English

 

الأحد. مارس. 26, 2000

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

التيار الإسلامي في الفكر السياسي المصري

جمال الدين الأفغاني - المؤسس

محمد سليم العوا

جمال الدين الأفغاني
جمال الدين الأفغاني

دخل جمال الدين الأفغاني مصر مرتين؛ أولاهما: كانت سنة 1869م (1286هـ) ولم يمكث في مصر في تلك المرة سوى أربعين يومًا، توجه بعدها إلى الأستانة، والثانية: كانت عام 1871م (1288هـ) واستمرت إقامته في مصر هذه المرة ثماني سنوات ولم يخرج منها إلا مُكرهًا سنة 1879م حيث نفي بسعاية من الإنجليز إلى الهند، وهناك اعتقل في حيدر آباد ثم كلكتة، ثم سمح له بمغادرة الهند بعد قمع الثورة العرابية واحتلال الإنجليز عسكريًا لمصر[9].

  1. وقد وصف "محمد عبده" أثر جمال الدين الأفغاني في مصر فقال: "جاء إلى هذه الديار في سنة 1286هـ رجل غريب، بصير بالدين، عارف بأحوال الأمم، واسع الاطلاع، جمُّ المعارف، جريء القلب، وهو المعروف بالسيد "جمال الدين الأفغاني"… وهو في جميع أوقات اجتماعه مع الناس لا يسأم الكلام فيما ينير العقل، أو يطهر العقيدة، أو يذهب بالنفس إلى معالي الأمور، أو يستلفت الفكر إلى النظر في الشؤون العامة مما يمس مصلحة البلاد وسكانها. وكان طلبة العلم ينتقلون بما يكتسبونه من تلك المعارف إلى بلادهم أيام البطالة (الإجازة الدراسية)، والزائرون يذهبون بما ينالونه إلى أحبائهم، فاستيقظت مشاعر وانتبهت عقول، وخف حجاب الغفلة في أطراف متعددة من البلاد خصوصًا في القاهرة"[10].

  2. يقول الأستاذ "أحمد أمين" عن جمال الدين الأفغاني: "ولقد طوَّف في فارس والهند والحجاز والأستانة، وأقام فيها، ولكن لعل أخصب زمنه، وأنفع أيامه، وأصلح غرسه: ما كان في مصر مدة إقامته بها من أول محرم سنة 1288هـ إلى سنـة 1296هـ. ثماني سنين كانت من خير السنين بركة على مصر وعلى الشرق.. لأنه فيها كان يدفن في الأرض بذورًا تتهيأ في الخفاء للنماء، وتستعد للظهور ثم الإزهار، فما أتى بعدها من تعشق للحرية وجهاد في سبيلها فهذا أصلها، وإن وجدت بجانبها عوامل أخرى ساعدت عليها وزادت في نموها..لقد جرَّب السيد أن يبذر بذورًا في فارس والأستانة فلم تنبت، ثم جرَّبها في مصر فأنبتت"[11].

  3. وكانت لجمال الدين الأفغاني قدرة تامة على كسب الأنصار وجمع المريدين من النابهين والأذكياء حوله: فمحمود سامي البارودي وأحمد عرابي وعبد الله النديم ومصطفي كامل ومحمد عبده وسعد زغلول وإبراهيم الهلباوي وأحمد لطفي السيد وقاسم أمين وإبراهيم اللقاني وعشرات غيرهم كانوا من تلامذته المباشرين، أو أخذوا عنه بطريق غير مباشر[12].

  4. ويقوم المشروع الفكري والإصلاحي لجمال الدين الأفغاني على أربعة أركان؛ أولها: الالتزام بمبادئ الإسلام والاقتداء بسلف الأمة، والثاني: تحرير الأمة من الاستبداد الداخلي والخارجي، والثالث: توحيد الأمة في جامعة إسلامية، والرابع: الأخذ بأسباب القوة من العلوم والنظم الغربية[13].

  5. ومن الكلمات التي تصوِّر منهج جمال الدين الأفغاني قوله: "إن الممالك الإسلامية هذه إنما هي من الانحطاط والهوان بحيث لا تستطيع أن تكون قوَّامة على شؤون نفسها بنفسها، في حين أن تلك الدول (يقصد الدول الأوربية المستعمرة) عينها لا تكف عن التذرع بألوف الذرائع، حتى بالحرب والحديد والنار، للقضاء على كل حركة من حركات الإصلاح والنهضة في البلاد الإسلامية، ومن ثَم يجب على العالم الإسلامي أن يتحد في حلف دفاعي كبير ليستطيع بذلك أن يصون نفسه من الفناء، وللوصول إلى هذه الغاية يجب عليه أن يأخذ بأسباب التقدم في الغرب، وأن يكتنه أسرار تفوقه وقدرته".

