|
لا يوجد تطور من صنع البشر دون حدود، فلا تكمن المشكلة في التعامل مع التقنية الشبكية في أنها تبدو وكأنه لا حدود لميادين الاستفادة منها ولآثارها الإيجابية والسلبية، بل تكمن في جانبين رئيسيين من جوانب التعامل معها، نتأمل فيهما بمنظار ما وصلا إليه في المجتمعات الغربية التي سبقت إلى نشر التقنية الشبكية، للتمكّن من تحديد موقعهما في إطار ما نواجهه من تحدّيات على مستوى انتشار الشبكة في المنطقة الإسلامية:
1- الجانب الفلسفي المتمثل في التصورات والمنطلقات الأولى للتعامل مع التقنية الشبكية، مما يسري عليها وعلى سواها.
2- الأسلوب المتبع في هذا التعامل هل يكون تقليديًّا موروثًا عن التعامل مع تقنيات سابقة بمواصفات أخرى، أم جديدًا متطورًا يتلاءم مع مواصفات التقنية الجديدة.
ويعتبر جانب التصورات والمنطلقات في تعامل المجتمع الغربي مع التقنية التي ابتكرها مشكلة قائمة مع معظم التقنيات السابقة التي ابتكرها في مسيرة النهضة الغربية الحديثة، وإذا تجاوزنا العلاقة المعروفة بين مفهوم "الحرية الشخصية" وموقعه من "الضوابط" التي سبق الحديث عنها، يمكن أن نحدد هنا ثلاثة عناوين رئيسية أخرى للمؤثرات ذات المنطلق الفلسفي على التعامل مع التقنية الشبكية في المجتمعات الغربية، وهي:
1 - جدلية الصراع:
وتظهر في مختلف ميادين النهضة الغربية، ويرمز إليها مثلاً الحديث العفوي في الأدبيات الغربية عن الاستفادة من المعطيات الطبيعية في إطار "صراع مع الطبيعة" الغلبة فيه للإنسان، والحديث البدهي في الكتابات الفكرية والتطبيقات العملية عن معايير الحقوق والحريات الإنسانية باعتبارها حقوقًا "مكتسبة"، تتحقق على قدر ما يمكن تحصيله منها في جولات صراع معروفة، في قضايا كبرى مثل قضية المرأة، وقضية العمال، ويسري شبيه ذلك على التعامل مع التقنيات الحديثة، وإن حمل غالبًا عنوان "التنافس" أو استغل تشريعات تسجيل الامتيازات والحقوق الفكرية.
2 - النزعة العنصرية:
ويرمز إليها الحديث عن "حضارة الإنسان الأبيض" وتنعكس على أرض الواقع في تطبيقات عملية جعلت معظم المنجزات التقنية "حكرًا" على المجتمع الغربي الذي تزعم لفترة من الزمن مسيرة التطور البشري، فأخذ من سابقيه ما وصلوا إليه واختلف عنهم في عدم فتح الأبواب أمام العطاء لسواه ما يمكن أن يبنوا عليه مسيرتهم المستقبلية.. ولعل من أبرز ما يرمز إلى ذلك أيضًا أن إجراءات "المقاطعة الاقتصادية" وقوانين حجر منجزات معينة على صعيد التصدير، كانت - وما تزال - من أوسع الإجراءات تطبيقًا في التعامل الغربي مع الطرف "الآخر" عالميًّا.
3 - النزعة المادية ..
وقد جعلت العائد المادي فوق سائر الاعتبارات الأخرى في مختلف ميادين التطوير التقني والاقتصادي ومختلف ميادين المعاملات الدولية وداخل المجتمع الواحد، وهو ما يعبر عنه عادة بلغة المصالح القومية والعالمية.
وإذا كان انتشار التقنية الشبكية قد عزز بعض جوانب هذه العناصر الثلاثة، ووضع بعضها في قالب أشمل يتزامن مع ظاهرة العولمة ويستكمل مفعولها، فقد ساهم في الوقت نفسه في زعزعة جوانب أخرى لتلك العناصر الثلاثة تطبيقيًّا؛ إذ فتحت التقنية الشـبكية الأبواب أمام الاستفادة منها على نطاق واسع كسر الحواجز التقليدية للاحتكار التقني، ويتجاوز والمقاطعات التي نربطها بالنزعة العنصرية، ويتحدى - ولو جزئيًّا - تحكيم العنصر المادي في انتشار المنجزات المتحققة أو التي يمكن تحقيقها عن طريق توظيف التقنية الشبكية في أغراض التنمية والتطوير وسواها.
معوقات الاستفادة من شبكة المعلومات
وينجم عن ذلك أن التحديات الأكبر أو العقبات الأهم القائمة في وجه الاستفادة من التقنية الشبكية الحديثة على مستوى البلدان "المستوردة" لها كالبلدان الإسلامية، هي عقبات ذاتية في الدرجة الأولى، وتُصنّف في جانبين:
أولهما: الجانب الفلسفي والفكري أو جانب المنطلقات ويشمل:
1- عقبات سياسية محضة بغض النظر عن ردائها التبريري الرسمي.. وانعكست في التردد الكبير عن فتح الأبواب أمام التقنية الشبكية الحديثة، وهذا ما أمكن تجاوز قسط كبير منه طواعية أو نتيجة لطبيعة التقنية الجديدة نفسها.
2- عقبات دينية والأصح اعتبار عنوانها فقط دينيًّا، ذلك أن التقنية وسيلة والمفروض أن يرتبط الحكم الديني بنوعية استخدامها وليس بأصل استخدامها. وساهمت هذه العقبات في عرقلة انتشار التقنية الشبكية ولكن أمكن تجاوزها في هذه الأثناء.
وثانيهما : الجانب العملي أو جانب التطبيقات ويشمل:
1- عقبات ذات صلة مباشرة بطبيعة التقنية الجديدة نفسها والتي تتطلب تجديد النظرة إلى أسلوب التعامل معها عمومًا وبما يراعي مواصفاتها وميزاتها السالفة الذكر.
2- عقبات قديمة.. كالتخلف المادي والتقني، وما تزال على حالها القديم، ويتفرع عنها عقبات إجرائية وعملية عديدة.. من عناوينها التخطيط والإدارة والتأهيل الفردي والتوعية العامة وما شابه ذلك.
ولا يمكن على ضوء ما سبق فصل ما يجب صنعه للتعامل القويم مع التقنية الشبكية عن الإطار الأشمل لمشكلة النهوض المطروحة بقوة على المجتمع الإسلامي، ومن جوانبها الرئيسية ذات التأثير المباشر على التعامل مع التقنية الشبكية:
1- غياب الأرضية الأساسية من المنشآت العامة أو تدني مستواها، كشبكة الاتصالات الهاتفية، وشبكات الحاسوب في القطاعين العام والخاص، والشبكات الإدارية والصناعية والاقتصادية وغيرها..
2- التفاوت الخطير بين الثراء والفقر بين الدول.. والمناطق الإقليمية.. وبين فئات البلد الواحد، على امتداد المنطقة الإسلامية، وبصورة تختلف عما هو قائم في العالم الغربي، وتظهر خطورتها عند مراعاة اختلاف تعريف خط الفقر بين دول الشمال ودول الجنوب.
3- النقص الكبير في التخطيط والأجهزة الإدارية والميادين التطبيقية على صعيد التأهيل التعليمي والمهني في مجالات عديدة أساسية، فضلاً عن المجال الشبكي الحديث نسبيًّا.
4- طبيعة المرحلة الراهنة في المنطقة الإسلامية، والتي يمكن وصفها بمرحلة إرهاص حضاري، ما يزال الموروث من ألوان الصراعات القديمة مؤثرًا فيه، ويمنع حتى الآن وجود آليات التوجيه الضرورية لضبط إيقاع الخطوات الأساسية على طريق النهوض واستخدام مختلف الوسائل والتقنيات الضرورية لتحقيقه.
5- ما نزال في تعاملنا مع التقنية الشبكية بالذات وميادين أخرى عديدة، نقتصر على أسلوب الاستيراد الاستهلاكي وتكديس المنشآت، وإرفاق ذلك أحيانًا بوهم ذاتي أن هذا يكفي بديلاً عن "التقدم"، وبما يشمل التقنيات والأجهزة والبرامج وحتى الإدارة والصيانة، ورغم وجود بذور أولية لتطوير برمجي محلي على الأقل، فإن السلوك "الاستهلاكي" بتأثير "عقدة النقص تجاه الأجنبي"، يخنق تلك البوادر أو يعرقل مسيرتها إلى حد بعيد.
إن ما أضافته التقنية الشبكية في عالمنا المعاصر، وأعطته من دفعات كبيرة في مسيرة العولمة، وفتحته من آفاق تقنية وأبواب جديدة لم تكن مفتوحة أمام "الجميع" من قبل، تضع بلادنا العربية والإسلامية أمام أوضاع غير مسبوقة، فالتحديات الجديدة المرتبطة بالشبكة تتطلب مواجهتها كسواها، ولكنها تتطلب في الوقت نفسه إيجاد الشروط الأولية اللازمة لتوفير القدرة على مواجهتها أصلاً، ثم لم يعد يكفي مجرّد النجاح في المواجهة، إنما لا بد من النجاح خلال فترة زمنية محدودة نسبيًّا، ذلك أن القصور في الماضي عن استيعاب جوانب أساسية على طريق التقدم، من الميادين التقنية وسواها، أدى إلى زيادة فارق التقدم والتخلف الحضاري على حساب بلادنا، وإجمالاً ربما بلغ هذا الفارق في نهاية القرن الميلادي العشرين ضعف ما كان عليه في بدايته.. ومن الممكن أن يتضاعف الآن مرة أخرى إن وقع القصور في الميدان التقني الشبكي.. ولكن خلال فترة أقصر من ذلك بكثير، قد لا تتعدى الأعوام العشرة.
ولهذا ينبغي في تحديد مواصفات التعامل الضروري مع التقنية الشبكية تأكيد أمرين اثنين:
1-التحرك المطلوب تحرك جماعي، لا غنى فيه لطرف عن طرف، فالتحديات القائمة تواجه الجميع وفي مختلف الميادين، وتتطلب التحرّك الجماعي، سواء نظرنا إليه بمنظار حكومات وشعوب، أو بمنظار قطاع عام وقطاع خاص، أو بمنظار التخصصات ما بين القطاعات الاقتصادية والتقنية والاجتماعية وسواها، أو بمنظار ما يوصف بالنخبة المثقفة والعامة، أو بمنظار تعدد التيارات الفكرية والسياسية.
2- التحرك الجماعي على هذه المستويات يتطلب أرضية عملية مشتركة، ولا يعني ذلك بالضرورة تلاقي التوجهات والتيارات المتعددة على قاسم مشترك أدنى، قدر ما يعني تطابق الرؤية المنهجية للميادين العملية الواجب خوضها لتحقيق منجزات محددة والتلاقي في ذلك على قواسم مشتركة عظمى.
تابع في هذا المقال:
كاتب فلسطيني المولد (عكا) سوري الأصل، من مواليد 1947 م، ومقيم في ألمانيا منذ عام 1965م.
|