-
حسن العشماوي أحد الرموز البارزة في الحركة الإسلامية المعاصرة كان عضوًا مرموقًا في تنظيم الإخوان المسلمين، وقام بدور خاص جدًا في العلاقة بين الإخوان المسلمين والضباط الأحرار، في أثناء التحضير للثورة وفي سنتيها الأوليين، إلى أن اختفى في صعيد مصر ثلاث سنين عقب حادثة المنشية، ثم هاجر من مصر، وبقي يعيش في مهجره إلى أن توفي في الكويت في 2 فبراير 1972.
ومساهمة حسن العشماوي في الفكر السياسي نجدها بصفة أساسية في بحثه "الفرد العربي ومشكلة الحكم".
-
في هذا البحث يقول حسن العشماوي: إن نظرته "إلى مشكلة الحكم تقوم على ركيزتين رئيسيتين متكاملتين متجاوبتين: التسليم بالوجود الإلهي، والإيمان بالحرية الفردية، الحرية الفردية التي عليها أن تثبت وجودها أمام تحديات الغيب والحاضر معًا.. الحرية الفردية التي ترعى ذاتها بمقدار ما ترعى غيرها، وإلا اصطدمت بالوجود الإلهي" [52].
-
والحركة الإسلامية لا تدعو -عند حسن العشماوي- إلى إقامة حكومة دينية، ومفكروها لا يمكن أن يفهم حديثهم عن "الحكومة الإسلامية" ولا عن أن الإسلام "دين ودولة" على أنهم يريدون إقامة حكومة دينية. لقد جرَّبت الأرض الحكومة الدينية أكثر من مرة، جرَّبتها على يد كهنة الإلهة المتعددين في أكثر من مكان، فكانت المآسي في الحكم باسم الآلهة. وجرَّبتها على يد أحبار اليهود الذين أباحوا -باسم السماء- قتل زكريا ويحيى، وحكموا بإعدام المسيح، وجرَّبتها على يد الكنسية والملوك والقياصرة أصحاب الحق الإلهي، فرأت محاكم التفتيش وإحراق القديسين والعلماء والمجدِّدين في المذهب، ورأت شهداء المسيحية الأصلية في مصر تقتلهم الواسطة الرومانية التي ادَّعت أنها تحكم باسم السماء.. وجرَّبتها أمة المسلمين مع من ظنوا أن الخلافة ظل الله في الأرض، وأن قولها هو قول السماء، فرأت مبكرًا محنة مالك وابن حنبل، ثم رأت حبس أو قتل كل من اجتهد ليواجه أحداث العصر أو سطوة الحكم، ثم رأت اضطهاد كل مجدد -أخطأ أو أصاب- يريد أن يرجع إلى أصل الدين لا شكله وقشوره"… "هذا لا نريده أبدًا.. وبُعدًا لولاء الفرد لحكومة تكون واسطة بين السماء والأرض" [53].
-
وعن فكر "الحاكمية" يقول حسن العشماوي: "ويقال: بالدين تتحقَّق حاكمية الله في الأرض.. فهل دلونا ما المقصود بحاكمية الله في الأرض؟" ويتحدث عن النواميس والسنن الطبيعية، ثم يقول: "هل أراد الله أن تحكم الأرض على شكل معيَّن؟ هل رسم لها صورة للحكم؟ لا.. أقولها بكل ثقة، وأتحدى من يقول غير هذا أن يأتيني بدليل". "إن حاكمية الله في الأرض، بمعنى سيادة نواميسه قائمة بحكومة دينية أو غير دينية.. وبغير حكومة على الإطلاق. أما حاكمية الله في الأرض على النحو الذي يرفعونه شعارًا للحكم، فلا يعني إلا أحد أمرين: إما حكومة دينية متسلِّطة، قد تعدل إذا صادف العدل طبيعة أفرادها أو هواهم، وقد تظلم إن شاءت، ولا اعتراض عليها، لأنها حكم الله في الأرض. وإما فوضى، كل فئة ترى نفسها قيّمة على حكم الله في الصغيرة والكبيرة، فتسعى إلى تنفيذه، فتتفرق الجماعة، ويقتل بعضنا بعضاً" [54].
-
ويرفض حسن العشماوي الحكومة المنكرة كما يرفض الحكومة الدينية سواء بسواء، ثم يعرض تصوُّره للحكومة الإسلامية، التي تسعى إليها الحركة الإسلامية، فيصفها بأنها "تسعى لحكومة مسلمة تؤمن بالله واليوم الآخر، تطبِّق قوانين المسلمين التي تنبع عن الشريعة الإسلامية وتتطوَّر لمواجهة متطلبات العصور المتطورة".. أما التطبيق فهو -عند حسن العشماوي- "يحتمل أكثر من حل للمشكلة الواحدة بحيث يكون للأمة -بل للأمم- أن تختار حسب ظروفها ما يناسبها من حلول" و"الحركة الإسلامية ليست نظرية يعتنقها البعض تفرض حتمية معيَّنة تشبه حتمية الماديين.. ولكنها حركة تجاهد لتطبيق جوهر فهم السلف".. "والسلفية لا تعني تقليد السلف فيما فعلوا، ولكنها تعني اعتناق مفهوم السلف الذي دعاهم إلى فعل ما فعلوا" [55].
-
ويدعو حسن العشماوي إلى حرية تعدُّد الأحزاب: "الأصل العام في الحرية.. أن نقبل علانية التجمع السياسي على رأي … وعلانية الدعوة له.. والأمر المرفوض كلية هو أن تلزم الأمة بحزب واحد، يحكمها وفق مبدأ جامد -دينيا كان هذا المبدأ أو منكرًا-، فلا يسمح لغير أعضائه أن يتولى فيها أمرًا. إن الحزب الذي يقبل لذاته الوجود في بلد من البلاد، يجب أن يسلِّم لغيره بالوجود، وإلا أوجد لنا طبقة جديدة ممتازة، تحكم الناس باسم الحزب.. فينحدر بنا في رجعية دينية أو ملحدة، ترفضها الأمة العربية، وتأبى قيامها" [56].
-
وهكذا يقدم حسن العشماوي تفرقة جريئة -بالمعايير التي يقاس بها تطوُّر الفكر السياسي الإسلامي- بين الإلهي والبشري. فالإلهي هو النواميس الكونية وأحكام الشريعة. والبشري هو التطبيق، والاختيار من بين الحلول المتعددة التي تتيحها الثوابت الدينية. والحاكمية لله لا تعني سوى سيادة نواميسه، وهي قائمة على كل حال، أما الحكم فهو شأن من شؤون الناس تقيدهم فيه الشريعة الموحاة، ثم يختارون لأنفسهم من النظم والأشخاص ما يشاءون.
ويضيف الدكتور توفيق الشاوي -أحد أعلام الحركة الإسلامية الفكرية والسياسية في هذا العصر- تفصيلات عديدة عن مبدأ الشورى ونظام الحكومة، أهمها في هذا المقام دعوته إلى فصل الإمامة الدينية التي يتولاها الفقهاء المجتهدون عن الإمامة السياسية التي يتولاها الحكام المنتخبون. وكتابه "فقه الشورى والاستشارة" مليء بالآراء الدقيقة التفصيلية في الفكر السياسي، وفي نظام الحكم على السواء، وكلها تتصل من قريب أو بعيد بفكرته الأساسية القائمة على إبعاد رجال السياسة عن شؤون الشريعة والتشريع لإبقاء ذلك لرجال الفقه المجتهدين