English

 

الأحد. مارس. 26, 2000

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

التيار الإسلامي في الفكر السياسي المصري

مشروع تيار الوسط

محمد سليم العوا

الدكتور محمد سليم العوا
د.محمد سليم العوا

  1. "في منتصف السبعينيات توسَّعت ظاهرة الإحياء الإسلامي (ضمن ظاهرة الإحياء الديني في العالم)، وتعاظم الانتماء العفوي للناس في صفوف التيار الإسلامي (بمختلف هيئاته ومؤسساته وجماعاته التي تنوَّعت وتعدَّدت، حتى باتت عصية على الحصر)، فتوفَّر رصيد هائل من العناصر الإسلامية النشطة، التحق قسم منها فيما بعد بالجماعات الحركية السياسية بمختلف اتجاهاتها، التي لم تتمكن ضمن ظروفها التاريخية (ومنها الإخوان) من تقديم رؤى فكرية تجعل من حركة الانتماء العفوي صحوة إسلامية مجددة لا تقتصر على أفكار واجتهادات السلف.

    فـ "الفكر المطروح كان "فكر أزمة" له ظروفه وملابساته ووسائله وأدواته.. ولعل معظم الإسهامات الفكرية أو الأدبيات الإسلامية للمشروع الإسلامي الحركي، يمكن تصنيفها في إطار الفكر الدفاعي الذي يعني من بعض الوجوه تحكُّم الأعداء الذين أصبحوا يحدِّدون ابتداءً خارطة اهتمامات العقل المسلم، وساحة نشاطه بما يلقون إليه من مشكلات واتهامات وقضايا، تجعل نشاطه مجرد ردود أفعال. يضاف إلى ذلك انشغال أصحاب المشروع الحركي بالمواجهة، وشؤون الضبط والربط والتنظيم على الطريقة الحزبية المعاصرة. الأمر الذي لم يدع فرصة كافية للتأمل والتنظير والتقويم والمراجعة، إلا من بعض المساهمات الفكرية التي لم تحقِّق القدر المطلوب، الأمر الذي جعل المشروع الحركي بحاجة إلى الأوعية والحلول والمعالجات الفكرية التي تهتم بالبناء أكثر من اهتمامها بالدفاع والتعبئة"[57].

  2. "وضمن هذا السياق التاريخي -اتساع عفوية الانتماء للإسلام والجماعات الحركية الإسلامية، وعجز هذه الجماعات عن التجديد-، واستجابة لهذا الواقع ظهرت رموز فكرية مجدِّدة على الساحة الإسلامية في كل البلاد العربية والإسلامية. لا يرتبط معظمها ارتباطًا تنظيميًا بالجماعات الحركية، وقيودها الفكرية، وسرعان ما توسَّعت جهودهم وتأثيراتهم لتشمل عدداً متزايدًا من الأكاديميين والباحثين، كما تأسَّست مجلات وتجمعات تعبر عن أطروحاتهم الجديدة، وطريقتهم في التفكير والتقويم، للفكر الإسلامي السائد"[58].

  3. في ظل هذه الأوضاع، وفي ظلال هذا الفكر نشأ -سياسيًا- جيل "مشروع حزب الوسط"، وتكوَّن فكره الخاص، الذي خالف فكر التنظيمات الإسلامية، التي اتخذت العنف طريقاً للتغيير السياسي، ثم فكر الإخوان المسلمين الذي انتقلت غالبية هؤلاء الشباب إلى صفوفهم بعد إخفاق تجربتهم مع الجماعات الأخرى.

  4. وقد تبلور فكر هذا الحزب- المشروع في برنامج حزب الوسط. فهو مشروع حضاري يقدِّم مرجعتيه للمسلمين والمسيحيين معًا؛ فهي بالنسبة للمسلمين "مرجعية دينهم الذي به يحيون وعليه يموتون ويبعثون"، وهي بالنسبة لغير المسلمين "مرجعية الحضارة التي تميَّزت بها بلادهم، وفي ظلالها أبدع مفكروهم وعلماؤهم وفنانوهم، وبلغتهم نطق وعاظهم وقديسوهم.. وهم فيها صناع أصلاء، وفي ظلال غيرها من الحضارات أتباع أو دخلاء". ولذلك لم يرد في برنامج الحزب ذكر لأهل الكتاب باعتبارهم جماعة يجب الحفاظ على حقوقها، بل هم شركاء متساوون ينتمون إلى المرجعية نفسها، والحضارة ذاتها.

  5. ومشروع الحزب يعالج "حقوق الناس" في مقابلة "حقوق الإنسان"، لأن "حقوق الناس" يراد بها "تأسيس الحقوق الكلية لمجموع المواطنين يتمتَّع بها الجَمْعُ والأفراد منهم، ويدافع عنها الكل للكل في تأسيسها وإقرارها"[59].

