English

 

الاثنين. ديسمبر. 13, 2004

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » الاقتصاد والتنمية

 

التأمين التجاري.. بين المجيزين والمانعين

فضيلة الشيخ جاد الحق علي -رحمه الله-

إعداد - رجب أبو مليح

فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق -رحمه الله-
فضيلة الشيخ جاد الحق علي جاد الحق شيخ الأزهر السابق -رحمه الله-

التأمين: نظام أوربي ظهر أول عَقْد له في ألمانيا في 12 من مايو سنة 1910م، وهو يقوم على الوقاية من الخسارة والتعويض، وظهرت بعض أنواعه في الأقطار الإسلامية، في أواخر النصف الأول من القرن الثالث عشر الهجري، وتناوله العلماء بالبحث لمعرفة حكمه على ضوء الأدلة الشرعية والمعاملات الجارية منذ ظهور الإسلام، فكان أول مَن تحدث عنه هو "محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز بن عابدين" في حاشية "رد المحتار" على "الدر المختار" للحصكفي، شرح "تنوير الأبصار" للغزي، حيث تحدث عن "السوكرة" وهي كلمة منقولة عن الغرب فيها معنى التأمين، وتُنْطَق بالإنجليزية "سيكيوريتي" Security، وقريبًا من ذلك بالفرنسية Securite، والأصل اللاتيني "سيكوريتاه" Secouritas.

وعرَّفه ابن عابدين بأنه عقد تأمين بحري، وبيَّن حكمه؛ فقال: إن عُقِد في بلد إسلامي كان عَقْدَ مُعاوَضة فاسدًا، لا يَلْزَم الضمان به؛ لأن فيه التزام ما لا يلزم.

ثم كُتِب في هذا الموضوع رسائل وبحوث، وصدرت فتاوى وأحكام، من العلماء وقضاة المحاكم الشرعية [1].

ونذكر منها فتوى الشيخ جاد الحق علي جاد الحق سنة 1980م عن التأمين ضد الحريق، ونصها:

المعروف أن وَثِيقة التأمين ضد الحريق التي تُصدرها شَرِكات التأمين في مصر تحتوي على بند مضمونه: "تتعهَّد الشركة بتعويض المُؤَمَّن له أو وَرَثته أو مُنَفِّذ وصيته أو مُديري تَرِكته كل تَلَف مادي بسبب الحريق بالعين المُؤَمَّن عليها طبقًا للشروط العامة والخاصة الواردة بهذه الوثيقة". ونصت المادة 766 من التقنين المدَني المصري "المعمول به الآن رقم 131 لسنة 1948م" على أنه: "في التأمين ضد الحريق يكون المُؤَمِّن مسئولاً عن كافة الأضرار الناشئة عن حريق أو بداية حريق يُمكن أن تُصبح حريقًا كاملاً، أو عن خطر حريق يمكن أن يتحقق، والتأمين ضد الحريق على هذا يكون مقصودًا به تعويض المُؤَمَّن عليه عن خسارة تَلْحَق ذِمَّته المالية بسبب الحريق".

وتطبيقًا لنصوص هذا القانون يُنْشِئ عقد التأمين التزامات على عاتق كل من المُؤَمِّن والمُؤَمَّن له؛ إذ على هذا الأخير أن يدفع أقساط التأمين، وعلى الأول أن يدفع للمؤمَّن له العِوَض المالي أو المبلغ المُؤَمَّن به، ومع هذا فهو من الوِجْهة القانونية يُعتَبَر عقدًا احتماليًّا؛ حيث لا يستطيع أي من العاقدين أو كلاهما وقت العقد معرفة مدى ما يُعطي أو يأخذ بمقتضاه، فلا يتحدَّد مدى تضحِيَته إلا في المستقبل، تبعًا لأمر غير مُحَقَّق الحصول، أو غير معروف وقت حصوله، وإذا كان واقع عقد التأمين من وجهة هذا القانون أنه يُعْتَبَر عمَلِية احتمالية حيث جاءت أحكامه في الباب الرابع من كتاب العقود تحت عنوان "عقود الغرر"؛ لأن مُقابل القسط ليس أمرًا محققًّا، فإذا لم يتحقق الخطر فإن المُؤَمِّن لن يدفع شيئًا ويكون هو الكاسب، وإذا تحقَّق الخطر ووقع الحريق مثلاً فسيدفع المُؤَمِّن إلى المُؤَمَّن له مبلغًا لا يَتناسَب مع القِسْط المدفوع، ويكون هذا الأخير هو صاحب الحظ الأوفى في الأخذ، وبذلك يتوقَّف أيهما الآخذ ومقدار ما يأخذه من عملية التأمين على الصدفة وحدها.

