|
الصوفية من خلال طبيعة تجربتهم أصحاب أحوال ومواجيد، ولكنهم كذلك حين يخرجون من هذه الأحوال يصبحون أصحاب صحو وفكر، شأنهم في ذلك شأن بقية الناس، والحكم على الصوفية ـ وهم في أحوالهم ـ يختلف عنه في حالات صحوهم، أو هكذا ينبغي أن يكون، وعدم الأخذ بهذه التفرقة أدى بالناس إلى تطرف في الحكم عليهم، فالبعض حين رأى من أحوالهم ما يخالف ظاهر الشرع حكم عليهم بالكفر والفسوق والعصيان جملة ودون تفصيل، وهناك من رأى أن ما عليه هؤلاء في أحوالهم هذه أمور سائغة وطيبة، ويمتدحونه بمبالغة كذلك.
وقد يغلو كل واحد من هذين حتى يخرج بالأول "إنكاره إلى التكفير والتفسيق في مواطن الاجتهاد، متبعًا لظاهر من أدلة الشريعة. ويخرج بالثاني "إقراره" إلى الإقرار بما يخالف دين الإسلام مما يعلم بالاضطرار أن الرسول جاء بخلافه اتباعًا في زعمه لما يشبه قصة موسى والخضر، والأول كثيرًا ما يقع في ذوي العلم لكن مقرونًا بقسوة وهوى. والثاني كثيرًا ما يقع في ذوي الرحمة لكن مقرونًا بضلالة وجهل، والعدل في هذا الباب قولاً وفعلاً أن تسليم الحال له معنيان:
أحدهما: رفع اللوم عنه بحيث لا يكون مذمومًا ولا مؤثمًا. والثاني: تصويبه على ما فعل بحيث يكون محمودًا مأجورًا، فالأول عدم الذم والعقاب، والثاني وجود الحمد والثواب، الأول عدم سخط الله وعقابه، والثاني وجود رضاه وثوابه؛ ولهذا نجد المنكرين غالبًا في إثبات السخط والذم والعقاب، والمقرين في إثبات الرضا والحمد والثواب، وكلاهما قد يكون مخطئًا، ويكون الصواب في أمر ثالث وسط، وهو أنه لا حمد ولا ذم ولا ثواب ولا عقاب".
ويذكر ابن تيمية أنه وإن أنكر بعض التابعين على أصحاب الأحوال أمرهم فإن تحقيق الأمر يقضي بالإنصاف بأن يبحث سبب زوال العقل فإن كان بسبب غير محرم، وكان سكره نتيجة حالة من الحب والوجد والوله استغرقته فأسكرت عقله، كان في حاله هذه معذورًا، وله من التاريخ شاهد على ذلك، ومن رأى جمهور العلماء أعذاراً له. "والذي عليه جمهور العلماء أن الواجد من هؤلاء إذا كان مغلوبًا على أمره لم ينكر عليه، وإن كان حال الثالث أكمل منه؛ ولهذا لما سُئل الإمام عن هذا قال: قرئ القرآن على يحيى بن سعيد القطان، فغشي عليه، ولو قدر أحد أن يدفع هذا عن نفسه لدفعه يحيى بن سعيد، فما رأيت أعقل منه".
ورسم هذا المنهج للحكم على الصوفية في أحوالهم ومواجيدهم من عالم كابن تيمية أمر له دلالته، فالرجل ليس من الصوفية، ولا من مؤرخيهم، ولكنه منصف ومقدر؛ لأن هؤلاء الصوفية في نظره مجتهدون في العبادات، كما اجتهد جيرانهم في الفقه والقضاء والإمارة، وهم في نظره أكمل وأفضل ممن لم يكن عنده خشية لله أو حب له؛ إذ من المقرر أن الصوفية إنما أوردهم هذه الأحوال حب ومجاهدة ودوام ذكر أدى ببعضهم إلى سكر قال فيه –وهو في غياب عقل- ما يستشنع ظاهره شرعًا، لذا فهو يرى عذرهم ما داموا ليسوا متكلفين ذلك، وما دام المعروف عنهم تمسكهم بالشرع في حال صحوهم وجماع تاريخهم، بل إن ابن تيمية يقول: إذا شك الإنسان في حال أحدهم هل هو سكر طبيعي ومتكلف كان عليه أن يتوقف في الحكم فلأن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة، شريطة أن ينبه أن هذا الذي وقع لا يقتدي به إذ هو مخالف للشرع، وإن كان لصاحبه عذره.
حالات الصحو واليقظة:
أما الحكم على الصوفية في حال يقظتهم فيكون من منطلق أنهم بشر يخطئون ويصيبون، وأنه لا عصمة لأحد من البشر غير الأنبياء، وأشد الناس استحقاقًا لوصف الولاية يجوز عليهم الخطأ لا بل يجوز أن يخفى عليه علم الشريعة، ويجوز أن يشتبه عليه بعض أمور الدين، ويجوز أن يظن في بعض الخوارق أنها من كرامات أولياء الله تعالى وتكون من الشيطان لبسها عليه لنقص درجته ولا يعرف أنها من الشيطان وإن لم يخرج بذلك عن ولاية الله تعالى".
وعليه فإن الحكم على أقوالهم وأفعالهم يكون بعرضها على الكتاب والسنة فما وافق كان جديرًا بالتقدير والاقتداء، وما كان غير ذلك فيوصف بما وصفه الشرع به من خطأ أو ضلال أو نحو ذلك.
وقد كان الصوفية حريصين على جعل الكتاب والسنة مقياسًا يحكم به على أقدار الرجال ومدى التزامهم، بل جعل هذا المقياس هو الفيصل في قبول هذه الفئة لشخص ما أو رفضها له "وهذا كثير من كلام المشايخ كقول الشيخ أبي سليمان الداراني: إنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين: الكتاب والسنة. وقال الجنيد رحمه الله: علمنا هذا مقيد بالكتب والسنة، فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم عن علمنا أو قال لا يقتدي به.
وقال أبو عثمان النيسابوري: من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول في كلامه القديم (وإن تطيعوه تهتدوا)، وقال أبو عمرو بن نجيد: كل وجد لا يشهد له الكتاب والسنة فهو باطل".
وقد أورد أبو الفرج بن الجوزي أقوالاً كثيرة للشيوخ في هذا المعنى، ولم يشذ عن ذلك بعض من اتهموا بالشطح، فهذا أبو يزيد البسطامي يقول: لو نظرتم إلى رجل أعطى من الكرامات حتى يرتفع في الهواء فلا تغتروا به حتى تنظروا كيف تجدونه عند الأمر والنهي وحفظ الحدود.
ويقول: من ترك قراءة القرآن والتقشف ولزوم الجماعة، وحضور الجنائز، وعيادة المرضى، وادعى بهذا الشأن فهو مبتدع".
وهو نفس المعنى الذي يحكيه عن أبي الحسين النوري في قوله: من رأيته يدعي مع الله حالة تخرجه عن حد علم الشرع فلا تقربنه، ومن رأيته يدعي حالة لا يدل عليها دليل، ولا يشهد لها حفظ ظاهر فاتهمه في دينه".
وهذا هو الموافق للعقل إذ لا يقبل ممن يسندون مقاماتهم وأحوالهم إلى الكتاب والسنة أن يرضوا في صفوفهم بمن ينقض هذا الأصل، أو يقدس وليًا فيرفعه فوق مستوى الخطأ قابلاً منه كل ما جاء به، ملتمسًا للغريب من أقواله وأفعاله مسالك التأويل وطرق التسويغ، لا يعقل أن يقبل هذا من قوم أتباع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في صفة طريقهم، ومصدر مجاهداتهم.
والذي يخرج عن هذا الخط الوسط، فيقدس الشيوخ ويصفها بما ليس في إمكانها أو من حقها غالط مقدار تجاوزه للمنهج الشرعي في تقدير الناس والحكم عليهم (نعرف الرجال بالحق لا نعرف الحق بالرجال)، (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) (كل يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم). وقد وقع الغلط قديمًا وحديثًا؛ نظرًا لتجاوز المنهج الذي ألح على الالتزام به محققو المشايخ من الصوفية المسلمين.
طالع بقية محاور الدراسة:
|