English

 

السبت. يناير. 1, 2000

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » ثقافة وفكر

 

10 سنوات بعد نهاية التاريخ

المؤلف يرد على نقادِّه

يشهد هذا الصيف الذكرى العاشرة على نشر مقال "نهاية التاريخ" في جريدة "المصالح القومية"، وبهذه المناسبة طُلب مني أن أكتب خواطري الجديدة على فرضيتي الأصلية، ومنذ نشر مقالي والنقاد يطالبونني بإعادة النظر في هذه الفرضية، أو بالتخلِّي عنها تمامًا، ولهذا سأحدد القاعدة التي أنطلق منها منذ البداية.

طوال السنوات العشر الماضية لم يحدث أي شيء على صعيد السياسة العالمية أو الاقتصاد الكوكبي يتحدَّى الاستنتاج الذي توصلت إليه، وهو أن الديمقراطية الليبرالية والنظام الاقتصادي المتوجه نحو السوق هما الخياران الحقيقيان والوحيدان المتاحان للمجتمعات المعاصرة.

كانت أهم التطورات في تلك الفترة هي الأزمة الاقتصادية في آسيا، والتوقف الواضح للإصلاحات في روسيا، وبالرغم من ثراء وكثرة الدروس السياسية المستفادة من هذه التطورات، إلا أنها في النهاية مجرد تطورات يمكن تصحيحها باتباع السياسة الصائبة، ولا تمثل تحديات مستمرة للنظام العالمي الليبرالي السائد.

وعلى العكس من هذا فإن البراهين التي طرحتها لإثبات أن التاريخ أحادى الاتجاه وتقدمي، وأنه يصل لمنتهاه مع الدولة الحديثة الليبرالية، ما زالت سارية ونافذة، واحد فقط من بين مئات النقاد الذين علَّقوا على نهاية التاريخ، حدد نقطة ضعف حقيقية في الفرضية: لا يمكن أن يصل التاريخ لنهايته ما لم تنتهِ العلوم الطبيعية. ونحن الآن على حافة تطور مذهل في العلوم الحيوية؛ سيؤدي في جوهره إلى تغيير صورة الجنس البشري في ذاته.

كان معظم الجدل الأصلي حول نهاية التاريخ نوعًا من المجادلات اللغوية والدلالية السمجة، حيث لم يستوعب العديد من القرَّاء أنني استخدم التاريخ بمعناه الهيجلي الماركسي أي النشوء التطوري للمؤسسات السياسية والاقتصادية البشرية.

وفي ضوء هذا الفهم فثمة قاعدتان أساسيتان لتحريك التاريخ: التكنولوجيا، واستمرار الاكتشافات العلمية؛ مما يمهد الطريق للتحديث الاقتصادي، والكفاح من أجل الحصول على الاعتراف من قبل مختلف القوى الموجودة في المجتمع؛ مما يؤدي في النهاية إلى نسق سياسي يعترف بحقوق الإنسان الأساسية. وعلى عكس الرأي الماركسي افترضت أن عملية التطور التاريخي تلك قد وصلت لذروتها في الديمقراطية واقتصاد السوق وليس في الاشتراكية. والواقع أنه من الصعب أن نتخيَّل وجود نقطة لم يتم نقد "نهاية التاريخ" من خلالها.

فلقد هوجمت تلك الأطروحة مرارًا وتكرارًا وبشكل عنيف، وفي بداية التسعينات كانت ثمة تنبؤات عديدة حول الاتجاهات البديلة في السياسات الدولية، وظن العديد من المراقبين أن العالم يبتعد عن الديمقراطية الليبرالية ولا يقترب منها، وكان أشد المخاطر وضوحًا هو ما يتعلَّق بالقومية والصراع العرقي، وهذا أمر مفهوم في ضوء الصراعات المحتدمة في يوغوسلافيا السابقة ورواندا والصومال وغيرها من المواقع الساخنة.

أيضًا طُرحت أنظمة من أنماط مختلفة بوصفها منافسًا محتملاً للديمقراطية الليبرالية في عالمنا المعاصر بما في ذلك الحكم الديني الإسلامي، والتسلطية الرخوة الآسيوية، ولقد كان مشهد النصف الثاني من عقد التسعينات بدءًا من سلسلة الأزمات المالية التي أدت للأزمة الاقتصادية الآسيوية، والتوقف الواضح للإصلاح الديمقراطي في روسيا، وانكشاف هشاشة وعدم استقرار النظام النقدي العالمي؛ كانت تلك الأحداث أكثر تهديدًا لفرضية نهاية التاريخ، من تلك التي شهدها النصف الأول.

وأنا لم أقل قط إن كل الدول ستصير ديمقراطية في المدى القريب. كل ما افترضته هو أن ثمة منطقًا تطوريًا يخضع له التاريخ الإنساني، وأنه سيؤدي إلى وصول الدول الأكثر نموًا إلى السوق كاقتصاد، والديمقراطية الليبرالية كنظام سياسي، ومن ثم فلا ينبغي الاعتداد بواقعة وجود دول فرادى خارج هذا النسق مثل صربيا أو إيران.

وحتى أحداث كوسوفا المأساوية فلا ينبغي النظر إليها بوصفها نقطة تحول في تاريخ العالم ستؤدي لتغيير بنية المؤسسات البشرية إلى الأبد.

وحتى لو ظهر أن القوى المحركة لعملية تطور التغير التاريخي قد انعدمت؛ فينبغي علينا أن نعيد النظر في فكرة أن التاريخ تقدمي. لكن بالرغم من كل المصاعب والمتاعب التي عاشتها المكسيك وتايلاند وإندونيسيا وكوريا الجنوبية وروسيا كنتيجة لاندماجها في السوق العالمي، فليس ثمة أزمة رأسمالية كوكبية كما يدّعي "جورج سوروس"، لقد أتت العولمة لتبقى وذلك لسببين رئيسيين:

أولاً: لا وجود لنموذج تنموي كبديل حقيقي يقدم وعودًا بنتائج أفضل من نموذج العولمة.

وحتى بعد أزمة 1997-1998. وحتى المنافس الرئيسي للعولمة، وهو النموذج الآسيوي للتنمية، أُصيب بنكسة قوية مع أزمة الاقتصاد الآسيوي، التي أثبتت خواء السلطة الآسيوية الرخوة، والتي حاولت أن تقيم شرعيتها على أساس الأداء الاقتصادي؛ مما أدى إلى تعرضها للخطر مع الهزات الاقتصادية.

يتعلق السبب الثاني: الذي يجعل من المستبعد تغيير دفة عجلات الزمان فيما يخص العولمة بالتكنولوجيا. فالعولمة الحالية قد ترسّخت بسبب ثورة الاتصالات التي أدت لانتشار الهاتف والفاكس والراديو والتليفزيون والإنترنت إلى كل بقاع الأرض. وأدت هذه التغييرات إلى تمكين الأفراد وتقويتهم، وكذلك نشرت الديمقراطية على مستويات عدة. فلم يعد بوسع أي دولة اليوم أن تفصم نفسها عن وسائل الإعلام العالمية، أو تبتعد عن مصادر المعلومات الخارجية، ويتم تكرار الاتجاهات التي بدأت في أحد أركان العالم بشكل سريع وعلى مسافة آلاف الأميال.

ويؤسفني أن أقول لمن يحاول إيجاد دلائل على فشل فرضية: "نهاية التاريخ" في الأحداث السياسية والاقتصادية التي شهدها عقد التسعينات، إنهم قد أخطأوا المسعى . فالواقع أن نقط ضعف نظرية "نهاية التاريخ" تكمن في أنه لا نهاية للعلم. العلم الذي يحرك التاريخ ويدفع العملية التاريخية إلى الأمام. ونحن على أعتاب انفجار تكنولوجي جديد في علوم الحياة والتكنولوجية الحيوية.

لقد شهد العالم منذ اندلاع الثورة الفرنسية وحتى الآن ظهور عدة نظريات؛ حاولت أن تتخطّى حدود البشر من خلال تكوين الإنسان الجديد الذي لا يتعرض لأحقاد وحدود الماضي.

ومع انهيار هذه التجارب مع حلول نهاية القرن العشرين ظهرت لنا حدود الهندسة الاجتماعية، وتبنى البشر لنظام يعتمد على السوق اقتصادياً، ويتبنى الديمقراطية الليبرالية سياسياً، وينبني هذا النظام على بدهية الطبيعة وإله الطبيعة.

ولكن ربما كانت أدوات الهندسة الاجتماعية المستخدمة في القرن العشرين بدءًا من التنشئة الاجتماعية في الطفولة، ومروراً بالتحليل النفسي، وحتى الدعاية الحزبية ومعسكرات العمل، أدوات خام بدائية لا تستطيع أن تغير من الطبقة الطبيعية في السلوك البشرى تغييرًا فعالاً.

إن العلوم الطبيعية الحديثة: ذات طبيعة مفتوحة، ومن ثم يبدو أنه خلال جيلين ستعطينا الهندسة الحيوية الأدوات التي تتيح لنا إنجاز ما فشل فيه المهندسون الاجتماعيون في الماضي .

وعند هذه النقلة سنكون قد أنجزنا بالتأكيد التاريخ البشرى لأن الكائن البشري في ذاته سيصير عدماً. وعندئذ سيبدأ تاريخ ما بعد البشرية.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم