|
عند التأمل في ما تحقق حتى الآن من استخدامات للتقنية الشبكية عالميًّا في الدول المتقدّمة، يمكن أن نقرر ابتداء أن ما يواجه البلدان العربية والإسلامية والبلدان النامية عمومًا، يجمع بين ثلاثة عناصر محورية:
1- التحديات المرتبطة بواقع التخلف المادي المحض.. كالنقص في الشبكات الهاتفية وفي صناعة الحاسوب محليًّا.
2- التحديات المرتبطة بالتخطيط من حيث تحديد الأهداف والإمكانات والوسائل وضوابط التعامل التطبيقي معها.
3- التحديات ذات العلاقة المباشرة بالتقنية الشبكية واستخدامها؛ ليتم توظيفها بالأسلوب المناسب للغرض المناسب.
ومـن بين هذه الجوانب المتعددة لا غنى عن الشروع بالحديث من مدخل "الضوابط المطلوبة" في استخدام التقنية الشبكية، ولا يعود ذلك فقط إلى تأثير منطلقنا الإسلامي في التعامل مع مختلف القضايا ومن بينها قضية توظيف التقنيات الحديثة، وإنما يعود أيضًا إلى ما يستفاد من واقع مشهود في الميدان الشبكي في الدول المتقدمة شبكيًّا، فنحن عندما نقف عند أركان توفير الخدمات الشبكية، من معرفة وأجهزة، وتمويل، نجد أن عنصر "الضوابط" بالذات ومفعولها في الاستخدامات التقنية الشبكية، أصبح في مقدمة العوامل التي تلعب دورًا حاسمًا في البلدان المتقدمة، ليس بمعنى أن الضوابط أصبحت توجه الاستخدامات الشبكية، وإنما هو دور حاسم سلبًا وإيجابًا، فعلى حسب مدى توفر تلك الضوابط وسلامتها ومدى التمسك بتطبيقها أو إهمالها، يتأرجح عالم استخدام الشبكة في بلدانها المتقدمة حاليًا، ما بين تحقيق المنفعة من جهة ووقوع أضرار فادحة من جهة أخرى.
وكلمة الضوابط شاملة لجوانب متعددة قد يطغى بعضها على البعض الآخر، ومصادرها الرئيسية على الدوام:
أ - منظومة القيم من صياغة المعتقدات الدينية والتصورات العامة والالتزامات الأخلاقية.
ب - ومنظومة التشريعات التي تتشكل وفق هيكلية التقنين وسن الأنظمة في مختلف البلدان.
ج - وبنية العلاقات الاجتماعية التي تصنع الأعراف والعادات والتقاليد بغض النظر كونها متمسكة بالقديم أو مبتكرة للجديد، فحتى "خرق القديم" يُوجِد شكلاً بديلاً من أشكال تلك العلاقات، يصبح بدوره في حكم الأعراف والعادات وعند تقويم مفعول "الضوابط" بهذا المفهوم الشامل في ميدان التأثير على استخدام الشبكة، وعبر منظار استشراف التحديات الشبكية المرتبطة بواقع المسلمين ومستقبلهم، لا بد من مراعاة أمر جوهري، وهو اختلاف تعريف كلمات أساسية من قبيل المنفعة والضرر، فلكلمة "الضرر" مفاهيم تتفاوت بين مجتمع وآخر باختلاف منظور القيم. وليس مجهولاً أن "الضوابط" المعنية في المجتمعات الغربية المتقدمة أصبحت "ضوابط القانون والنظام" في الدرجة الأولى، وهذه عبارة عن تشريعات قانونية تنتجها لعبة المصالح والموازين المادية أولاً.. وهو ما أصبح في الأعم الأغلب على حساب منظومة القيم والعلاقات الاجتماعية، وبتعبير آخر:
- تشريع القوانين يتأثر بالمصالح المادية أولاً
- القوانين.. هي التي تحدد مشروعية تجاوز قيم قديمة أو عدم الأخذ بها وصناعة قيم بديلة ومشروعية جديدة لها.
- التشريعات القانونية الصادرة على هذه الأرضية هي مصدر "الضوابط" المعنية التي تعتبر معايير لتحديد نوعية استخدام التقنية الحديثة، وأين تسبب المنافع أو تسبب الأضرار.
إن ظاهرة تغييب معايير "المعتقدات والقيم والأخلاق" ومعايير "العلاقات الاجتماعية" واضمحلالها ناجمة في الدرجة الأولى عن "لعبة الظاهرة التشريعية" هذه، التي تواكب بنسبة طردية تطور المصالح المادية، مقابل تقليص المساحة الباقية لمنظومة القيم والعلاقات الاجتماعية بصورة مطّردة.
تمايز الرؤية الإسلامية لأضرار الشبكة
ونعود إلى مفهوم كلمة "ضرر" في المجتمعات الغربية، وتطوّره لنجد أن ما كان "ضررًا" اجتماعيًّا بالأمس القريب لم يَعُد كذلك في الوقت الحاضر، ولو وضعنا خطًّا بيانيًّا يصوّر تطور استخدام هذه الكلمة لوصف وقائع معينة من الحياة الاجتماعية، لوجدناه قد هبط هبوطًا متسارعًا مع تسارع التقدم التقني، أي مع تسارع ظهور "وسائل تقنية جديدة" يجري تسويقها وتسويق ميادين تطبيقية لها بأساليب التسويق المعروفة، ومع حملات تقنين جديدة إذا احتاج الأمر (كما نعاصر حاليًا ما يرتبط بتقنيات العناصر الوراثية وما يتفرع عنها) وهذا ما يستدعي تثبيت نتيجة أساسية، نحتاج على مستوى المجتمع الإسلامي إليها، في التعامل مع التحديات التقنية عامة، والشبكية المطروحة على بساط البحث، وهي:
ليس تطور القيم في مجتمع من المجتمعات، هو الذي يصنع وسائل تقنية جديدة تخدم الاحتياج الذاتي إلى قيم جديدة، إنما أصبحت صناعة الوسائل هي التي تضغط على السائد من القيم وتخرق ثوابتها، وتصنع البديل عنها بأسلوب الترويج للجديد وتسويقه في الدرجة الأولى.
هذا الذي نعتبره خللاً أساسيًّا في مسيرة التطور التقني والمادي، والذي ضيَّع التوازن بين معايير القيم ومشروعية المصالح، هو الذي أوصل على صعيد آخر إلى ازدياد الفوارق بين المجتمعات البشرية من حيث منظومة القيم السائدة في كل منها، ولا علاقة لذلك بطبيعة الحال بالقدرة المجردة أو عدم القدرة على صناعة وسـيلة تقنية حديثة أو ابتكار آلة صناعية جديدة؛ ولهذا أيضًا أصبح كثير ممّا يوصف بالضرر الاجتماعي الكبير وفق ثوابت المعايير الإسلامية في مجتمعاتنا الإسلامية، مثل الترويج لعلاقات جنسية غير شرعية، لا يوصف بهذا الوصف ولا يضعه التعامل اليومي في هذه المرتبة، في مجتمعات الدول الغربية المتقدمة على الصعيد الشبكي وسواه، ولا في إطار من ينطلق من تصوّرات مرتبطة بها داخل البلدان الإسلامية نفسها.
ولنتصوّر على سبيل المثال الحديث عن أن الإغراق في استخدام الشبكة يمكن أن يشغل عن الصلاة فيؤخرها عن وقتها، وهذا في نظر المسلم ضرر في دينه الذي يأخذ المرتبة المتقدمة في أولويات الدين، فالحياة، فالعقل، فالعرض، فالمال. مثل هذا الحديث لا مكان له في مناقشة الأضرار الشبكية في مجتمع غربي. ويسري شبيه ذلك على ما هو أبعد من هذا المثال بمراحل عديدة، مما أصبحت تعتبره التشريعات القانونية والأعراف الاجتماعية الجديدة في الغرب من قبيل الاستمتاع، أو الحريات الشخصية، أو التقدم الاجتماعي، وما شابه ذلك، ويندرج في عالم القيم في المجتمع الإسلامي ضمن إطار المحظورات والمكروهات وغيرها، وفق قواعد ثابتة معروفة، مثل لا ضرر ولا ضرار، وتحريم ما يضرّ بالإنسان وإباحة ما ينفعه، أو تحريم الخبائث وإباحة الطيبات.
والنتيجة بناء على ما سبق:
ينبغي فهم تعبير "الأضرار الاجتماعية" التي صنعها انتشار التقنية الشبكية في الغرب أو ساهم في مضاعفة انتشارها وأخطارها، فهماً يراعي أن هذا الوصف لا يستخدم بالمقاييس الغربية إلا على مجالات هي في منزلة "أفحش الموبقات" وأشدّها ضررًا وفق الموازين والمعايير الإسلامية.
ولا ينقطع الحديث في الغرب عن أضرار رافقت انتشار استخدام التقنية الشبكية وانتشرت بسرعة مماثلة لسرعتها، وبعض هذه الأضرار يشمل ميادين قد يختلف تقويمها باختلاف منظومة القيم كما سبق الحديث، وبعضها الآخر لا خلاف حول أصل اعتباره ضررًا وإنما حول الدرجة التي يقف عليها في سلم معايير القيم. ومن هذه الأضرار وتلك ما يمكن تصنيفه في واقع المجتمعات الغربية الراهن على النحو التالي:
1- على الصعيد الإباحي: توظيف الشبكة في الاعتداء الجنسي على الأطفال والناشئة لغايات مادية.. وهذا مرفوض بمختلف الموازين، علاوة على أغراض إباحية أخرى مرفوضة إسلاميًّا.
2- على الصعيد السياسي: توظيف الشبكة في خدمة العنصرية المتطرفة والإرهاب المنظم.. وذاك مرفوض باتفاق، بينما نجد إلى جانبه توظيف الشبكة بغرض "هيمنة سياسية" دولية، وذاك مرفوض إسلاميًّا.
3- على الصعيد الرسمي: توظيف الشبكة في أغراض التجسس على الأفراد والمؤسسات والدول.. وهو مرفوض من حيث الأساس، وقد يدور الخلاف على ما يطرح له من مبرّرات فحسب.
4- على الصعيد الأمني: توظيف الشبكة لتوجيه ضربات مؤثرة ماليًّا أو اقتصاديًّا عبر اختراق الحواجز الإلكترونية لتقنية المعلومات في الشركات والمؤسسات والدوائر الحكومية وسوى ذلك من المواقع المستهدفة بأساليب متعددة أشهرها الفيروسات الإلكترونية.. ثم تعليم صناعة السلاح واستخدامه لأغراض إرهابية ومحظورة عبر الشبكة، فضلاً عن مجالات أخرى يمكن أن تندرج تحت عنوان "الضرر" على حسب موقع الطرف المعني بها، ومنها الإعداد العسكري لتوجيه ضربات إلكترونية تشل القدرة الدفاعية عند العدوّ أو تسهّل توجيه الضربات العسكرية له.
5- على الصعيد الاقتصادي: انتشار صور عديدة من المحظورات عبر الشبكة، كالقرصنة الفكرية والجريمة المنظمة والاحتيال.. وجميع ذلك مرفوض عمومًا، ولكن لا ينبغي الوقوف عنده، بل ينبغي من المنطلق الإسلامي إضافة شكل آخر من أشكال الضرر على الصعيد الاقتصادي يتمثل فيما يساهم به استغلال التقنية الشبكية من خدمـة "عولمة منحرفة" لصالح شركات ومصارف مالية عملاقة، وعلى حساب العدالة الاجتماعية بمختلف أشكالها وفي مختلف مناطق العالم.
6- على الصعيد الاجتماعي: تأثير الشبكة على العلاقات الاجتماعية عمومًا، وظاهرة الإدمان الشبكي على وجه التخصيص.. وهذا موضع الرفض على اختلاف المنطلقات، إنّما قليلاً ما يضاف إليه الضرر المرتبط بعنصر "الهيمنة الفكرية والثقافية والفنية" اعتمادًا على استخدام التقنية الشبكية، ولا يستغرب أن الطرف القادر على ممارسة هذه الهيمنة في الوقت الحاضر، لا يصنّفها في خانة "الأضرار" المتفاقمة في استخدام التقنية الشبكية.
المهم مبدئيًّا هو تثبيت أن "أضرار" استخدام الشبكة موضوع مطروح في المجتمعات الغربية المتقدمة شبكيًّا أيضًا، وعلى وجه التحديد هو مطروح من زاوية "الضوابط" المطلوبة شبكيًّا، وهذا على النقيض من الانطباع العام السائد في بعض الكتابات المنشورة في الساحة العربية والإسلامية، والتي تصوّر أحيانًا تعامل الغرب مع الشبكة وتقنيتها وكأنّه تعامل مطلق دون أية قيود أو ضوابط، والأصح هو القول استقراء من الواقع المنظور، إن "الضوابط" المتوفرة والقائمة على القانون والنظام في الغرب، وبالتالي على مفعول المصالح المادية وموازناتها في الدرجة الأولى، عجزت عن منع وقوع أضـرار فادحة، علاوة على أنّها لا تستهدف أصلاً منع أضرار أخرى لا تُكافح ابتداءً لأنّها لا تُعتبر أضرارًا أصلاً بموازين صناعـة.
القيم الغربية المتبدلة، وكل مجتمع في حاجة إلى الضوابط المناسبة لتعريف الضرر لديه ووفق منظور أهله، والعمل على استخدامها للوقاية منه ولعلاج نتائجه إن وقع.
وقد يطرح في هذا الموضع السؤال، ما علاقة الحديث عن الأضرار المذكورة في المجتمعات المتقدمة شبكيًّا، بالحديث المطلوب تحت عنوان تحديات التقنية الشبكية بين أيدي المسلمين؟.. والجواب:
إذا كان للتخلف ميزة، فهي كامنة في توفر الفرصة لرصد ما يرافق مسيرة التقدم من أخطار وأخطاء وعثرات وأضرار والتي أصبحت من أسباب عرقلتها نتيجة الانشغال بمكافحتها، وبالتالي توفّر فرصة تجنبها مسبقًا بعد رصدها، بل إن الاستفادة من هذه الفرصة شرط أساسي لضمان مضاعفة "السرعة" الضرورية للحاق بركب التقدم، ويمكن القول: إن في مقدمة التحديات التي تواجهنا هو ما يرتبط بتوفير هذا الشرط كما ينبغي وفي الوقت المناسب.
تابع في هذا المقال:
كاتب فلسطيني المولد (عكا) سوري الأصل، من مواليد 1947 م، ومقيم في ألمانيا منذ عام 1965م.
|