  6. وكانت التعاليم الثورية لجمال الدين تدعو إلى التحرر من المستعمر أو المسيطر الأجنبي، وتدعو إلى التخلص من ظلم الحكم المحلي معًا، فهو يخطب في الإسكندرية فيقول: "أنت أيها الفلاح المسكين تشق قلب  الأرض لتنبت ما تسد به الرمق، وتقوم بأود العيال، فلماذا لا تشق قلب ظالمك؟! لماذا لا تشق قلب الذين يأكلون ثمرة أتعابك؟!". وهو يقول: "لن تنبعث شرارة الإصلاح في وسط هذا الظلام الحالك إلا إذا تعلَّم الشعب، وعرف حقوقه ودافع عنها، ومتى عرف الشعب هذه الحقوق وجد نفسه مضطرًا إلى المطالبة بها والمحافظة عليها إذا نالها".

  7. وحين استقبله الخديوي توفيق وقال له: "إن دروسكم وأقوالكم المهيجة ستؤدي بالشعب والبلاد إلى التهلكة". رد عليه جمال الدين قائلاً: "ليسمح لي سمو أمير البلاد أن أقول بحرية وإخلاص: إن الشعب المصري كسائر شعوب العالم لا يخلو من وجود الخامل والجاهل بين أفراده، لكن هذا لا يمنع من وجود العالم والعاقل أيضًا، فبالمنظار الذي تنظرون به إلى الشعب المصري ينظر به إلى سموكم. وإذا قبلتم نصحي وأسرعتم لإشراك الأمة في حكم البلاد، فتأمرون بإجراء انتخاب نواب عن الأمة، تسن القوانين فإن ذلك أثبت لعرشكم وأدوم لسلطانكم". وكان جمال الدين يرى أن الحاكم العادل "إما أن يكون موجودًا أو تأتي به الأمة فتملكه على شرط الأمانة والخضوع لقانونها الأساسي.. وتؤكد للحاكم أن التاج سيبقى في رأسه ما دام محافظًا أمينًا على صون الدستور، أما إذا حنث بقسمه وخان دستور الأمة، فإما أن يبقى رأسه بلا تاج أو تاجه بلا رأس!"[14].

  8. ولم يقف الأفغاني -في بذر البذور التحررية- عند مقاومة الاستبداد الداخلي والسيطرة الأجنبية، ولكنه بدأ -في الوقت نفسه- مقاومة الجمود الفقهي: "ما معنى أن باب الاجتهاد مسدود؟! وبأي نص سُدَّ؟! وأي إمام قال: لا يصح لمن بعدي أن يجتهد ليتفقه في الدين، ويهتدي بهدي القرآن وصحيح الحديث؟! والاستنتاج والقياس على ما ينطبق على العلوم العصرية، وحاجات الزمان وأحكامه؟!"[15]. وهو يصف سبيل الخروج من حال التبعية والسيطرة الأجنبية على الأمة الإسلامية فيقول: "إن علاجها الناجح إنما يكون برجوعها إلى قواعد دينها، والأخذ بأحكامه على ما كان في بدايته، وإرشاد العامة بمواعظه الوافية بتطهير القلوب وتهذيب الأخلاق.. إن الأصول الدينية الحقة المبرَّأة عن محدثات البدع تنشئ للأمم قوة الاتحاد، وتبعثها على اقتناء الفضائل وتوسيع دائرة المعارف، وتنتهي بها إلى أقصى غاية في المدنية"[16].

  9. وهكذا أسَّس جمال الدين الأفغاني -في الفكر السياسي الإسلامي المصري- لفكرتي الإسلام المجاهد ضد الطغيان الداخلي والخارجي، والإسلام المتحرر من قيود التقليد، المنطلق في رحاب حرية الفكر وسعة الاجتهاد. وهي البذور التي أنبتت فيما بعد ألوانًا مختلفة من النبات والثمر فَضَّل الناس بعضها على بعض في الأكل، وأخذت الأفهام منها -على اختلافها- على قدر القرائح والعقول، واتخذت الأحزاب والجماعات والأفراد من نتاجها سكَرًا ورزقًا حسنًا؛ إذ كل ميسر لما خلق له.

تابع في البحث:


مفكر إسلامي وخبير قانوني.  

[9] دكتور على عبد الحليم محمود، جمال الدين الأفغاني والاتجاهات الإسلامية في أدبه، دار عكاظ جدة 1980 ص 35 و197..

[10] محمد عبده، أسباب الحوادث العربية، نقلاً عن تاريخ الأستاذ الإمام لمحمد رشيد رضا، ج 1 ص 35-38. والنص نفسه في الأعمال الكاملة لمحمد عبده، تحقيق محمد عمارة، ج 1 ص 529 من طبعة دار الشروق، 1993.

[11] أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث، مكتبة النهضة المصرية، 1970 ص 68."

[12] دكتور على الحليم محمود، المصدر السابق، ص 216- 217.

[13] دكتور عبد المجيد النجار، المصدر السابق، ص88.

[14] دكتور على عبد الحليم محمود، المصدر السابق، ص 220-224.

[15] أحمد أمين، المصدر السابق، ص 120.

[16] العروة الوثقى، 21-22 نقلاً عن عبد المجيد النجار ص 111.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم