|
لا ريب أن من الشروط الأساسية لمواجهة التحديات الحالية والمنتظرة في الميدان الشبكي، استيعاب ميادين التأثير التي اقتحمتها التقنية الشبكية في هذه الأثناء، وما يتوقع على صعيدها في المستقبل المنظور، وهو ما يتطلب متابعة يومية وبحوثًا منهجية مفصلة، لا يتسع المجال بطبيعة الحال لأكثر من ذكر بعض عناوينها واتجاهاتها الرئيسية في هذا الموضع، وهو ما يمكن تصنيفه في النقاط الرئيسية التالية:
1 - على الصعيد السياسي والإداري:
ما يزال تأثير التقنية الشبكية محدودًا رغم ضخامة حجمه نسبيًّا، فتجاوز الحدود في نقل المعلومات وتبادلها، وتحرير المعلومة من قوالب ضبط انتشارها في أطر يمكن للسلطات التحكم فيها، وقابلية نشر التطبيقات الشبكية في علاقات المواطن بالدولة، جميع ذلك لا يمثل سوى بداية طريق طويل، يمكن تصوّر بعض مراحله المقبلة سلبًا وإيجابًا بمنظار بوادر أولى كما ظهرت:
- في الصين الشعبية مثلاً حيث كان البريد الإلكتروني وسيلة لتأسيس حزب "ديمقراطي"
- أو في تركيا مثلاً آخر حيث صدر قانون جديد يفرض عقوبات مشدّدة على شركات الوصل الشبكية إذا سمحت بعبور معلومات معينة في الشبكة وهو ما لا تملك تلك الشركات منعه واقعيًّا.
- أو في سوريا مثلاً ثالثًا، حيث كان أحد المداخل الرئيسية لتكوين شعبية رئيسها المقبل استلامه قطاع نشر الخدمات الشبكية في البلاد.
- أو في إطار المعاملات الإدارية المحضة حيث بدأت في بعض البلدان الغربية التطبيقات التي لا تسهّل على المواطن معاملاته فقط، بل تهدّد في الوقت نفسه الأجهزة الإدارية الضخمة بأن يتقلص عملها مع ما يعنيه ذلك من نشر البطالة على نطاق واسع ربما لم تعرف مثيله القطاعات الاقتصادية والإدارية التقليدية من قبل.
ولا تخفي الجوانب السلبية التي يعنيها الصراع المحتمل نتيجة هذه التطورات وأمثالها، أو ما يمكن وصفه بممارسة "استبداد شبكي" في دولة من الدول أو منطقة إقليمية، أو السلبيات التي يعنيها توظيف الشبكة لأغراض عنصرية أو إرهابية وما شابه ذلك.
2 - على الصعيد الاقتصادي والمالي:
علاوة على نموّ القطاع الاقتصادي المرتبط بالتقنية الشبكية نموًّا مذهلاً خلال سنوات معدودة، تقدر الدراسات المبدئية أن المعاملات التجارية والمالية في مواقع الاتصال المباشر بين الشركات، وعبر مواقع التسويق التجارية، ستتضاعف خلال سنوات معدودة، بحيث توجد البدائل عن قطاعات اقتصادية كاملة في الوقت الحاضر، وعلى سبيل المثال، يمكن لنسبة عالية من المؤتمرات والمفاوضات وتبادل الوثائق أن تستغني في المستقبل القريب بالتقنية الشبكية عن المؤتمرات التقليدية التي تتطلب السفر من بلد إلى آخر، مع ما يرتبط بذلك من تكاليف مالية باهظة، هذا علاوة على انتشار المعاملات المصرفية عبر الشبكة، ما بين الفرد والمؤسسة وما بين المؤسسات، وتقدر بعض البدايات الأولى في هذا القطاع - كما يقول مشروع للتعاون بين شركات كبرى لصناعة السيارات - اختصار النفقات بنسبة تصل إلى عشرين في المائة تقريبًا.
ولعل أهم الجوانب السلبية في هذا التطور أن الهوة الفاصلة بين الشركات العملاقة والمؤسسات المالية الضخمة، القادرة على توظيف التقنية الشبكية على مستوى عالمي، وبين سواها، ستزداد عمقًا واتساعًا خلال سنوات معدودة، ربما بأضعاف حجم الهوة التي نشأت بين الشمال والجنوب وبين الثراء والفقر داخل كل دولة على حدة، على امتداد خمسين عامًا مضت.
3 - على الصعيد الاجتماعي:
لا يمكن حتى الآن تقدير حجم التأثير الاجتماعي لانتشار التقنية الشبكية، ولا يكاد يوجد موضوع آخر تتفاوت الآراء ونتائج الدراسات بصدده قدر هذا الجانب ممّا يتعلق بالتقنية الشبكية، وهو ما يبدأ بوضع الفرد الذي خرج من عزلته الاجتماعية عبر الشاشة الصغيرة، إلى مدمن الشبكة على حساب علاقاته الاجتماعية، ومن وضع الأسرة التي ساهمت الشبكة في تقديم خدمات إضافية لها إلى قضايا الإباحية التي وجدت الأبواب مفتوحة عبر الشبكة إلى داخل البيوت.
والجانب السلبي الأكبر لهذا التأثير يتركّز على سرعته المذهلة، ويمكن تقدير أبعاده عند النظر فيما سبق وتركته التطورات التقنية السابقة في عالم الاتصالات من تأثير اجتماعي، كالبث الإذاعي، والبث التليفزيوني، والصناعة السينمائية، وأخيرًا الفضائيات، قبل أن تظهر الشبكة العالمية للوجود، وجميع ذلك مما احتاج انتشاره إلى عدة عقود، فأمكن - جزئيًّا على الأقل - أن تواكبه بعض الإجراءات الوقائية أو أن يتبعه العلاج لنتائجه بعد وقوعها، وهذا ما يصعب القول بمثله في مواجهة التأثير الاجتماعي للتقنية الشبكية، إذا بقيت ردود الفعل الوقائية والعلاجية بسرعة مماثلة لما كان حتى الآن، بينما تبلغ سرعة انتشار التقنية الشبكية وتطورها وتأثيرها الاجتماعي أضعافًا مضاعفة.
4 - على الصعيد التقني:
معظم ما ظهر من تقنيات سابقة كان يسلك طريقًا مستقيمًا إذا صح التعبير، يوصل في نهايته غالبا إلى تقنية أحدث، بدءاً بالآلة البخارية فولادة وسائل المواصلات الآلية، وانتهاء بوسائل الاتصال من الموجات اللاسلكية فما تلاها حتى البث عبر الأقمار الصناعية، بينما يكمن المضمون الأهم للثورة الإلكترونية في التقنية الشبكية في أنها فتحت أبواب التطوير على مستويين في وقت واحد:
- أحدهما ما يمثل طرقًا متوازية، تعتمد على التقنية الشبكية في مضاعفة تعاقب الإنجازات فيها بتسارع لا يمكن بعد التنبؤ متى يبلغ مداه الأقصى.
- ويمثل المستوى الثاني للتطور الجديد ما يوحي به شكل "شبكة العنكبوت" نفسها كما تقول التسمية العربية للشبكة العالمية، فقد فتحت التقنية الشبكية الأبواب أمام تشابك ميادين التطور بصورة غير مسبوقة، وإذا كان من العسير تقدير صورة ولو مبدئية عما يعنيه ذلك خلال سنوات معدودة، فيمكن رؤية نموذج "مصغر" عنه فيما تم تحقيقه في الوقت الحاضر، من ربط وسائل الاتصال الإلكترونية مع الوسائط المتعددة للبث بالصوت والصورة، أو بين الخدمات الشبكية عبر الحاسوب وتشغيل الأجهزة الكهربائية المنزلية وغيرها.
ويصعب في الميدان التقني بالذات القول بوجود إيجابيات وسلبيات، فتأثير التقنية الشبكية هنا تأثير تطويري، لا علاقة له بالسلبيات التي يمكن أن تنشأ عن توظيف ما يتم التوصل إليه لخدمة أغراض نافعة أو ضارة، وإن كان التأثير السلبي غير المباشر ظاهرًا في الميدان الاجتماعي على صعيدي التخصص والبطالة.
5 - على صعيد التأهيل والتوعية:
وهذا ما يشمل الميادين الثقافية والفكرية والتعليمية والإعلامية وما يشابهها، وما يعتبر في مقدمة المجالات التي وصل التأثير الشبكي إليها على أوسع نطاق خلال فترة وجيزة، وكانت التقنية الشبكية في الميادين التطبيقية وعلى النقيض من تقنيات سابقة، أسرع انتشارًا من أن يتم الإعداد لها مسبقًا بالأسلوب التقليدي للدراسات والتخطيط والتنفيذ ثم التعديل مع مجرى عجلة التطور. ويشير إلى ذلك على سبيل المثال القرار الأوروبي الآن أن يتم وصل سائر المدارس في الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي بالشبكة خلال العامين القادمين، بينما لا ينقطع الحديث في الوقت نفسه عن النقص الفادح في توفر الأسـاتذة والمعلمين المؤهلين للقيام بدور التأهيل العلمي والتدريب العملي للتلاميـذ. كذلك فتطور التقنية الرقميـة لنقل المعلومات، ضاعف خلال فترة وجيزة وسائل التأثير الثقافي والفكري عبر الأجهزة المعروفة سـابقًا كالتلفاز، وعبر الخدمات الشبكية ومراكز المعلومات، بصورة جمعت بين خطين متوازيين:
- أحدهما أن العاملين في ميادين الفكر والثقافة والإعلام، أقدر على مضاعفة إنجازاتهم والوصول بها إلى قطاعات أكبر من "المستهلكين" على قدر ما يوفرونه من قدرات ذاتية للاستفادة من الشبكة في متابعة ما يحتاجون إليه من مصادر، وكذلك في نشر إنتاجهم على نطاق واسع.
- ويتمثل الخط الثاني فيما يوفره المستهلك نفسه من طاقة على الاستيعاب من جهة، وقدرة على استخدام الوسائل التقنية الحديثة في الوصول إلى المعلومات المطلوبة من جهة أخرى.
وعلاوة على ما يسمّى "القرصنة الفكرية" فإن السلبيات المرافقة لهذا التأثير الإيجابي معروفة نسبيًّا، سواء في ميادين تيسير النشر دون تمييز بين الضار والنافع، والمفيد والتافه، أو في ميادين الوفرة الكبيرة من المعلومات إلى درجة استحالة الاستفادة منها دون توفر القدرة الفائقة على "الغربلة" والتصنيف.
نخلص مما سبق إلى:
متطلبات فاعلية التعامل مع الشبكة :
إن من وجوه التحدي الرئيسية في تعامل المسلمين مع التقنية الشبكية ما يتمثل في القدرة على الجمع بين عدة عناصر في وقت واحد:
1 - تجاوز التخلف التقني القائم جنبًا إلى جنب مع تجاوز التخلف المادي المانع من انتشار التقنية الشبكية.
2 - إيجاد التوازن الضروري بين الاستخدام الاستهلاكي للشبكة.. والاستخدام الإنتاجي والإبداعي المساهم في توفير خدماتها.
3 - الاستفادة من واقع استخدام الشبكة في البلاد المتقدمة على صعيدها لتوجيه استخدامها الناشئ في البلدان بما يوزان بين ميادين تأثيرها المتعددة ويدرأ السلبيات ما أمكن.
تابع في هذا المقال:
كاتب فلسطيني المولد (عكا) سوري الأصل، من مواليد 1947 م، ومقيم في ألمانيا منذ عام 1965م.
|