|
تتسم الظاهرة السياسية في الرؤية الإسلامية بقدر من التميز عن الرؤى الوضعية. ووفقاً لأسس التكافؤ والملاءمة المنهجية فإن تحليلها يفضل منهجياً أن يكون نابعاً من مسلماتها، ومنظومتها المفاهيمية وأطرها المرجعية.
وهكذا يعبر "الإطار المعرفي والمنهجية الإسلامية عن الجهد التنظيري للظواهر والوقائع السياسية المختلفة المنطلق من فقه الجزء الثابت (القرآن والسنة) والمسترشد بخبرة التراث السياسي الإسلامي، وهو يقوم على مجموعة من "المسلمات" و"الخطوات" و"الأدوات" المنهجية، وتترجم عملية التنظير السياسي تكاملاً بنائيًا ووظيفيًا بين جزأين:
الأول: الثابت القرآن الكريم والسنة الشريفة بمثابة حجر ألقي في نهر فتنداح من حوله وبسببه الدوائر المتعددة والمتسعة.
والثاني: الاجتهاد البشري المتطور هو تلك الدوائر المرتبطة بالحجر رباط العروة الوثقى.
بالنسبة للجزء الأول: له منهجيته، وصدقيته ومحورية دوره التنظيري؛ بحيث يمكن أن يضع أصول النظرة الكلية للظاهرة السياسية، والقواعد العامة لممارستها، ومقاييس رؤيتها الأساسية … إلخ، ويشكل هذا الجزء بمقياس الأحجام الأصغر قياسا على التراث السياسي الاجتهادي؛ لكنه من زاوية الأهمية يعد نقطة الثبات المحورية التي تحدد العملية المنهجية متكاملة.
أما الثاني: فيتضمن الاجتهادات والأساليب المختلفة التي يحفل بها التراث السياسي الإسلامي إزاء الظواهر السياسية المختلفة من حيث فهمها، وتحليلها، وتفسيرها... إلخ، وهذا الجزء التراثي الأكبر يرد عليه الصواب والخطأ في جوانبه الاجتهادية التي تشهد تعدداً وتنوعاً يفترض أن يكون محكوماً بالأوامر المنزلة. ولنتأمل على سبيل المثال اجتهادات الغزالي، والماوردي، وابن تيمية في قضايا طبيعة الولاية والخلافة واختصاصاتها المختلفة.
ولفهم الإطار المعرفي والمنهجية الإسلامية يجب إحداث نوع من الفصل النظري بين (المضمون الموحي) والذي يشتمل على أصول النظرة للظاهرة السياسية، وبين (الأساليب والاجتهادات) التي تمثل الجهد البشري الذي قام به المفكرون السياسيون ـ في الماضي والحاضر ـ في إبداع الحلول السياسية المختلفة مع التركيز علي الاستفادة من منهجية الاجتهاد السياسي، وجوهرها كيفية إنزال والربط بين المستويين الأول والثاني.
وقد عرفت المنهجية الإسلامية – كغيرها من المنهجيات- ظاهرة تعدد المسميات (التعريفات) على الدراسات المعبرة عنها من قبيل: "الرؤية والتصور الإسلامي" و"المنظور الإسلامي" و"المنظور الحضاري" و"المنظور الأصولي"... إلخ، كذلك عرفت الكثير من الدراسات السياسية التي تحمل بعضاً من هذه المسميات قدراً متفاوتاً من عدم الالتزام بقواعد وأسس المنهجية الإسلامية ويمكن في هذا الصدد رصد اتجاهين من الدراسات:
1 - اتجاه الدراسات التزيينية: تعبر عنها دراسات وتحليلات بعض الباحثين الذين اضطرتهم الظروف للكتابة تحت اللافتة الإسلامية لاعتبارات مختلفة معظمها بعيد عن المجال العلمي والتحليلي، فيقومون في دراستهم بنثر آيات قرآنية وأحاديث نبوية في موضعها أو غير موضعها لتتناسب مع اللافتة التي زينوها بها دون أن تتناسب مع الموضوع ودون بذل جهد حقيقي في التأصيل والتحليل.. وهذا النوع من السهل اكتشاف مدى تهافته لبعده عن الجدية وابتعاده عن الالتزام بأسس المنهجية العلمية بوجه عام.
2 - اتجاه الدراسات الانتقائية: تجسد الدراسات السياسية - في هذا الاتجاه – وجود قناعة منهجية وضعية مسبقة في تحليل الظواهر وفهم الوقائع السياسية، ولكنها تحاول أن تستدعى انتقائياً من القرآن والسنة ما يؤيد هذه القناعة، الأمر الذي يقارب ما أسماه صاحب الموافقات رجوع الاستظهار، ومن نوعية هذه الدراسات – تاريخياً - بعض ما كُتب عن الإسلام اشتراكياً أو قومياً عربياً، وعن عدالته الاجتماعية عندما كان الوضع السياسي يسير في هذا الاتجاه، وبعض ما يكتب عنه "ديمقراطياً" أو "تعددياً" سياسياً وحزبياً في الوقت الحالي.
وهكذا فإن فهم وتحليل الظواهر والأحداث السياسية المحددة صارت موضعاً للتنازع، وأصبح الجميع يدعون وصلاً بالرؤية الإسلامية في غياب المعيار المنهجي المحدد والمقاييس العلمية المنضبطة، الأمر الذي يفرض تحديد ذلك، كما يفرضه أيضا الأزمة المعرفية في المنهجية الوضعية – والتي أشرنا إليها سابقاً، والتي تجعل الانطلاق منها في التنظير السياسي موضع تساؤل، ومن هذه العوامل والمبررات:
1 - تعتبر هيمنة المنهجية الوضعية على دراسة الظواهر والأحداث السياسية في المنطقة العربية والإسلامية في أحد جوانبها امتداداً لفكرة المركزية الغربية والأمريكية تحديداً، فإذا كانت الحضارة السائدة تختزل الفكرة الحضارية فيما تقدمه وتقيس الآخر الحضاري على مقاييسها، فإنه من المنطقي أن تعتبر منهجيتها الوضعية هي العلمية، وأن المنهجيات الأخرى – بدرجات مختلفة - تقع في الإطار غير العلمي، وإذا انطلقنا من موقع القبول بفكرة تعدد المراكز الحضارية وعدم اختزال "العالم" في "أوروبا" والغرب واعتبارها محوره، واختزال "الإنسانية" في الحضارة الغربية، وجعلها نموذجه المحتذى، أو الذي يجب اللحاق بركبه، فإنه من المنطقي الإقرار بتعدد الأطر المنهجية - وتعارفها وليس تصادمها - حيث لكل حضارة تصوراتها ومناهجها الذاتية في معالجة قضاياها الأساسية، ومن ثم تأتي ضرورة ومشروعية الانطلاق من المنهجية الإسلامية من زاوية حضارية.
2 - يرتبط بما سبق، ويعد أحد نتائجه تحقيق نوع من استقلالية الاجتهاد الفكري في عملية التنظير للقضايا والظواهر السياسية بما تتضمنه من رؤى سياسية واقتراحات ببدائل للتعامل مع المواقف المختلفة بدلاً من حالة التبعية التي يخلقها الانطلاق من المنهجية الوضعية بشكل أو بآخر.
3 - ما يطلق عليه الوظيفة التطويرية لعلم السياسة، والذي تعد المنهجية الأداة الأساسية لتحقيقها، حيث يتم توظيفها في تحليل قضايا الواقع السياسي والتعامل مع مشكلاته وجوهره أن تكون هذه المنهجية قادرة على تفسيره عبر الكشف عن قضاياه، وتقديم الخيارات والبدائل؛ الأمر الذي يعني التخطيط لتطوراته المستقبلية… إلخ، هذا الأمر الذي سبق القول: إن المنهجية الوضعية تعاني بصدده قصوراً واضحاً في التعامل العلمي خاصة مع قضايا تتعلق بعمق تكويننا الحضاري مثل الهوية والشرعية... إلخ.
4 - يستلزم القيام بالوظيفة التطويرية السابق الإشارة إليها الانطلاق من المنهجية الإسلامية في جزئيها: الثابت الذي يؤسس الرؤية الكلية والإطار المعرفي المستمد من القرآن والسنة، والذي يؤكد على الرؤية الكلية النابعة من الالتزام بالشرع "لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً" (المائدة: 48)، بل أمر الله رسوله صلى الله عليه وسلم باتباع الشرعة باعتبارها المنهج "ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" (الجاثية: 18)، "قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني وسبحان الله وما أن من المشركين" (يوسف: 108)، ومن خلال هذه الرؤية المنهجية الكلية يأتي الجزء الثاني الاجتهادي الذي تمثله الدراسات السياسية التي تقوم بعملية التنظير السياسي للأحداث والوقائع والظواهر السياسية... إلخ، ومن هذا النوع من القضايا التي شغلت حيزاً كبيراً – وما زالت – من الدراسات قضية العلاقة بين الظاهرتين: السياسية والدينية، وكانت موضعاً للجدل بين أتباع المنهجيتين: الوضعية والإسلامية في التحليل في واقعنا العربي والإسلامي.
التساؤل عن كيفية القيام بعملية التنظير السياسي انطلاقاً من الجوانب الثابتة في المنهجية الإسلامية وامتداداً نحو الجوانب الاجتهادية المتغيرة لتحليل وفهم الظواهر السياسية المختلفة.. هذا ما سنحاول التعرض له باختصار في الصفحة التالية.
تابع معنا محاور الدراسة:
|