|
لنبدأ محاولة التمييز هذه من نقطة محورية؛ أي موقف كل من الخطاب الإسلامي القديم والجديد من الحضارة الغربية؛ فهذا الموقف هو الذي حدد كثيرًا من ملامحهما وتوجههما وأطروحاتهما. ويجب أن ندرك أن دعاة الإصلاح الأُوَلَ كانوا يتعاملون مع الحضارة الغربية في مرحلة مختلفة عن المرحلة التي نتعامل نحن فيها مع هذه الحضارة، فرغم أن النموذج العلماني (الشامل) هو النموذج الأساسي في التشكيل الحضاري الغربي الحديث منذ بدايته، ورغم أنه يشغل المركز في وجدان الإنسان الغربي الحديث ويشكل رؤيته إلى الكون، ورغم أن الحضارة الغربية الحديثة كانت قد اتضحت هويتها باعتبارها حضارة إمبريالية شرسة: إلا أنها مع هذا كانت تحوي قدرًا كبيرًا من الثبات والإيمان بالقيم المطلقة على مستوى الرؤية إن لم يكن -أيضًا- على مستوى الممارسة، كما كانت هذه الحضارة تدعي أنها حضارة إنسانية هيومانية متمركزة حول الإنسان، وكانت المجتمعات الغربية مجتمعات لا تزال متماسكة من الناحية الاجتماعية والأسرية، ولم يكن كثير من الظواهر المرضية التي تسم المجتمعات الغربية في الوقت الحاضر قد ظهر بعد، وقد يكون من المستحسن أن نتصور العلمانية (الشاملة) لا باعتبارها نموذجًا ثابتًا، وإنما باعتبارها متتالية آخذة في التحقق تدريجيًا في الزمان والمكان، فالحياة الخاصة كانت لا تزال بمعزل عن عمليات العلمنة، فكان الإنسان الغربي علمانيًا شاملاً في حياته العامة متدينًا ملتزمًا بأهداب الفضيلة وبالمنظومة الدينية المسيحية في حياته الخاصة؛ ولذا فالحضارة الغربية لم تكن حضارة علمانية مادية تمامًا، فالقيم (الدينية والإنسانية) كانت تلعب فيها دورًا واضحًا إيجابيًا؛ منحها قدرًا من التماسك والغائية.
وحينما احتك المصلحون الإسلاميون الأُوَلُ بهذه الحضارة فهم لم يحتكوا بحضارة علمانية بالمعنى الشامل، وإنما احتكوا بحضارة علمانية بشكل جزئي تمت علمنة بعض جوانب الحياة العامة فيه فحسب، ولم تكن الحلقات الأخيرة من متتالية العلمانية الشاملة قد تحققت بعد؛ أي أن كثيرًا من الظواهر السلبية التي نلاحظها بأنفسنا ونقرأ عنها في كتبهم وصحفهم ومجلاتهم، والتي أصبحت نمطًا ثابتًا وظاهرة محددة كانت مجرد حوادث متفرقة لا ظواهر دالة، ومن ثم كان من السهل تهميشها. علاوة على هذا لم يكن الخطاب النقدي الغربي للحداثة والاستنارة قد تبلور بعد، رغم تعالي بعض الأصوات، فالأدب الرومانتيكي الغربي على سبيل المثال هو في جوهره أدب احتجاج على كثير من جوانب الحداثة الغربية، وكتابات المفكر الإنجليزي "إدموند بيرك" وبعض المفكرين المحافظين تحتوي على إشارات لكثير من الموضوعات التي طوَّرها الخطاب النقدي الغربي فيما بعد، إلا أن مثالب الحضارة الغربية -سواء على مستوى النظرية أو على مستوى الممارسة- لم تكن مسألة واضحة بعد لدارسي ومراقبي هذه الحضارة. أما بالنسبة لحملة الخطاب الإسلامي الجديد فالوضع جدُّ مختلف؛ فمعظمهم قد تشكل فكريًا في الخمسينيات واحتك بالحضارة الغربية في الستينيات. ونحن نذهب إلى أن الحضارة الغربية دخلت مرحلة الأزمة في تلك الآونة، وأدرك كثير من مفكريها أبعاد الأزمة والطريق المسدود الذي دخلته منظومة الحداثة الغربية. (انظر: مقدمة لتفكيك الخطاب العلماني، أربعة أجزاء، القاهرة، ديسمبر 1997م). إن حملة الخطاب الجديد أدركوا من البداية الجوانب المظلمة للحضارة الغربية الحديثة التي أدخلت العالم في حربين غربيتين يقال لهما "عالميتين"، لأنهما جرّتا العالم بأسره إلى حلبة الصراع وأتون الحرب وتزايد إنتاج أسلحة الفتك والدمار حتى تبين للجميع أن هذه الحضارة قادرة على بناء قبر يكفي لدفن العالم (على حد قول رجاء جارودي).
وتزايد توغل الدولة القومية المركزية وتمكنت من الوصول إلى الجميع والتحكم فيهم من خلال أجهزتها الأمنية والتربوية. وتزايد تغلغل الإعلام في الحياة الخاصة للبشر، الأمر الذي زاد من تنميطهم، وتزايدت همينة قطاع اللذة على الجماهير، وهو ما أدى إلى تزايد الإباحية، كما تزايدت معدلات الطلاق بشكل لم يسبق له مثيل؛ وظهرت أزمة المعنى والأزمة المعرفية والأزمة البيئية، ولم يعد الاقتصاد الحر ناجحًا كما كان في الماضي. وفقدت التجربة الاشتراكية مصداقيتها. وظهرت الاتجاهات الفكرية المعادية للإنسان مثل الفاشية والنازية والصهيونية والبنيوية؛ وهي اتجاهات وصلت إلى ذروتها في فكر ما بعد الحداثة. ومع منتصف الستينيات تبلور الخطاب النقدي الغربي وأصبحت أعمال مدرسة فرانكفورت متداولة بين الكثيرين، فظهرت دراسات كثيرة في نقد فكر عصر التنوير في الغرب، وكان "ماركوز" بحديثه عن تنميط الحضارة الغربية والإنسان ذي البعد الواحد يبين أن ثمة خللاً بنيويًا في صميم الحضارة الغربية يتجاوز التقسيم التقليدي المتبع الذي يقسمها إلى حضارتين: واحدة اشتراكية والأخرى رأسمالية. وأعاد كثير من المؤرخين المراجعين كتابة تاريخ الحضارة الغربية ليبينوا حجم جرائمها ضد شعوب آسيا وأفريقيا وحجم النهب الاستعماري. وظهرت كذلك كثير من الدراسات التي توجه سهام النقد الجذري إلى نظريات التنمية، وكان لحركة اليسار الجديد إسهام في هذا المضمار. ولذا فسواء على مستوى الممارسة أو على مستوى الفكر لم يكن من الصعب على حملة الخطاب الإسلامي الجديد من دارسي الحضارة الغربية في منتصف القرن العشرين أن يعرفوا مثالبها، كما لم يعد بوسعهم أن يمارسوا ذلك الإعجاب الساذج بها، الذي مارسه الكثير من أعضاء الجيل الأول، فالحضارة الغربية التي عرفوها وخبروها مختلفة في كثير من جوانبها عن تلك الحضارة الغربية التي عرفها وخبرها ودرسها جيل الرواد. وشتان ما بين الخبرتين؟
تابع محاور الدراسة:
|