|
| أ.د. عبد الفتاح إدريس أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة |
يقصد به: التأمين الذي يلتزم المؤمن له فيه بدفع أقساط محددة إلى المؤمن، الذي يكون شركة مكونة من مساهمين آخرين غير المؤمن لهم، والغرض من إنشائها تحقيق الربح الذي يستفيد منه المساهمون فقط.
والتأمين التجاري يتنوع إلى نوعين: الأول: التأمين من المخاطر التي تؤثر في ذمة المؤمن له، بغرض تعويضه عن الخسائر التي تلحقه بسبب الحوادث المختلفة، والثاني: تأمين الأشخاص الذي تدفع بمقتضاه شركة التأمين مبلغا من المال للمستفيد به حال وقوع خطر للإنسان في وجوده أو سلامته.
وقد اختلف العلماء في حكم التأمين التجاري بجميع أنواعه، فمنهم من قال بحرمته، ومنهم من قال بمشروعيته، وقد قرر مجلس مجمع الفقه الإسلامي في دورته الأولى المنعقدة في العاشر من شعبان 1398هـ بمكة المكرمة، بناء على آراء جمهرة المجتمعين، تحريم التأمين التجاري بأنواعه، سواء كان على النفس أو البضائع أو غيرها، وذلك بعد اطلاعه على كثير مما كتبه العلماء في ذلك، وبعد اطلاعه على ما قرره مجلس هيئة كبار العلماء في المملكة العربية السعودية بقراره رقم (55) في 4/4/1397هـ من تحريم التأمين التجاري بأنواعه المختلفة.
وقد استدل المحرمون والمبيحون لهذا النوع من التأمين بأدلة منها ما يلي:
أدلة المحرمين للتأمين التجاري
-
عقد التأمين التجاري من عقود المعاوضات المالية الاحتمالية المشتملة على الغرر الفاحش؛ لأن المستأمن لا يستطيع أن يحدد وقت العقد مقدار ما يعطي أو يأخذ، فقد يدفع قسطا أو قسطين ثم تقع الكارثة التي من أجلها كان التأمين، فيستحق ما التزم به المؤمن، وقد لا تقع الكارثة أصلا فيدفع جميع الأقساط ولا يأخذ شيئا، ولا يستطيع المؤمن كذلك أن يحدد ما يعطي وما يأخذ بالنسبة لكل عقد بمفرده، وقد روي عن أبي هريرة رضي الله عنه "أن رسول الله صلي الله عليه وسلم نهى عن بيع الغرر"، والنهي هنا يفيد تحريم المنهي عنه، وهو كل ما اشتمل على غرر من عقود المعاوضات، ومنها عقد التأمين التجاري المشتمل على ذلك.
-
التأمين التجاري ضرب من ضروب المقامرة، لما فيه من المخاطرة في المعاوضات المالية، ومن الغرم بلا جناية أو تسبب فيها، ومن الغنم بلا مقابل أو بمقابل غير مكافئ، فإن المؤمن له قد يدفع قسطا من التأمين ثم يقع الحادث، فيغرم المؤمن كل مبلغ التأمين، وقد لا يقع الخطر فيغنم المؤمن أقساط التأمين بلا مقابل، وإذا استحكمت فيه الجهالة كان قمارا، ودخل في عموم النهي عن الميسر في قوله تعالي: "إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون"؛ إذ الأمر باجتناب الميسر نهي عن قربانه.
-
هذا النوع من التأمين يشتمل على ربا الفضل وربا النسيئة، فإن شركة التأمين إذا دفعت للمستأمن أو لورثته أو للمستفيد أكثر مما دفعه من النقود لها فهو ربا الفضل، والمؤمن يدفع ذلك للمؤمن له بعد مدة، فيكون ربا نسيئة كذلك، وإذا دفعت الشركة مثل ما دفعه لها فإنه يكون ربا نسيئة فقط، وكلا النوعين محرم بالنصوص التي منها: ما روي عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لا تبيعوا الذهب بالذهب إلا مثلا بمثل، ولا تشفوا بعضها على بعض.. ولا تبيعوا منها غائبا بناجز"، فقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربا الفضل بقوله في هذا الحديث: "لا تشفوا بعضها على بعض"، ونهى عن ربا النسيئة بقوله فيه: "ولا تبيعوا منها غائبا بناجز".