وإذا كان عقد التأمين ضد الحريق بهذا الوصف في القانون الذي يحكمه تَعَيَّن أن نعود إلى صُوَر الضمان والتضمين في الشريعة الإسلامية لنحتكم إليها في مشروعية هذا العقد أو مخالفته لقواعدها.

وإذا كان المعروف في الشريعة الغرَّاء أنه لا يجب على أحد ضمان مال لغيره بالمِثْل أو بالقيمة إلا إذا كان قد استَولَى على هذا المال بغير حق، أو أضاعه على صاحبه، أو أفسد عليه الانتفاع به بحَرْقه أو بتمزيقه أو هدمه مثلاً، أو تسبَّب في إتلافه، كما لو حفر حفرة في الطريق فسقطت فيها سيارة أو حيوان، أو وضع يدًا غير مُؤْتَمَنة على مال، كيَدِ البائع بعد البيع، أو يد السارق، أو غرَّ شخصًا كان طلب منه أن يسلك طريقًا مُؤَكِّدًا له أنه آمِن، فأخذ اللصوص ماله فيه، أو كفل أداءَ هذا المال، ولا شيء من ذلك بمُتَحَقَّق في التأمين ضد الحريق، بل وغيره من أنواع التأمين التجاري، حيث يقضي التعاقُد أن تَضْمَن الشركة لصاحب المال ما يَهْلِك أو يُتْلَف أو يَضِيع بغرَق أو حرق أو بفعل اللصوص وقُطَّاع الطرُق، كما أن المؤمِّن لا يُعَدُّ كفيلاً بمعنى الكفالة الشرعية، وتضمين الأموال بالصورة التي يَحْمِلها عقد التأمين محفوف بالغَبْن والحَيْف والغَرَر، ولا تُقِر الشريعة كسب المال بأي من هذه الطرق وأشباهها؛ لأنها لا تبيح أكل أموال الناس بغير الحق، قال الله -تعالى-: (وَلَا تَأْكُلُوا أموالَكم بينَكم بالباطل) [2]، وقال: (يَا أيُّها الذينَ آمنُوا لا تأكُلوا أموالَكم بينَكم بالباطلِ إلا أن تكونَ تِجارةً عنْ تَراضٍ منكُم) [3].

وإنما تُبِيح العقود التي لا غرَر فيها ولا ضرَر بأحد أطرافها، وفي عَقْد التأمين غَرَر وضرَر مُحَقَّق بأحد الأطراف؛ لأن كل عمل شركة التأمين أنها تَجمع الأقساط من المتعاقدين معها، وتحوز من هذه الأقساط رأسمال كبيرًا تَسْتَثْمِره في القروض الرِّبِوية وغيرها، ثم تدفع من أرباحه الفائقة الوفيرة ما يُلْزِمها به عقد التأمين من تعويضات عن الخسائر التي لَحِقت الأموال المؤمَّن عليها، مع أنه ليس للشركة دَخْل في أسباب هذه الخسارة، لا بالمباشرة ولا بالتسبُّب؛ فالتزامها بتعويض الخسارة ليس له وجه شرعي، كما أن الأقساط التي تجمعها من أصحاب الأموال بمقتضى عقد التأمين لا وجه له شرعًا -أيضًا- وكل ما يحويه عقد التأمين من اشتراطات والتزامات فاسد، والعقد إذا اشتمل على شرط فاسد كان فاسدًا.

