثير من الأعمال بدون معاونة الغير، وبعد أن كان إنجاز الأعمال نشاطًا اجتماعيًّا تعاونيًّا أصبح يتم بمعاونة آلة صماء.. وفقدنا مشاهد كانت مألوفة في حياتنا لنساء يفترشن شط الترعة لغسل الأواني والملابس أو يجتمعن أمام الفرن البلدي، حيث تتعمق الأواصر ويتم تبادل الدعم الاجتماعي والخبرات الحياتية المختلفة.
تأثيرات العزلة الاجتماعية
أولاً: على المستوى الفردي:
مما لا شك فيه أن غياب وضعف الروابط الاجتماعية، يؤدي إلى نتائج خطيرة، على المستويين النفسي والاجتماعي للأفراد، ومن أوائل من أشار لهذا كان فارش ودونهام في عام 1939م، حيث رجحوا أن فقد التواصل داخل المجتمعات يمكنه أن يؤدي لظهور بعض أعراض الشخصية الفصامية، وتتلخص هذه الآثار حسب دراسة دوركهايم 1951 في فقد المواءمة بين الفرد والمجتمع، مما يؤدي لغياب الضبط الاجتماعي القائم على القيم المجتمعية، ويؤدي هذا بدوره لفقد الثبات الاجتماعي والنفسي وما يتبع هذا من اضطرابات نفسية منها القلق والتوتر وسوء الأداء الوظيفي والاكتئاب الذي قد يدفع بالإنسان في النهاية للانتحار.
وتتابعت الدراسات للتعرف على آثار هذه العزلة على الإنسان حيث ركز كل من سلي 1956، وهنكل وولف 1957، وتبعهم هولمس وراي 1967، وكاسل 1974، وكوب 1976، وفيل وبومان 1992، على أن العزلة الاجتماعية تصنع تأثيراتها على الإنسان من خلال غياب الدعم الاجتماعي (Social support) الذي تقدمه الشبكات الاجتماعية المختلفة، وهذا الدعم الاجتماعي يمكننا تعريفه على أنه الدور الذي تقوم به العلاقات الاجتماعية المختلفة للحفاظ على -وتحسين- صحة الإنسان، ويمكننا أن نعتبره كعامل مضاد يعادل تأثيرات الضغوط المستمرة على صحة الإنسان النفسية والبدنية .
ومما لا شك فيه أن غياب العلاقات المجتمعية الحميمة يدفع أفراد المجتمع للهروب من مشاكلهم الحياتية المزمنة، وضغوط حياتهم، بوسائل متعددة؛ منها السقوط في مستنقع الإدمان أو الهروب في عالم الإنترنت الخيالي، والغوص فيه حتى الثمالة في علاقات تتميز بالسيولة وعدم الاستقرار.. علاقات متعددة وكثيرة وتشمل جميع أرجاء المعمورة، ولكنها تفتقد الدفء والحميمية.
ثانيًا: على المستوى الجماعي:
غياب التعاون بين أفراد الحي الواحد أدى بنا إلى ما نعاني منه من فوضى مجتمعية عارمة، حيث تحول اهتمام الفرد كاملاً إلى أسرته، وأصبحت حدود العالم بالنسبة للإنسان تنتهي عند حدود باب شقته، نجد الجمال والنظافة في الداخل والقبح والقذارة في الخارج، لا يطرف لنا جفن ونحن نشاهد أو نشارك في صنع التلوث البصري والسمعي والبيئي، ولا يعنينا الاهتمام بأمر الجيران ومشاكلهم... المهم فقط أن يتعامل كل منا مع مشاكله الخاصة ويسير أموره وأمور أسرته، وغاب عن وعينا وإدراكنا أهمية أن نتعاون سويًّا من أجل جلب مصلحة عامة أو درء مفسدة توشك أن تقتلعنا الواحد تلو الآخر من جذورنا... فشعار المرحلة "أنا ومن بعدي الطوفان".
من العزلة إلى المشاركة
ندرك جيدًا أن الماضي بكل ما فيه من ميزات وعيوب، عصر انتهى ولن يعود، وأن للحاضر سحره ورونقه، فلا يتصور أحد أننا ندعو النساء للعودة لغسل الأواني على شواطئ الترع، ولكننا نحتاج أن ندرك أهمية تنمية العلاقة مع جماعة الجيران من أجل تحقيق أهداف مشتركة، وهذا الإدراك يدعونا للبحث عن أطر جديدة قابلة للتطبيق وأشكال عصرية يتفاعل فيها الجيران بدون إهدار للوقت فيما لا يجدي ولا يعود بالنفع، مما يكفل حدوث الحراك المجتمعي نحو الأفضل ويتبع هذا تحقيق السواء النفسي والاجتماعي المنشود.
والسؤال الآن هو: كيف ومن أين نبدأ؟، البداية لا بد أن تكون بحركة مجموعة صغيرة، تحب المكان الذي تعيش فيه، وتتمنى أن تراه في وضع أفضل... هذه المجموعة تملك الرغبة في المشاركة وبذل الجهد مع امتلاك مهارات التواصل الاجتماعي، والقدرة على التخطيط السليم والتقييم المستمر، واتخاذ القرار الصائب كما يملك بعضهم مهارات القيادة.
وعلى هذه المجموعة أن تبدأ بالتعرف على المشاكل الموجودة في البيئة المحيطة، وهذه المشاكل يمكن أن تندرج تحت أحد البنود التالية: البيئة المحيطة بهوائها ومياهها وأرضها وجماليتها، احتياجات فردية ولكنها لشيوعها ترقى لمستوى الاحتياج العام، احتياج للدعم النفسي والاجتماعي، مناهضة من يسيئون إلى الحي وقاطنيه، تحقيق تنمية اقتصادية واجتماعية في جوانب معينة.
وبعد رصد الاحتياجات تأتي مرحلة تحديد أولويات العمل وذلك بناء على إلحاح الاحتياج وقابليته للتطبيق، ويفضل أن تكون البداية بمشاريع صغيرة قابلة للتطبيق بجهد بسيط (مثل تنظيف وتجميل الحي)؛ وذلك لأن الإنجاز يدفع دومًا لمزيد من الإنجاز ويشجع الآخرين للانضمام للحركة.
يتمثل دور المشاركين في هذا الحراك المجتمعي في توعية الناس بالمشكلات القائمة؛ لأن الإحساس بوجود المشكلات يعتبر من أهم المحددات التي تدفع الأفراد للمشاركة مع الحرص على ألا يتم تضخيم المشكلات بصورة مبالغ فيها، وبحيث لا يصل الناس لمرحلة اليأس من الفعل والقعود عن العمل لعدم جدواه (واندرسمان 1981).
نقاط مضيئة:
1 - حركات مراقبة الجيرة (Neighborhood watch): وهي حركات منتشرة في الكثير من الدول ومنها ألمانيا وإندونيسيا والفلبين وفيتنام، وتهتم هذه الحركات بكل من يقطنون في المنطقة المحيطة بهم.
2 - حركات ذات قواعد مجتمعية (community based movements): وتعمل هذه الحركات على التصدي والضغط من أجل منع الإنشاءات والطرق التي يتم التخطيط لها بدون مراعاة لمشاعر وظروف من يسكنون في أماكن مرور هذه الطرقات.
3 - جماعات الجيران المختلفة: للقيام ببعض المهام بدلاً من الحكومة، وبعض هذه الحركات تعمل في مجال التعليم أو التنمية الاقتصادية أو في بناء القيادات.
4 - مجموعات لتقديم الدعم للعائلات في الظروف المختلفة: ومنها مجموعات تختص بتقديم الدعم لكل أفراد العائلة ومساعدتهم في التغلب على المشكلات الاجتماعية أو الصحية أو الاقتصادية، وهناك مجموعات أخرى تختص بتقديم الدعم لفئات معينة داخل العائلة.. حيث تخصصت مجموعات لتقديم الدعم للوالدين أو للجدود أو للشباب المغترب بعيدًا عن عائلته أو للأطفال الذين فقدوا أحد الأحبة.
5 - حركات لمقاومة التسرب من الدراسات العليا.
6 - حركات تابعة للجامعات والمدارس وتهدف لاستغلال طاقات الطلبة في أنشطة وفعاليات تساهم في حل مشكلات البيئة المحيطة، ويتم تقييم أداء الطالب في هذه الأنشطة باعتبارها أنشطة موازية ومكملة للعملية التعليمية والتربوية؛ لأنها تساهم في صنع جيل قادر على الفعل والمشاركة.
والمؤكد أنه بإمكاننا أن نكون قادرين على الفعل لو امتلكنا الرغبة فيه، والأمثلة التالية تعتبر انتفاضات تدل على بقية من حياة في جسد مجتمعاتنا، ولكنها تحتاج للتطوير والبناء عليها، فشوارعنا تزدان بالأنوار والزينات لاستقبال رمضان، ولا أدري لماذا ينحسر هذا الاهتمام بتجميل أحيائنا في غير رمضان؟، ويذكر لنا التاريخ حركة نساء حي المعادي في الثمانينيات ضد جشع تجار اللحوم، وهناك الترابط الشديد الذي يسود بين سكان بعض العشوائيات المتجانسة (حي الزبالين كمثال)، ولكن هذا الترابط لا يتحول إلى فعل، ربما لأن السكان اعتادوا الحياة في هذه البيئات بمشاكلها، وهناك جموع الشباب من المتدينين الذين يمتلكون الطاقة والحماسة للفعل والبذل، ولكن جهدهم في المجال المجتمعي يحتاج للكثير من التطوير والترشيد.
أفكار قابلة للتطبيق:
مشكلة البطالة من أخطر المشكلات التي تواجهنا... فهل يمكن أن نواجهها ولو مواجهة مؤقتة بالحرص على تبادل الخدمات بين سكان الحي الواحد؟ وذلك من خلال حضانات الشقق وحضانات أسطح المنازل التي تستقبل أطفال الأمهات العاملات، ومن خلال زراعة أسطح المنازل بالخضراوات والمزارع السمكية وتربية الطيور التي يتم تسويقها لسكان الحي بأسعار مخفضة، وكذلك إعداد الأطعمة الجاهزة أو الأشغال اليدوية والإصلاحات المنزلية، على أن يشارك أهل الحي في تدريب ودعم العاطلين عن العمل في مقابل الحصول منهم على هذه الخدمات بأسعار مخفضة.
هذا الحراك المجتمعي على مستوى جماعات الجيران (وغيرها من الشبكات الاجتماعية) من أجل التنمية وتحسين الأحوال هو حجر الأساس لنهوض مجتمعاتنا، وبدونه لا أعتقد أنه يحق لنا أن نطلب مكانًا ومكانة بين الأمم.
أستاذة مساعدة في علم الأمراض بكلية طب القصر العيني، ومستشارة بالقسم الاجتماعي بشبكة "إسلام أون لاين.نت".
|