-
عقد التأمين التجاري من الرهان المحرم، لما فيه من الجهالة والغرر والمقامرة، ولم يبح الشارع من الرهان إلا ما فيه نصرة للإسلام، وقد حصر النبي صلى الله عليه وسلم رخصة الرهان بعوض في ثلاثة، هي: الخف والحافر والنصل، ذلك ما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا سبق إلا في خف أو حافر أو نصل"، وليس التأمين من ذلك ولا شبيها به فكان محرما.
-
هذا النوع من التأمين فيه أخذ مال الغير بلا مقابل، وأخذه بلا مقابل في عقود المعاوضات المالية محرم؛ لدخوله في عموم النهي في قوله تعالي: "لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن تراض منكم".
-
يترتب على هذا النوع من التأمين الإلزام بما لا يلزم شرعا؛ إذ المؤمن لم يحدث منه خطر ولم يتسبب في حدوثه، وإنما نشأ الالتزام بالتأمين من مجرد التعاقد مع المؤمن له، على ضمان الخطر على تقدير وقوعه، مقابل مبلغ يدفعه المؤمن له، والمؤمن لم يبذل عملا للمؤمن له، فكان محرما.
أدلة المبيحين للتأمين التجاري
-
إن هذا النوع من التأمين هو تعامل لم يرد بخصوصه نهي صريح من أي من مصادر الشريعة، ولم يوجد ما يمنع من جوازه في ذاته، والأصل في العقود الإباحة إلا إذا وجد مانع، وليس في عقد التأمين التجاري مخالفة لنظام التعاقد الشرعي وقواعده العامة.
أجيب عن هذا الدليل:
إن الإباحة الأصلية لا تصلح دليلا هنا؛ لأن عقود التأمين التجاري قد قامت الأدلة على مناقضتها لأدلة الكتاب والسنة، والعمل بالإباحة الأصلية مشروط بعدم الناقل عنها إلى غيرها، وقد وجد هذا الناقل، فبطل الاستدلال بالإباحة الأصلية.
-
إن هذا التأمين قد جرى عليه عرف الناس، ووقع في العلاقات والمعاهدات الدولية في الإسلام، عقود صلح يتحقق بها الأمن لبعض الفئات لقاء مال معلوم يدفع حسب الاتفاق، ومن ذلك الصلح نظير الجزية، ومحل العقد هنا هو قيام الدولة بحماية الذمي نفسا ومالا، ومنع كل اعتداء عليه.
أجيب عن هذا الدليل :
إن الاستدلال بالعرف لا يفيد في هذه لمسألة؛ إذ العرف ليس من أدلة تشريع الأحكام، وإنما يبنى عليه في تطبيق الأحكام وفهم المراد من ألفاظ النصوص، ومن عبارات الناس في أيمانهم وتداعيهم وإخبارهم، وسائر ما يحتاج إلى تجديد المقصود منه من الأفعال والأقوال، فلا تأثير للعرف فيما تبين أمره وتعين المقصود منه، وقد دلت الأدلة على منع التأمين، فلا اعتبار به معها.
-
إن هذا النوع من التأمين فيه مصلحة، والمصلحة أصل فقهي قائم بذاته، بل إن عقد التأمين التجاري صار ضرورة اقتصادية، فالبيوت المالية لا ترسل بضائعها إلا على سفن مؤمن عليها، وتشترط التأمين على البضائع، وأصبح هذا العقد إجباريا في بعض الحالات، كرخص السيارات التي لا تمنح إلا إذا كانت السيارة مؤمنا عليها؛ فنظام التأمين نظام اقتصادي أدت إليه مصالح التجارة ودرء نتائج أخطار النقل قبل كل شيء، ثم عم وصار نظاما اقتصاديا تعاونيا عاما.