والمُراد من الغَرَر في هذا المقام المُخاطرة، كما جاء في مُوَطَّأ مالك في باب بيع الغرر، أو ما يكون مستور العاقبة، كما جاء في مبسوط السرخسي، وهذا مُتَوَفِّر في عقد التأمين؛ لأنه في الواقع عقد بيع مال بمال وفيه غرَر فاحش، والغرَر الفاحش يُؤَثِّر على عقود المعاوضات المالية في الشريعة باتفاق الفقهاء، ولا خلاف إلا في عقود المعاوضات غير المالية، وهو قمار معنى؛ لأنه مُعَلَّق على خطر، تارة يقع وتارة لا يقع. وبذلك يكون مبناه الاعتماد على الحظ فيما يحصل عليه أي من المتعاقدين، ومع هذا ففي عقد التأمين تعامل بالربا الذي فسَّره العلماء بأنه زيادة بلا مُقابل في معاوضة مال بمال، والفائدة في نظام التأمين ضرورة من ضرورياته ولَوازمه، وليست شرطًا يُشْتَرط فقط في العقد. فالربا في حساب الأقساط، حيث يدخل سعر الفائدة وعقد التأمين محله عبارة عن الأقساط مُضافًا إليها فائدتها الربوية، وتُستثمر أموال التأمين في الأغلب أو على الأقل احتياطها بسعر الفائدة، وهذا ربا. وفي معظم حالات التأمين -حالة تحقُّق أو عدم تحقق الخطر المُؤَمَّن ضده- يدفع أحد الطرفين قليلاً ويأخذ كثيرًا، أو لا يدفع ويأخذ، وهذا ربًا.

وفي حالة التأخير في سداد أي قسط يكون المؤمَّن له مُلْزَمًا بدفع فوائد التأخير، وهذا ربا النسيئة، وهو حرام شرعًا قطعًا.

وإذا كان التأمين ضد الحريق من عقود الغرر -بحكم التقنين المدني المعمول به في مصر، فضلاً عما فيه من معنى القمار ومن الغبن ومن الشروط الفاسدة، وكان القمار وعقود الغرر من المحرمات شرعًا بأدلتها المبسوطة في موضعها من كتُب الفقه- كان هذا العقد بواقعه وشروطه التي يجري عليها التعامل الآن من العقود المحظورة شرعًا.

ولمَّا كان المسلم مسئولاً أمام الله -سبحانه- عن ماله من أين اكتسبَه وفيمَ أنفقَه، كما جاء في الحديث الشريف الذي رواه الترمذي ونصه: "لا تزول قدَما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه؟ وعن علمه فيم عمل به؟ وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه؟ وعن جسمه فيم أبلاه؟" [4] وجب على المسلمين الالتزام بالمعاملات التي تُجيزها نصوص الشريعة وأصولها، والابتعاد عن الكُسوب المحرمة أيًّا كانت أسماؤها ومُغرياتها، والله -سبحانه وتعالى أعلم اهـ..

طالع:

المجيزون:

المانعون:


[1]فتوى الشيخ بكري الصدفي سنة 1910م عن التأمين على الحياة. بأنه محرم، 2ـ فتوى الشيخ محمد بخيت المطيعي سنة 1919م عن التأمين ضد الحريق، بأنه محرم، وله في ذلك رسالة "أحكام السوكورتاه" المطبوعة سنة 1906م، 1932م، رد فيها على سؤال من علماء سالونيك، 3 ـ فتوى الشيخ عبد الرحمن قراعة سنة 1925م بحُرْمة التأمين على الحياة وضد الحريق

[2] سورة البقرة: 188

[3] سورة النساء: 29.

[4] صحيح الترمذي أبواب صفة القيامة والرقائق والورع، وينظر الفتاوى الصادرة في كتاب بيان للناس ص .

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم