|
| هل هؤلاء أتباع ابن لادن |
التساؤل الذي بين أيدينا واضح كل الوضوح؛ فقد تقدم الضابط الأمريكي جابلن محمد عبد الرشيد، أقدم المرشدين الدينيين المسلمين في الجيش الأمريكي، بطلب استفتاء حول مدى جواز مشاركة العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي في المهمات القتالية وسائر ما تتطلبه في أفغانستان وغيرها من بلاد المسلمين.
يقول في استفتائه: إن أهداف هذه العمليات هي:
-
الانتقام من الذين "يُظن أنهم شاركوا" في تدبير وتمويل العمليات الانتحارية التي نُفذت في الحادي عشر من سبتمبر ضد أهداف مدنية وعسكرية في كل من نيويورك وواشنطن.
-
القضاء على العناصر التي لجأت إلى الأراضي الأفغانية وغيرها، وإخافة سائر الحكومات التي تتساهل في إيواء أمثال هؤلاء، وتمكنهم أو تعطيهم فرص التمكن من التدريب على فنون القتال، والانطلاق نحو أهدافها في العالم.
-
إعادة الهيبة والاحترام للولايات المتحدة باعتبارها قطبًا عالميًا منفردًا.
ويختتم استفتاءه بقوله: "إن العسكريين المسلمين في الجيش الأمريكي -بفروعه الثلاثة- لا يقلون عن خمسة عشر ألفًا، وإنهم قد لا يتاح لهم -إذا لم يقبلوا المشاركة في العمليات القتالية المذكور- إلا الاستقالة، وفيها ما فيها في الظروف الراهنة". ويسأل أخيرًا: "هل يجوز لمن يستطيع منهم أن يطلب تحويله إلى الخدمات الأخرى غير القتال المباشر؟".
الملابسات الأساسية للقضية موضوع الاستفتاء:
كانت ملامح الصورة العامة المحيطة بموضوع الفتوى مشتملة على الحيثيات الآتية:
-
الظرف الأول: قد لا يكون في مقدور الجندي المسلم الأمريكي تجنب الاشتراك في الحرب الدائرة الآن على المسرح الأفغاني، ومن بعده أي من الأهداف العربية والإسلامية التي تقدِّر الولايات المتحدة أنها دول مساندة للإرهاب. هذا الظرف قدره كل العلماء الأربعة.
-
الظرف الثاني: أنه لم تثبت إدانة أي من الأفغان، ولا حتى أسامة بن لادن، بأي من التهم التي وجهتها إليه الإدارة الأمريكية بخصوص أحداث الحادي عشر من شهر سبتمبر من العام 2001.
-
الظرف الثالث: قد يكون من الضار بالجماعة المسلمة الأمريكية ككل أن ينكص الجندي المسلم عن المشاركة في هذه الحرب؛ حيث قد يظن المجتمع الأمريكي فيهم انعدام الولاء، ومن ثم يبرزون باعتبارهم طابورًا خامسًا، ويتكرس النظر إليهم باعتبارهم صفًا خائنًا من صفوف المجتمع الأمريكي؛ وهو ما يضر بحقوق عموم الجماعة المسلمة، ويضر باستقرارها في المجتمع الأمريكي، ويهدد مسيرة الدعوة الإسلامية داخل هذا المجتمع. وهذا الظرف قدره كل من الدكتور القرضاوي والدكتور العوا.
نظرة إلى المفتين وفتاواهم:
عُرض هذا الأمر على مجموعة من العلماء الأجلاء. وتصدوا معًا للإجابة على هذا الطلب الذي تقدم به السيد جابلن محمد عبد الرشيد، والذي أشرنا إليه سالفاً. وقد توجه العلماء والمفتون في إجاباتهم إلى ثلاثة توجهات:
التوجه الأول: عدم جواز المشاركة في إطار غياب أدلة إدانة دامغة مع احترام حقوق المواطنة:
وقد مثل هذا التوجه المستشار فيصل مولوي، ود. صلاح سلطان، وفضيلة الشيخ محمد الحانوتي، والدكتور طه جابر العلواني.
وهؤلاء العلماء يمثلون الجماعة المسلمة، ويعايشون المسلمين في الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة. ولا يستثنى منهم سوى المستشار فيصل مولوي. إلا أن هذا الأخير لا يبعد عنهم كثيراً إذ أنه نائب رئيس المجلس الأوربي للإفتاء. وكانت أهم ملامح هذا التوجه ما يلي:
-
بداية نجد العلماء المنضوين تحت هذا التوجه يكنون احترامًا بالغًا لمفهوم المواطنة، حتى في إطار تلك الحرب الدائرة في أفغانستان، والتي تقاتل فيها الولايات المتحدة – وهي دولة غير إسلامية – دولة إسلامية مثل أفغانستان.
-
أكد علماء هذا التوجه على أهمية مرجعية القيم الإنسانية التي أسس لها الإسلام وارتكنت عليها الحضارة الإسلامية، وعلى رأسها قيمة العدل بمعناها العام. فتأكيد فضيلة الشيخ محمد الحانوتي على جواز مشاركة المسلمين في هذه الحرب حال توفر دليل إدانة دامغ يدين أسامة بن لادن، ويدين الحكومة الأفغانية كحامية ومساندة له، هو تأكيد على محورية قيمة العدل الذي لا يجيز بأي حال من الأحوال التعرض للأبرياء عمومًا، مسلمين كانوا أو غير مسلمين، في أرواحهم ودمائهم أو أموالهم أو أعراضهم. ولذا أكد الشيخ على ضرورة إجراء تحقيق، والقبض على مرتكبي هذه الجرائم، ومن ساندهم بالمال والعتاد والخبرة. وقد استند كل علماء هذا التوجه أيضًا على نفس المبدأ في النظر لما تقترفه القوات الأميركية على الساحة الأفغانية. فعدم توفر أدلة دامغة يجعل من أفغانستان بلدًا معتدى عليه. وقد صرح المستشار فيصل مولوي بأن قتال الجندي الأميركي المسلم تحت لواء الجيش الأميركي ضد المسلمين في أفغانستان، وهم معتدى عليهم (وهذا بيت القصيد هنا) لا يجوز شرعًا.
-
كما عبر هذا التوجه بوضوح – أكثر من غيره – عن الرؤية الإنسانية التي راعاها الشرع في القيم التي أعلاها لتحكم الناس منذ بعث الرسول الخاتم وإلى ان يرث الله الأرض ومن عليها. فقيمة العدالة التي أكد عليها هذا التوجه لم تقتصر على منح العدالة للولايات المتحدة، أو للمسلمين الأميركيين الموجودين بها فقط، ولم تعن بالعدالة كل مسلمي العالم فقط، بل اعتبرت العالم كله، والإنسانية كلها موضوعًا لممارسة العدالة في تكوينها الإسلامي. فقد ذكر المستشار فيصل مولوي أنه: "لو هاجم الجيش الأميركي الصين أو اليابان أو أوروبا بدون قضية عادلة مصحوبة ببينة دامغة، لكان من واجب الجندي الأميركي المسلم ألا يشارك في هذا العدوان"، وأكد المستشار فيصل مولوي على أن القضية ليست دينية بالمعنى الطائفي، إنما هي قضية أن الجندي المسلم يقاتل دفاعًا عن الحقوق، ولا يعتدي على أي إنسان مهما كان دينه.
-
أكد الشيخ الحانوتي أن مشاركة المسلمين في الاقتتال الدائر جائزة بشرط توافر بينة قامت عليها إدانة لشخص ما أو جماعة ما أو دولة ما. وعلى الرغم من أن الدكتورين طه جابر العلواني وصلاح سلطان لم يؤكدا ذلك صراحة فإن هذا التوجه مفهوم فيما أفتوا به من عدم جواز الاشتراك إذا كانت الحرب غير عادلة. وشرعا في بناء بقية ما أفتوا به على هذا النحو بحيث انصرف د. صلاح سلطان للتأكيد على رأي الشرع في مسألة قتل النفس التي حرم الله تعالى قتلها إلا بالحق.
-
أكد د. صلاح سلطان أن الأصل في ذمة الإنسان البراءة، وهذا يقين لا يزول بالشك. ومن ثم لابد من التيقن عبر تحقيق قضائي، وإلا تعتبر الحرب على أفغانستان حربًا جائرة، لا يجوز المشاركة فيها.
-
أكد د. صلاح سلطان أن الضرر الخاص يتحمل لصالح رفع الضرر العام. ومن ثم فالعقوبة التي ستقع على الجندي الأمريكي المسلم لرفضه الاشتراك في حرب غير عادلة، هي -على أبعد تقدير- الرفت أو السجن المؤقت، وهو ضرر خاص يمكن تحمله لصالح رفع الضرر العام عن عموم المسلمين في أفغانستان، وتجنب قتل النفس التي حرم الله إلا بالحق. بل لقد أفتى المستشار فيصل مولوي بوجوب استقالة الجندي المسلم الأميركي في حالة إكراهه على الاشتراك في حرب ظالمة.
-
أجاز د. صلاح سلطان للمسلمين طلب العمل بالخطوط الخلفية من القوات العسكرية في حالة دفع الضرر.
-
طالب كل العلماء المنضوين تحت هذا التوجه الجنود الأميركيين المسلمين، والأميركيين المسلمين بالتعامل كمواطنين في الولايات المتحدة، واستخدام حقوقهم المترتبة على مواطنتهم في التعبير عن رفضهم للظلم. فالمستشار فيصل مولوي أكد على أن المواطن في أية دولة من دول العالم – ناهيك عن الولايات المتحدة – لا يُعتبر خائنًا، ولا يوضع موضع الريبة إذا ما عارض قرارًا خاطئًا لحكومته. ومن ثم فإن احتجاج المسلم الأميركي على هذه الحرب هو ضرب من المعارضة المشروعة التي لا ينبغي تحميلها أكثر مما تحتمل. وكذا دعا د. طه جابر العلواني المسلمين إلى ممارسة حقوقهم في رفض الحرب غير العادلة. وفي نفس الوقت أكد د. صلاح سلطان على أن الأولى بالمسلمين أن يشنوا حملة هدفها توضيح حقيقة الرسالة التي يحملها دينهم الحنيف، والتي تدين قتل الأبرياء، سواء داخل الولايات المتحدة أو خارجها.
التوجه الثاني: حرمة المشاركة:
وقد مثَّل هذا التوجه د. علي جمعة، ود. أحمد الريسوني. وقد رأى هذا التوجه عدم جواز الاشتراك في هذه الحرب.
وكانت جوانب فتوى هذا الفريق على النحو التالي:
-
النصوص الشرعية التي تحرم اقتتال المسلمين جُلَّها قطعي الثبوت؛ لأنها من آيات كتاب الله تعالى، وكلها قطعية الدلالة في مسألة تحريم تَقاتُل المسلمين، سواء منهم في الإثم القاتل والمقتول.
-
اتفق العالمان على ضرورة اعتذار المسلم عن المشاركة في الحرب التي تختصم فيها دولةٌ غير مسلمة دولةً مسلمة؛ مشيرين في هذا إلى أن الحالة القانونية للولايات المتحدة تسمح بمثل هذا الاعتذار. فإن لم يكن الاعتذار مستطاعًا فليقتصر الجندي المسلم على الأعمال الإدارية والإعاشية.
-
وصل الأمر بالدكتور علي جمعة مع قطعية ثبوت النص وقطعية دلالته إلى أن أفتى بوجوب استقالة الجندي المسلم من جيش الدولة غير المسلمة في حالة عدم استطاعته تجنب المشاركة في العمليات العسكرية.
-
أفتى الدكتور علي جمعة بأن اضطرار المسلم للاشتراك في هذه الحرب يجعله ملتزمًا بألا يقتل مسلمًا بسلاحه، وإلا إن قتل مسلمًا خطأ فعليه الدية والكفارة وإن قتله عمدًا حمل إثم قتل المسلم عمدًا.
-
أكد د. علي جمعة أن لا الدين ولا العقل يعتبران قياس قتال المسلمين للفئة الباغية على قتال المسلمين تحت لواء غير مسلم لإخوانهم المسلمين.
-
أنكر د. علي جمعة أن تتحول الروابط بين المسلمين إلى روابط تتأسس على نظرية الحدود الإقليمية، في حين أن الأساس في هذه الروابط تأسيسها على أخوة الدين الحنيف، ومن ثَمَّ ارتكانها إلى إيمان المسلم وطاعته لربه، مما فيه نصوص قطعية الثبوت والدلالة على هذه الأخوة.
-
أكد د. علي جمعة في حيثيات فتواه على أن ما يدور من حرب تقودها الولايات المتحدة ضد أفغانستان هو فعل يفتقر إلى العدالة، ويقوم على تحويل الشبهة المحضة إلى جريمة بغير نظر قضائي مترفع عن الانحياز، وبغير إدانة دامغة.
التوجه الثالث: جواز المشاركة في حالة توافر الضرورة:
ضم هذا التوجه كل من د. محمد سليم العوا، ود. يوسف القرضاوي، مع فروق ليست بالكبيرة.
وكانت المواقف الواردة في فتاواهم على النحو التالي:
-
اتفق العلماء الثلاثة على رفض الإرهاب، ووقفوا معا ضد من يحاول ترويع الآمنين، واستحلال دماء غير المقاتلين بغير سبب شرعي؛ لأن الإسلام حرم الدماء والأموال حرمة قطعية إلى يوم الدين. وإن كان هذا الموقف لا يمكن قصره على هذا الفريق وحده؛ لأنه يستند إلى أصول ثابتة بصورة قطعية، ولا يمكن لعالِم خبير بطرق استنباط الأحكام العملية من الأدلة الشرعية أن يقول برأي يخالف هذا الرأي، لكن نقدمه هنا لحرص علماء هذا الفريق على تقديمه بين يدي الفتاوى التي أفتوا بها.
-
اتفق العلماء الثلاثة على حرمة الاقتتال بين المسلمين بصورة قطعية، ولم يحاول تخفيف غلظة الحكم فيها سوى الدكتور محمد سليم العوا، الذي أشار إلى أن النصوص التي تحرم هذا الاقتتال تتناول الحالة التي يملك فيها المسلم أمر نفسه فيستطيع أن ينهض للقتال ويستطيع أن يمتنع عنه.
-
اعتبر العلماء الثلاثة حالة حمل الجندي المسلم لجنسية دولة غير مسلمة حالة تمثل استثناء على الحكم العام؛ لما قد يترتب على حمل هذه الجنسية من التزامات ولاء تتضاعف تبعاتها على الجندي المسلم بصفته خاضعًا للتقاليد العسكرية التي تتسم بالصرامة وتقتضي الطاعة.
-
اتفاق العلماء الثلاثة على أنه إذا جاز للجندي المسلم الذي يعمل بمؤسسة عسكرية في دولة غير مسلمة أن يتخلف عن حرب مع دولة مسلمة بأي وسيلة كانت مثل طلب إجازة، أو إعفاء من حرب بعينها، أو ما شابه ذلك من سبل التخلف، فإنه يجب عليه أن يسلك هذا السبيل، مع تأكيد العلماء الثلاثة على علمهم بأن القوانين العسكرية الأمريكية تسمح بتسهيلات من هذا القبيل، ولعل هذا راجع إلى التعددية العرقية التي تجعل الخبراء يصفون المجتمع الأمريكي -فيما يصفونه- بأنه مجتمع مهاجرين. وما لم يكن ذلك باستطاعة الجندي المسلم اللجوء لهذا البديل فيمكن لهذا أن يطلب الخدمة بالخطوط الخلفية باعتبارها أخف الضررين.
-
اتفق العالمان د. يوسف القرضاوي، ود. محمد سليم العوا على أنه إذا ترتب على اعتذار الجنود المسلمين عن هذه الحرب ضرر يعود عليهم أنفسهم كجنود، أو على الجماعة المسلمة في الدولة غير المسلمة التي يحملون جنسيتها فوجب عليهم آنذاك أن يخوضوا الحرب في صفوف القوات العسكرية لبلدهم غير المسلم ضد من يراه هذا البلد داعمًا للإرهاب.
والضرر المراد الإشارة إليه هنا هو تلك الصورة الذهنية السلبية التي سيتم رسمها للجماعة المسلمة وللجندي المسلم بالولايات المتحدة، والتي ستكرسها بالتالي وسائل الإعلام الصهيونية المعادية للجماعة المسلمة. وهذه الصورة ستمثل الأساس الذي سيبني المجتمع الأمريكي عليه نظرته للمسلمين، ومنهجه في التعامل معهم؛ وهو ما سيجعل وجود المسلم في الولايات المتحدة مهدداً، ليس على الصعيد المعنوي وحده، بل أيضًا على الصعيد المادي الذي قد يصل إلى حد تهديد وجودهم ذاته.
لكن أكد هذان العالمان على ضرورة استحضار نية إحقاق الحق وإبطال الباطل، ونية منع العدوان على الأبرياء أو الوصول لمرتكبي هذا العدوان لتقديمهم للعدالة. مع تأكيدهما على ضرورة الابتعاد -بقدر الإمكان- عن القتل المباشر.
لكن اعتبار هذه القواعد المتعلقة بالضرورة والمصلحة مصدراً لاستثناء الجندي الأميركي المسلم من القاعدة العامة الملزمة، التي حملتها النصوص الشرعية القاضية بحرمة تقاتل المسلمين، لم يجعل منها مصدر استثناء مطلق، بل أتى مقيدًا بشرطين شرعيين، هما:
مشكلة استحضار النية:
وهذان الشرطان الضابطان كانا إشكاليين أيضًا. فاستحضار نية تخلو من قتال المسلم أمر يحد من فاعلية المسلم في العمليات العسكرية الميدانية ضد المسلم الآخر. أما تضمين نية إحقاق الحق وإبطال الباطل فقد يؤدي دفع المسلم إلى مشقة أكبر. فهذه النية قد تكون مفهومة لو أن التحقيقات والإدانة الدافعة قد لفت أسامة بن لادن، لكن مع عدم ثبوت هذه الإدانة؛ كيف يتسنى للجندي المسلم انتواء السعي لإحقاق الحق، وإبطال الباطل؟
والسؤال الآخر هو: ماذا لو ثبت للعالم وللجندي الأمريكي المسلم أن هذه الحرب دعائية لتطمين الرأي العام الأمريكي وحسب؟ وكيف يبطل الباطل آنذاك؟ ثم ماذا لو تدخلت الولايات المتحدة لقمع حركات المقاومة العربية كحزب الله؟
وهناك السؤال الأخطر من هذا وذاك: حتى لو تمت إدانة أسامة بن لادن عبر تحقيق قضائي تتحقق له الحيدة والنزاهة والتجرد عن التعصب؛ فهل يمكن تطويع الإستراتيجية العسكرية الأمريكية لتلائم الأطروحة الإنسانية التي ترتضيها الشريعة وترتضيها الأنساق القانونية التي تحترم قيم العدل والمساواة؟
ولمزيد من التوضيح في هذه النقطة نقول: إن الحكم بالإدانة على شخص أو مجموعة من الأشخاص -صغرت أو كبرت- لا يعني أن تتوجه الولايات المتحدة لضرب الشعب الأفغاني كله. فلو أن نظام حكم معيناً قام بحماية مجرم دولي أثبتت التحقيقات إدانته فإن ذلك يقتضي تجريم هذا النظام. لكن هذا التجريم يقضي بمعاقبة النظام وحده لا معاقبة عموم الشعب معه.
وهذه القضية تستتبعها ضرورة مناقشة قضية التعددية والسلطوية من زاوية علاقتهما بمسؤولية الشعب بأكمله عن تصرف حكومته. فهذه القضية الآن من أخطر القضايا التي أدت إلى موت ملايين الأبرياء في دول مثل العراق، من بينهم أكثر من مليوني طفل، ولا بد من وقفة حيالها على صعيد الفكرين القانوني والسياسي، فضلا عن القانون الدولي.
وموجز القول في مثل هذه القضية أن مسؤولية الشعب عن الأفعال العلنية لحكومته لا تبرر ضرب هذا الشعب بأكمله على نحو ما يجري مع أفغانستان، ومن قبلها العراق. فمثل حركة طالبان جاءت إلى الحكم عن طريق حرب أهلية، ومن ثم فإن خطأها لا يبرر ضرب الشعب الأفغاني بأكمله، هذا بافتراض أنه قد ثبت بالدليل أنها ارتكبت جُرماً. كما أن نظام الحكم في العراق مستمر بمكانه بفضل تركيبة الحديد والنار التي يستعملها لإرهاب مواطني العراق؛ فكيف نستخدم العقاب ضد الشعب كله؟
فالشعب يكون مسؤولاً عن سلوكيات حكومته إذا كان مسلك النخبة الحاكمة لسدة الحكم هو الصوت الانتخابي الخالي من عوارض الاختيار الحر كالتزوير والإكراه وغيره من الصور التي تفقد بها الانتخابات نزاهتها. لكن حتى في حالة الحكومات الديمقراطية لا يجوز تحميل كل الشعب مسؤولية سلوك حكومته. فهذا الشعب فيه من عارض، وفيه من رفض قدوم الحكومة التي ارتكبت الجرم، ومن ثم فإن التعامل مع هذا الشعب من خلال منطق إطلاق الطيارين قذائفهم وقنابلهم من ارتفاعات شاهقة لا تمييز في إطارها بين مجرم وبريء، وبين مخطئ ومصيب، هذا الأسلوب هو من قبيل الاعتداء والإرهاب المرفوضين دوليا. والشريعة الإسلامية تعتبر من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض بمثابة قتل جميع الناس.
مشكلة المواجهة الميدانية:
وأما الإشكالية التي يثيرها الضابط الثاني فتتعلق بسلوك المسلم في الميدان. وهذه الإشكالية لا تقتصر على فتاوى التوجه الثالث، بل تصيب التوجهات الثلاثة التي لم تطور بعد رؤية مبنية على إدراك كافة الجوانب التقنية للحرب المعاصرة، بما يعنيه ذلك من اختلاف طبيعة الحرب، وخصائص الأسلحة التي تتسم بنطاق تدمير واسع لا يميز بين الأبرياء والمدنيين وبين المحاربين. فتحديد مفهوم الاشتراك في القتال لدى كل العلماء كان يستبطن مفهوم الحرب البرية التي قد تقتضي التحامًا مباشرًا بين الجنود. هذا ينطبق فقط في مسرح القتال على القوات الخاصة التي ستقوم بإنزال جوي بهدف التصفية أو خطف من أعلنت الولايات المتحدة أنهم مشتبه فيهم. فما الحكم الذي يثار بحق المسلمين العاملين في أسلحة أخرى كالطيران مثلاً؟ هؤلاء لن يكون لهم مفر إلا الامتناع عن الخدمة في حالة تضييق الخناق عليهم، وحالة هؤلاء الطيارين ذات طبيعة خاصة، فالأسلحة التي يحملونها تسمى أسلحة ذكية لها قدرة على التوجيه الذاتي، وإن كان هذا الذكاء لم يمنعها من إصابة المدنيين.
رئيس وحدة البحوث والتطوير بشبكة إسلام أون لاين
|