أجيب عن هذا الدليل:
إن الاستدلال بالاستصلاح غير صحيح، فإن المصالح في الشريعة الإسلامية ثلاثة أقسام: قسم شهد الشرع باعتباره فهو حجة، وقسم سكت عنه الشرع فلم يشهد له بإلغاء ولا اعتبار فهو مصلحة مرسلة، وهذا محل اجتهاد المجتهدين، والقسم الثالث: ما شهد الشرع بإلغائه، وعقود التأمين التجاري فيها جهالة وغرر وقمار وربا، فكانت مما شهدت الشريعة بإلغائه، لغلبة جانب المفسدة فيه على جانب المصلحة.
-
إن نظام التقاعد والمعاشات المعمول به الآن في كثير من البلاد الإسلامية، هو نظام تأمين واضح كل الوضوح؛ فالدولة تأخذ جزءا من أجر العامل في مقابل وعد، أن تعطيه نظيره مبلغا من المال حسب المدة التي يقضيها في العمل، ويدفع هذا المبلغ إلى العامل إذا كان حيا أو إلى من يعينهم من ورثته إن مات، وينتقل هذا المال إلى ورثته إن مات صاحب المعاش بعد استحقاقه له، وهذا الأمر فيه من الغرر والجهالة ما يفوق تلك التي يشتمل عليها عقد التأمين على الحياة؛ إذ العامل لا يدري كم يستمر في دفع أقساط المعاش، وكم يبلغ مجموعها عند التعاقد، ومع هذا فهذا النظام يقره فقهاء الشريعة في عصرنا.
أجيب عن هذا الوجه:
إن قياس عقود التأمين التجاري على نظام التعاقد قياس مع الفارق؛ لأن ما يعطى عند التعاقد حق التزم به ولي الأمر باعتباره مسئولا عن رعيته، وراعى في صرفه ما قام به العامل من خدمة الأمة، ووضع له نظاما راعى فيه مصلحة أقرب الناس إلى الموظف، ونظر إلى مظنة الحاجة فيهم، فليس نظام التقاعد من باب المعاوضات المالية بين الدولة وموظفيها، ولهذا فلا شبه بينه وبين التأمين التجاري الذي هو من عقود المعاوضات المالية، التي يقصد بها استغلال الشركاء للمؤمن لهم، والكسب من ورائهم بطرق غير مشروعة؛ لأن ما يعطى في حالة التقاعد حق التزمت به حكومات مسئولة عن رعيتها، وتصرفه لمن قام بخدمة الأمة مكافأة له وتعاونا معه جزاء تعاونه ببدنه وفكره، وقطع الكثير من فراغه في سبيل النهوض معها بالأمة.
-
هذا النوع من التأمين له شبه بنظام العاقلة في الإسلام، الذي قررته السنة الصحيحة؛ إذ تتحمل العاقلة عن الجاني دية جنايته في حالات خاصة، وهي عادة حسنة تعاونية أقر الإسلام نظامها، وجعله إلزاميا في جناية القتل غير العمد، وهذا هو ما يحدث في حال قيام شركة التأمين التجاري بتحمل الأضرار والمغارم عن المؤمن له، فيكون هذا النوع من التأمين مشروعا قياسا على نظام العاقلة.
أجيب عن هذا الوجه:
إن قياس هذا النوع من التأمين على نظام العاقلة قياس غير صحيح؛ لأن ثمة فروقا بينهما، ومن هذه الفروق أن الأصل في تحمل العاقلة لديه الخطأ وشبه العمد، ما بينها وبين القاتل في الحالين من الرحم والقرابة، التي تدعو إلى النصرة والتواصل والتعاون وإسداء المعروف ولو بدون مقابل، وعقود التأمين تجارية استغلالية، تقوم على معاوضات مالية محضة لا تمت إلى عاطفة الإحسان وبواعث المعروف بصله.
-
إن التأمين التجاري شبيه بعقد الموالاة الذي أجازه كثير من فقهاء الصحابة: ومنهم عمر وابن عباس وابن مسعود وابن عمر، وأجازه كذلك الحنفية، وعقد الموالاة يكون بين اثنين يقول أحدهما فيه للآخر: واليتك على أني إن مت فميراثي لك، وإن جنيت فعقلي عليك وعلي عاقلتك، فعقد الموالاة من هذه الناحية يعد صورة من صور عقد التأمين، فطرفا العقد فيهما شخص يتحمل مسئولية ما يحدث من الطرف الآخر، الذي تعهد بأن يقابل هذا التحمل بإعطائه حق ميراثه، والتأمين التجاري شبيه بذلك.
أجيب عن هذا الوجه:
إن قياس عقد التأمين على ولاء الموالاة عند من يقول به قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما: أن عقود التأمين هدفها الربح المادي المشوب بالغرر والقمار والجهالة الفاحشة، بخلاف عقد الموالاة، فالقصد الأول فيه هو التآخي والتناصر، والتعاون في الشدة والرخاء وسائر الأحوال، وما يكون من كسب مادي فالقصد إليه بالتبع.
-
إن عقد التأمين التجاري شبيه بالوعد الملزم عند من يقول به من المالكية، وذلك لأن من المالكية من يرى أن الوعد ملزم للواعد، وأنه يقضي عليه بالعدة إذا ذكر لها سبب، فمن وعد غيره عدة بقرض، أو بتحمل وديعة عنه أو إعارة، أو نحوها مما ليس بواجب عليه في الأصل، فإن الوعد يصبح ملزما له ويقضى عليه بالتنفيذ جبرا إن امتنع، والقول بلزوم الوعد للواعد يعطي متسعا لتخريج عقد التأمين على أساس أنه التزام من المؤمن للمؤمن لهم ولو بلا مقابل على سبيل الوعد، بأن يتحمل الأضرار التي تحدث طبقا للاتفاق الذي يحدث بين المؤمن والمؤمن لهم، فهو التزام بتحمل الخسارة.
أجيب عن هذا الوجه:
إن قياس عقد التأمين التجاري على الوعد الملزم عند من يقول به قياس مع الفارق، ومن الفروق بينهما: أن الوعد بقرض أو إعارة أو تحمل خسارة مثلا هو من باب المعروف المحض، فكان الوفاء به واجبا أو من مكارم الأخلاق، بخلاف عقود التأمين التجاري فإنها معاوضة باعثها الربح المادي، فلا يغتفر فيها ما يغتفر في التبرعات من الجهالة والغرر.
الرأي الراجح
والذي يبدو لي رجحانه من هذين المذهبين -بعد الوقوف على أدلتهما وما اعترض به على بعضها- هو ما ذهب إليه أصحاب المذهب الأول من حرمة التأمين التجاري بجميع أنواعه، وذلك لقوة ما استدلوا به على مذهبهم، وأما ما استدل به أصحاب المذهب الثاني على مشروعية هذا النوع من التأمين، فلم تسلم من اعتراض وجه إليها، فأوهن من حجيتها على مذهبهم.
ما صدر عن دار الإفتاء المصرية، بناء على الطلب المقدم إليها برقم (1139/2003)، ببيان الحكم الشرعي في التأمين على الحياة، من أنه مشروع للشبه التي وردت بها، فتوى لا تجد ما يؤيدها من أدلة الشرع، ولنطرح جانبا قرارات المجامع الفقهية والتوصيات الصادرة عن المؤتمرات والندوات التي عقدت لهذا الغرض، والتي انتهت إلى حرمة هذه المعاملة، والتي لم تقم لها هذه الفتوى وزنا، لنفند بموضوعية شديدة الشبه التي تذرعت بها دار الإفتاء للقول بالإباحة:
-
إن التأمين التجاري الذي من أفراده التأمين على الحياة، ليس تبرعا في الأصل كما ورد في الفتوى، بل هو من عقود المعاوضات المحضة؛ لأن المعقود عليه فيه عوضان، أحدهما يبذله المؤمن له وهو أقساط التأمين، والثاني: مبلغ التأمين الذي تبذله شركة التأمين للمستفيد إذا سدد المؤمن أقساط التأمين، وحدث الخطر المؤمن ضده، من الموت أو العجز أو هلاك المال أو نحو ذلك، ويدل لتمحض عقده معاوضة امتناع شركة التأمين من دفع مبلغ التأمين للمستفيد إذا لم يوف المؤمن له كامل أقساط التأمين لسبب أو لآخر، حتى وإن وقع الخطر الذي كان التأمين من أجله، وإذا كان يتمحض معاوضة فإنه يؤثر فيه الغرر والجهالة، وذلك يوقع أطراف العقد في نزاع بسببه، وقد نهى الشارع عن كل معاملة يترتب عليها ذلك.
-
إن التأمين التجاري ليس يقوم على أساس من التكافل الاجتماعي أو التعاون على البر كما ورد في الفتوى؛ لأن التكافل يقتضي ألا ينتظر المتكافلون عوضا عما يقومون به، ولكن في التأمين التجاري ينتظر المساهمون العوض عن تعويض المضرور، وإلا فلن يكون منهم أي فعل إيجابي تجاهه؛ لأن بغيتهم من تأسيس شركة التأمين هو الحصول على ربح وليس تخفيف الأضرار عن الغير، ويدل لهذا ما ورد في المادة العاشرة من وثيقة التأمين المنصوص عليها في الفتوى، والتي تعطي الحق لشركة التأمين في الاستحواذ على الأقساط التي دفعها المؤمن له، مع إبطال عقد التأمين إذا لم يوف بباقي أقساط التأمين. وأفراد مؤسسون هذا مقصدهم من تأسيس شركة التأمين، لا يتصور منهم تعاون على البر، وإنما المتصور أن يكون بينهم تعاون في الحصول على أعلى ربح من المؤمن لهم، بل وأكل أموالهم بالباطل أيضا.
-
ما استدل به للفتوى من قول الله تعالى: "أوفوا بالعقود"، لا دليل فيه على مشروعية التأمين التجاري؛ إذ الآية إنما تأمر بالوفاء بآثار العقود المشروعة، والأمر بالوفاء بآثار العقود لا دلالة فيه على مشروعية العقود كافة، وإلا كان عموم الأمر بالوفاء بالعقود مقتضيا مشروعية جميع العقود، حتى تلك التي نهى عنها الشارع: من مثل: البيوع المنهي عنها للغرر أو الربا أو نحوها، ولم يقل بذلك أحد ممن يعتد بقوله من أهل العلم.
-
إن التذرع للقول بحل التأمين كما ورد في الفتوى بأن رسول الله e لم ينه عنه بمنى في خطبة الوداع، وإنما أباح تملك مال الغير إذا طابت نفس صاحبه به، وهو ما حدث في التأمين التجاري فيكون مشروعا لذلك، هو قول يحمل في طياته ما يدحضه، فإن هذه المعاملة لم تكن في زمانه e حتى يقرها أو يمنع منها، وليست خطبته في حجة الوداع شاملة لكل قضايا التشريع حتى تنسخ ما عداها، فلم تكن استعراضا لكل أحكام التشريع الإسلامي، وإلا لزم من ذلك أن ما لم يرد ذكره بها من أحكام التشريع لا يكون من أمر التشريع، وحديث: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"، لا يقتضي حل أخذ مال الغير في معاملة لم يقرها الشارع وإن توافر فيها الرضا من الطرفين، فمن يبذل رشوة لغيره قد طابت نفسه ورضيت كل الرضا بما بذل، ومن يشتري مسكرا أو مخدرا لا تطيب نفسه ببذل عوض ذلك فقط، وإنما قد يكون منه إلحاح على البائع بقبول ما بذل عوضا، مع أن هذه المعاملة وتلك لا يقرها الشرع الحنيف، ومن يبذل لامرأة عوضا عن اقترافه الفاحشة معها راض كل الرضا بما بذل، مع أن ذلك لا يقره الشرع، ومثل هذا كثير يضيق المقام عن ذكره.
-
قياس التأمين التجاري على المضاربة، من جهة أن المؤمن له يبذل أقساط التأمين إلى المؤمن، الذي يقوم باستغلالها لتحقيق الربح فيها لصالح المؤمن له، هو قياس مع الفارق من وجوه عدة، منها: أن المضاربة شركة بين المضارب ورب المال، على أن يضارب العامل في رأس المال ويكون الربح بينهما بنسب يتفقان عليها، وتكون الخسارة من رأس المال، والتأمين التجاري بخلاف ذلك، فإن المؤمن لا يبذل أقساط التأمين لتضارب مؤسسة التأمين بها، وإنما ليحصل المستفيد على مبلغ التأمين عند وقوع الخطر المؤمن ضده، ولا يذكر عند التعاقد صراحة أو ضمنا أن شركة التأمين تستثمر هذه الأقساط لصالح المؤمن له، أو أن ثمة ربحا بينهما من ذلك أو خسارة تخصم من أقساط التأمين، وإنما تلتزم شركة التأمين بدفع المبلغ المتفق عليه مع المؤمن له سلفا، سواء استثمرت هذا المبلغ أم لا وسواء حققت مكاسب منه أم لا، يضاف إلى هذا أن المضارب أمين فيما تحت يده من رأس المال ما لم يخالف شروط المضاربة فيه ولم يقصر في عمله، بخلاف مبلغ التأمين فإن شركة التأمين ضامنة منذ البداية بتسليمه إلى المستفيد وإن تعرضت أقساط التأمين إلى الضياع أو التلف بغير تعد أو تقصير من الشركة.
-
استناد الفتوى إلى جريان عرف الناس بالتعامل بهذا النوع من العقود، لا يعد مستندا شرعيا لمشروعية التأمين التجاري، فإن العرف إما أن يكون في منصوص على حكمه، فتكون الحجة في النص وليس في العرف الموافق، وإما أن يكون مصادما للنص فيكون عرفا غير معتبر شرعا، كجريان عرف الناس على التعامل بالربا في زماننا، وإما أن يكون عرفا في أمر لم يرد في شأنه نص، فيكون عرفا معتبرا إذا لم يترتب على اعتباره محظور شرعي، كاعتبار العرف في قبض الأموال وإحياء الموات والحرز في السرقة، وجريان عرف الناس على التأمين التجاري لا يقتضي مشروعيته؛ لأنه عرف مصادم للنصوص الشرعية التي حرمت الربا والقمار والغرر الجهالة وأكل أموال الناس بالباطل وغيرها من محظورات يشتمل عليها التأمين التجاري.
-
اعتماد الفتوى على المصلحة المرسلة في القول بشرعية التأمين التجاري، غير مسلم، فإن الفرض أن المصلحة المرسلة مصلحة لم يعتبرها الشارع ولم يلغها، وليس ذلك متحققا في التأمين التجاري، لأنه لو سلم اشتماله على مصلحة، فهي مصلحة ملغاة، لورود النصوص الكثيرة الدالة على عدم شرعية هذه المصلحة، مما يجعل عقده مفسدة لا مصلحة.
-
إن قياس التأمين التجاري على التأمين التبادلي والاجتماعي قياس مع الفارق؛ لأن هذين الأخيرين لا يقصد منهما الحصول على ربح وإنما تخفيف الأضرار التي تصيب المستفيد من هذا التأمين أو ذاك، ومواساته، وليس كذلك التأمين التجاري الذي لا يقصد منه شيء من ذلك، كما أن الأصل في التأمين التبادلي والاجتماعي التبرع، بخلاف التأمين التجاري فالأصل فيه أنه معاوضة محضة، يضاف إلى هذا أنه لا ينظر إلى مقدار ما ساهم به المؤمن له في التأمين التبادلي والاجتماعي، بخلافه في التأمين التجاري فإنه يعول في تقدير مبلغ التأمين على مقدار ما يساهم به المؤمن له، ومن ثم فإن حكم هذين النوعين لا ينسحب على التأمين التجاري.
-
إن أكثر حالات التأمين تتم من أفراد مع شركة التأمين، حتى أن فرض المسألة المسئول عنها في الطلب وهو التأمين على الحياة، إنما يقوم به أفراد ولا تقوم به شركات كما ورد في الفتوى، وسواء كان من أفراد أو شركات فإن الغرر لا ينتفي عن عقده إن كانت تباشر عقده شركة مع شركة التأمين، بل إن الغرر متصور سواء أبرمه معها أفراد أو شركات، فالغرر جزء من نسيج هذا العقد، ولا وجه للقول بأن الغرر في التأمين التجاري ليس فاحشا، وكيف لا والغيب المعلق عليه دفع أقساط التأمين لا يعلمه إلا الله تعالى، فأي غرر أشد من ذلك.
-
كما أن القول بخلو التأمين التجاري من القمار قول مجاف للحقيقة، بل إنه عقد مقامرة كله، وليس القمار قائما على الحظ كما ورد في الفتوى، بل القمار كما عرفه الفقهاء: هو الذي لا يخلو أحد من المتقامرين فيه من غرم أو غنم، فإذا غنم أحدهما كان غنمه على حساب غرم الآخر، وإذا غرم أحدهما كان ذلك بسبب غنم الآخر، وذلك متحقق في التأمين التجاري بأجلى صورة، فإن شركة التأمين إذا حققت أرباحا من عملية التأمين، فإن ربحها يكون على حساب خسارة المؤمن له الذي دفع أقساطا أكثر من مبلغ التأمين، وإذا حققت خسائر، فإن ذلك يكون بسبب حصول المؤمن له على مبلغ تأمين أعلى مما بذل من أقساط، والحال عينه بالنسبة للمؤمن له.
-
ما ورد في الفتوى من تعديل أو إلغاء بعض بنود عقود التأمين التجاري، لا يصحح هذه العقود ولا يجعلها شرعية، بل إن التعديل المقترح يخالف الشرع، فالقول برد أقساط التأمين مع استثماراتها إلى المؤمن عليه إذا بقي على قيد الحياة عند نهاية مدة التأمين، يخالف ما ورد في الفتوى من الأمر بالوفاء بالعقود، إذ المؤمن له ما التزم بدفع أقساط التأمين في العقد إلا لترد شركة التأمين إلى المستفيد مبلغ التأمين المتفق عليه بالغا ما بلغ عند حدوث الخطر المؤمن ضده، لا أن ترد عليه أقساطه التي بذلها، فاشتمال العقد على شرط مخالف لذلك يعود على أصل العقد بالنقض، كما أن من البدهي أن شركات التأمين إنما تستثمر أموال المؤمن لهم في بنوك ربوية، تتخذ الإقراض بفائدة وسيلة وحيدة لتحقيق ذلك، ومن ثم فإن التعديل المقترح من دار الإفتاء برد استثمارات أقساط التأمين، فيه أكل للربا وتعامل به وإقرار عليه، وقد لعن الله آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهديه كما هو نص الحديث الشريف.
-
ورد في نهاية الفتوى ما يناقض أولها، إذ ورد في نهايتها أن يكون التأمين إجباريا للتعللات التي ذكرت فيها، وقد ورد في صدر الفتوى أن التأمين التجاري يتراضى فيه الطرفان على أخذ مال بطريق مخصوص، فيكون حلالا، ومع الإجبار على التأمين الذي ورد في نهاية الفتوى لا يكون ثمة تراض؛ لأن الإجبار ينعدم معه الرضا والاختيار، بحسبانه عيبا من عيوب الإرادة لا يقتصر أثره على حرمة أخذ أقساط التأمين فقط، بل إلى بطلان عقد التأمين كذلك، فأين مستند دار الإفتاء للقول بحل أخذ أقساط التأمين من المؤمن له إذا أجبر على دفعها، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لا يحل مال امرئ مسلم إلا بطيب نفس منه"؟.
ومن تقوى الله تعالى وخشيته ألا يهجم المرء على القول بحل شيء أو تحريمه، إلا إذا كان وجه الحق فيه أبلج، دون مراعاة لتقرير محرم أو مشتبه في حرمته، إعمالا لعرف ضل ونهج تنكب على شرعة الإسلام، واستمراء لباطل باض وفرخ، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
طالع:
المجيزون:
المانعون:
أستاذ الفقه المقارن بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر
|