  6. وقد أحدثت محاولة تأسيس حزب الوسط شرخًا في العلاقة بين مؤسسيه وبين جماعة الإخوان المسلمين، ليس هنا مكان تفصيل أسبابه ونتائجه، ولكنها في الوقت نفسه استدعت تأييد عدد من رموز الفكر الإسلامي والحركة الإسلامية، فكتب العلامة المجدِّد الدكتور يوسف القرضاوي يقول: "إنه رحَّب بفكرة حزب الوسط، ويعتبرها حركة طيبة، ولعلها تكون فرصة للخروج من العزلة المفروضة على الحركة الإسلامية". وقال أيضًا: "أخشى على الحركة الإسلامية أن تضيق بالمفكرين الأحرار من أبنائها، وأن تغلق النوافذ في وجه التجديد والاجتهاد، وتقف عند لون واحد من التفكير لا تقبل وجهة نظر أخرى، تحمل رأيًا مخالفًا في ترتيب الأهداف أو في تحديد الوسائل" وقال عنهم د. توفيق الشاوي: "إن ما ذكره الدكتور القرضاوي من أسباب تبرِّر تأييده للمؤسسين يشاركه فيها كثيرون من ذوي الفكر والرأي الذي عرفتهم"[60].

    ولم يكن رد فعل الحكومة بأقل حدة من رد فعل الإخوان المسلمين، فقد قبض على ثلاثة عشر رجلاً، من بينهم وكيل المؤسسين نفسه، واتهموا بأنهم حاولوا "التحايل على الشرعية بتأسيس حزب سياسي"!! واستفزت هذه التهمة -التي ليس لها سابقة في التاريخ- بعض الكتاب، فقال: "إنها تهمة لا توجد في القانون المصري، ولا في أي قانون لبلد شمَّ رائحة الحضارة"، وقد أمسى الوسط "الحزب" "سجينًا في أشخاص هؤلاء الأبرياء من المواطنين الشرفاء الذين صدَّقوا أن من حقهم طلب تشكيل حزب سياسي، فاتبعوا القانون القائم رقم 40 لسنة 1977 بشأن الأحزاب السياسية، وتقدَّموا بطلب لتأسيس حزب الوسط، فانتهوا سجناء بتهمة جوهرها تصديق دعوى الديمقراطية. أما "الوسط" التيار الفكري، والاعتدال السياسي، والاعتراف بحق الآخر في الوجود، وبعطائه للشعب في الحاضر والماضي، والتعاون معه من أجل عطاء متجدِّد في المستقبل. الوسط الذي يمثل جمهرة المصريين من الرجال والنساء البسطاء. وهم في الغالب فقراء، لكنهم دائمًا صادقون ومخلصون ومتدينون وشرفاء. ضد التبعية والتغريب، ومع الشعب العربي في كل أرض ضد عدوه من كل لون، ومع المقهورين المسلمين والمسيحيين ضد الطغاة الظالمين.. بقلبه وعقله وشعوره، إن لم يستطع -من شدة الخوف- أن يفعل ذلك بيده أو بقلمه أو بلسانه.. هذا الوسط باقٍ.. لا يسجن، ولا يوأد ولا يفنى حتى يرث الله الأرض ومن عليها.. لأنه من جذور الأصول جاء.. وهي مهما طال بها ليل الابتلاء لا تحوَّل إلى عدم، ولا تكف عن الإنبات حتى يقف الليل والنهار عن التوالي والتكرار، فليكن شعار اليوم والغد: (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِل لَّهُمْ)[61].

    ومن العلم أن لجنة شؤون الأحزاب لم توافق على تأسيس حزب الوسط، ولم يكن حظ الحزب أحسن حالاً أمام المحكمة المسمّاة "محكمة الأحزاب السياسية" في مجلس الدولة. وحاول المؤسسون -مرة ثانية- عادوا منها كما عادوا من المحاولة الأولى بغير طائل، وهم لا يزالون حتى اليوم يبحثون عن طريق يحصلون به على الشرعية القانونية بعد أن أعلنوا مراراً أن خيارهم هو: العمل العلني في ظل القانون مهما كان جائرًا، أو ضيَّق الصدر بالعمل الإسلامي، أو مقيِّداً للنشاط السياسي. وهو اختيار صحيح مهما خالفه بعض أهل الرأي فقد وافقه آخرون، ولو لم يكن له من أثر إلا تحريك المياه الآسنة في الحياة السياسية المصرية، وتشجيع تيارات العنف السياسي على الإعلان عن نبذها إياه، ومحاولتها تشكيل أحزاب سياسية، لكفى بذلك نجاحًا

تابع في البحث:


مفكر إسلامي وخبير قانوني.  

[57] طلعت رميح، الوسط والإخوان، مركز يافا للدراسات والنشر، 1997، ص 181.

[58] المصدر نفسه، ص 182.

[59] دكتور رفيق حبيب، أوراق حزب الوسط، القاهرة 1996، ومقاله في الشعب في 31/5/1996 بعنوان ملاحظات تفصيلية على قرار لجنة الأحزاب برفض حزب الوسط.

[60] طلعت رميح، المصدر السابق، ص 189..

[61] محمد سليم العوا، صحيفة الشعب في 6/4/1996..

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم