English

 

السبت. سبتمبر. 7, 2002

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » ثقافة وفكر

 

نص مشروع "خطاب إلى أمريكا"

Image

في الأوقـات الصعبة التي ترتفع فيها حدة المناداة بالحروب والانتقام تشتد الحاجة أيضاً إلى العقلاء والحكماء الذين يستطيعون أن يبينوا للقادة والساسة ممن يميلون إلى العنف ضرورة الرجوع إلى قيم كبرى في الحياة يمكن أن يجتمع عليها البشر في سبيل تخفيف غلواء الرؤى الأحادية والمشروعات الاستبدادية. 

لقد حوى A LETTER FROM AMERICA "بيان المثقفين الأمريكيين .. على أي أساس نقاتل ؟! " مؤشراً إيجابياً في هذه الأوقات الصعبة التي تشن فيها الحروب وتنطلق قوة السلاح محاولةً إسكات قوة الحكمة والمنطق، جاء البيان محاولة لفتح آفاق للحوار وأسباب للرجوع إلى القيم الإيجابية التي بدونها يصعب على البشرية أن تعيش على هذا الكوكب. 

وبما أن القضية مفتوحة والاحتمالات قائمة وموجهة إلى أكثر من جهة لمختلف الأسباب فإننا نشكر الرسالة الموجهة من ستين مثقفـاً أمريكياً لأنها طرحت الموضوع على بساط الفكر بدلاً من ساحة القتال أو بالموازاة معها، ولعل إشارتهم إلى المبررات الخلقية في الحرب يتيح فرصة طيبة لنا نحن المثقفين في بلاد العرب وديار المسلمين كي نقدم رؤية لم يقصد منها بالضرورة المناقضة لما في ورقة الأكاديميين الأمريكيين بل إنها في بعض الجوانب - على الأقل - تعتبر تجاوباً معها وتكميلاً لها . كما أننا نختلف معها في بعض الجوانب، ولا سيما في الأصول والمرجعية التي نرى أن الاتفاق عليها أسبق من الحديث عن القيم والسلوكيات .

تابع معنا محاور الخطاب:

لماذا نكره الحرب؟ .. الخسائر المتبادلة

إن أحداث 11 سبتمبر المأساوية خلفت أوضاعاً صعبة وتداعيات ذات أهمية على العالم كله وبخاصة على الولايات المتحدة الأمريكية التي كانت نقطة بداية الخسائر من أرضها حيث سقطت أرواح بريئة هناك وحيث كانت النتائج الأخرى نفسية ومادية فادحة، أما الخاسر الثاني وربما الأول أيضاً فهو العالم الإسلامي حيث كان المتهم الأول في أحداث سبتمبر أفراداً ينتمون إلى دين الإسلام، ونتيجة لذلك أصبح الإسلام متهماً وبشكل غير متعمد وربما لا شعورياً لدى كثير من الغربيين المثقفين ومن بعض عامتهم. وأصبح المسلمون متهمين مما دلت عليه بعض أحداث الاعتداء القليلة نسبياً لحسن الحظ - على بعض المسلمين في الولايات المتحدة وكذلك ما ورد على لسان بعض الساسة في أمريكا : تصريح ديك تشيني، أو في الغرب : برلسكوني أو البارونة تاتشر وما حفلت به الصحف من مقالات - ليست كلها موضوعية - ضد الإسلام والمسلمين أو بعض الفئات الإسلامية مما يدل على نوع الاشتباه إن لم نقل الحكم بالجرم علينا أضف إلى ذلك أن الفعل المادي : القتل والتدمير والترويع لمكافحة الإرهاب وقع على أرض شعب مسلم وتضرر منه كثير من الأبرياء لم يعرف عددهم بعد ينتمون إلى ديانة الإسلام وبدون شك فإن كثيراً من هؤلاء شيوخاً ونساء وأطفالاً لا علاقة لهم بما جرى في أمريكا وربما ذنبهم الوحيد أنهم وجدوا على أرض أفغانستان .

الكل خلق الله..

في هذه الأوقات الصعبة التي تمر بها الإنسانية من اعتداءات ومن تكتلات تسهم في إذكاء روح الكراهية والانتقام نؤكد على أهمية القيم وعلى التمسك بها باعتبارها الملاذ الآمن أمام الجور والبطش وسوء الفهم الذي تمارسه جماعات وأفراد وحكومات، ونؤكد على الحقائق الخمس التي وردت في البيان باعتبارها الحد الأدنى الـذي يمكن أن يحقق قدراً معقولاً من حياة آمنة كريمة لبني البشر، ولكننا نردها إلى من بيده الخلق والأمر فاطر السماوات والأرض الذي بيده ملكوت كل شيء وهو على كل شيء قدير موقنين بأن كل ذي عقل وقدر من الحكمة سوف يتقبلها طالما أنها من عند الله وليست من صنع البشر .

إننا نخاطب مجتمعاً هو بين مجتمعات الأرض اليوم الأكثر امتلاكاً وإدراكاً لمنتجات العصر، ومن البداهة أن هذه المنتجات من التعقيد ومن التطور بحيث تحتاج إلى ما يعين على فهمها وفهــم وظائفها وفهم سبل صيانتها والحفاظ عليها، ولا يكاد منتج منها يخرج إلا ومعه دليل استخدام وكتاب ضمان لبيان أفضل الطرق لأداء هذا المنتج على النحو الذي صنع من أجله.

ومن البداهـة أيضاً أن كل هذه المنتجات مهما بلغت درجة تعقيدها ودرجة تطورها إنما صنعها الإنسان ولا يزال الكل يطمح إلى تطوير وتجديد واختراع وآفاقٍ للمستقبل توحي بأن عصراً من التقنية ينتظر قدرات وإبداعات هذا المخلوق البالغ التعقيد والقدرات، أفلا يكون هو نفسه أولى من هذه المخترعات بما يساعده على أداء مهمته في حياته وبيان ما يحتاج إليه ليؤدي وظائفه على أكمل وجه ؟

والذي يؤمن بالخالق سبحانه وتعالى منشئاً وموجداً يحتاج كذلك إلى أن يؤمن به مدبراً ومصّرفاً، وكما أن صانع الآلة لا يتركها عبثاً يلهو بها من يتعامل بها كيف شاء، فكذلك صانع الإنسان لا يتركه عبثاً يمارس حياته بدون بيان وبدون دليل، ولذلك أنزل الكتب السماوية واختار من البشر أنبياءً ورسلاً يبلغونها ويشرحونها ويعيشون بينهم نماذج لأناس كاملين حتى تستقيم الحياة على هذه الأرض على الغاية التي أرداها لها خالق الحياة والناس والأرض والسماء .

 حديث في الحقائق والقيم.. من أين نبدأ ؟!

قيم عالمية.. لكل زمان ولكل مكان:

 إن الحديث عن القيم يقتضي الحديث عمن يضع القيم ومن يكون المرجع حينما يختلف الناس بشأنها، ذلك أن للناس قدراتهم ورغباتهم وأهواءهم وشهواتهم، ولو ترك الأمر لفريق منهم لصاغوا هذه القيم على ما يستطيعون أو على ما يريدون وأصبحت هنالك قيم شرقية وأخرى غربية وقيم أمريكية وأخرى أوربية وقيم شيوعية وأخرى رأسمالية دون احتمال للتوافق بينها، أما وقد اتفق أغلب الناس على أن هنالك خالقاً واحداً فيلزم أن يتفقوا كذلك على أنه وحده من يملك - وفقاً لمنطق الصانع والمصنوع - إصدار هذه القيم وكذلك المحاسبة على الالتزام بهذه القيم، يقول سبحانه في ( سورة الملك 67 الآية 14 ) :

" أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ "

ويقول أيضاً في ( سورة فاطر 35 الآية 28 ) :

" إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ غَفُورٌ "

 وحين نرجع هذه القيم إلى الخالق سبحانه فإن ذلك يأتي انسجاماً مع ما ورد في البيان الصادر من أمريكا والذي يشير إلى أن المجتمع الأمريكي هو الأكثر تديناً بين كل المجتمعات الغربية، ومن هنا فالحديث إلى مجتمع متدين ولكن بنسب متفاوتة بين الأمريكي على الخصوص، والغربي على العموم.

والتدين في الغرب تغلب عليه النصرانية ثم اليهودية وهاتان الديانتان يسمي الله سبحانه وتعالى أتباعهما في كتابه " القرآن الكريم " أهل الكتاب، وشرع لهم خصوصية في التعامل والخطاب والروابط الاجتماعية والأسرية في القرآن الكريم، ومن هنا فإننا نخاطب من هم أقرب إلى فهم وإلى تأمل، يؤكد ذلك قول الله سبحانه وتعالى في ( سورة العنكبوت 29 الآية 46 ) :

" وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ"

حين يكون الحديث عن القيم العالمية التي تحكم الكون كله يحسن إرجاعها لله خالق الكون كله، وحين يكون الحديث إلى مجتمع غربي يحسن إرجاع النصوص إلى الرب الواحد للدين الواحد الذي تلتقي عليه الديانات السماوية، وحـين يكون الحديث إلى نخبة الفكر والحكمة والعقل يحسن أن يكون هادفاً وهادئاً وموصلاً إلى نتائج وقد بني على مقدمات ومسلمات .

الحقائق الخمس: نظرة إسلامية

الأولى: الناس يولدون أحراراً متساوين في الكرامة والحقوق:

الناس كلهم خلق الله، والولادة تشكل نقطة البداية في طريق الحياة التي لا يمنحها إلا الله، ومن ثم فمانح الحياة هو مانح الحرية والمساواة للوافد الجديد، ثم ينمو وتنمو معه مداركه ومعارفه حتى يصبح للحرية شقها الآخر وهو المسئولية والالتزام وفقاً لمبدأ العمل والجزاء .

يقول الله عز وجل في ( سورة النساء 4 الآية 1 ) :

" يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراً وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً "

ويقول في ( سورة الحجرات 49 الآية 13 ) :

" يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ "

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع :

" أيها الناس، إن دمـاءكم وأموالكم عليكم حرام إلى أن تلقوا ربكم، كحرمة يومكم هذا، وكحرمة شهركم هذا، وإنكم ستلقون ربكم، فيسألكم عن أعمالكم "ويقول عليه الصلاة والسلام :

"إن الله أوحى إلىّ أن تواضعوا حتى لا يفخر أحد على أحد"

بل قد نادى بهذه القيمة الخليفة الثاني عمر بن الخطاب الذي تحول من مجتمع يؤمن بقيمة استعباد الآخرين إلى دين لا يقر العبودية إلا لله وحده في بيان حاسم إلى أحد ولاته :

" متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحراراً "

الثانية: الشخصية الإنسـانية أساس المجتمع ودور الحكومة حماية هذه الشخصية وفقاً لشريعة الله:

لقد جعــل الله لهذه الشخصية الإنسانية قيمة عالية تمثلت في استخلافه في الأرض وتعليمه ما لم يعلمه الملائكة وذلك تفضيل يستحق أن يعرفه كل إنسان ليشكر الله ويقوم بواجبه الإنساني النبيل، يقول سبحانه في ( سورة البقرة 1 الآية 30 ) :

" وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَــلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ، وَعَلَّمَ آدَمَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا "

ويقول سبحانه في ( سورة الإسراء 17 الآية 70 ) :

" وَلَقَـدْ كَرَّمْـنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً "

ويقول سبحانه في ( سورة النساء 4 الآية 58 ) :

" إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعاً بَصِيراً "

ويقول عليه الصلاة والسلام :

" كلكم راع ومسئول عن رعيته فالإمام راع ومسئول عن رعيته والرجل في أهله راع وهو مسئول عن رعيته والمرأة في بيت زوجها راعية وهي مسئولة عن رعيتها "

الثالثة: الغاية من الحياة والمصير:

خلق الله الإنسان ليعمر هذه الأرض ويقيم فيها العدل وينشر الخير ويحقق كل ما يمكن من عمل صالح وآثارٍ نافعة ابتغاء رضوان الله، يقول سبحانه في ( سورة العصر 103 ) :

" وَالْعَصْرِ، إِنَّ الإنسان لَفِي خُسْرٍ، إِلا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ "

بل إن الله وضـع للإنســان منهجاً كاملاً يضم أوامر ونواهي تستقيم بها حياته ويستدل بها طريقه وغايته وتلك كلهـا في حقيقتها هي العبادة لله، يقول الله في ( سورة الذاريات 51 الآية 56 ) :

" وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلا لِيَعْبُدُونِ "

ويعلم الحق سبحانه وتعالى عباده أنه كلما أصابتهم مصيبة من مصائب الدنيا أن يقولوا كما جاء في ( سورة البقرة 1 الآية 156 ) :

" إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّـا إِلَيْهِ رَاجِعونَ "

ويقول في ( سورة البقرة 1 الآية 281 ) :

"وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ"

بل إن الإيمان الذي لا يصاحبه عمل يصبح أمنية من الأماني التي لا تحقق في الحياة - الأولى والأخرى - ثمرة، والعمل الذي يخلو من الإيمان بالله والتوجه به إليه يصبح عبثاً لا يحقق لصاحبه رصيداً في الآخرة، وإن كان أقام به الدنيا وأقعدها في هذه الحياة الأولى، يقول سبحانه في ( سورة النساء 4 الآية 123 ) :

" لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً، وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً، وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً، وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً "

وقد حدد الإسلام مصير الإنسان منذ ساعة الاحتضار حتى يدخل الجنة أو النار في كثير من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وهذا هو المصير الحقيقي والمهم لآن الحياة كلها ما هي إلا مقدمة له ومزرعة للآخرة، وهناك تكون النتائج والحساب والربح والخسارة .

الرابعة: حق الإنسان في حرية الضمير وحرية الدين:

إن أثمن ما في الإنسان وجدانه وضميره إذ هما الجوهر وما عداهما فهو العرض الزائل، وقد يستعبد الناس بعضهم بعضاً ولكنه استعباد أبدانٍ لا استعباد وجدانٍ، فقد يمقت العبد سيده ويحقد عليه ويكنّ له كل عداء وإن تصنع له الطاعة وتكلفها، والله سبحانه حين جعل عباده أحراراً في ضمائرهم ودياناتهم إنما كان ذلك حتى يقبل الطائع مختاراً مستسلماً غير مجبر ولا مقهور لقوة خارجية، بل موقناً بأن ربه سبحانه هو وحده المستحق للحب والطاعة والإذعان حتى يباشر وظائفه في الحياة مستشعراً مراقبة الله محتسباً لله وحده أعماله وأقواله .

يقول سبحانه في ( سورة يونس 10 الآية 99 ) :

"وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لآمَنَ مَن فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُواْ مُؤْمِنِينَ"

ويقول سبحانه في ( سورة البقرة 1 الآية 256 ) :

" لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ "

ولذلك فهذا الحق ليس هبة من البشر بل هو صنع الخالق نفسه الذي أعطى الإنسان حرية داخلية لا يستطيع البشر الإطلاع عليها، وأوجب على البشر التعامل معها بالإقناع لا بالقمع .

الخامسة: القتل باسم الله:

الروح ملك للخالق سبحانه وتعالى وحده وليس لأحد من الخلق - بما في ذلك حاملها - أن يعتدي عليها تحت أي ظرف ولأي مبرر، والله عز وجل في غنى أن يقتل أحد أحداً لحسابه أو نيابة عنه إلا بما يقرره هو سبحانه، تحقيقاً لمبادئ العدل والمساواة التي أرادها الله أن تكون بين عباده في أرضه، ويترتب على ذلك أصل آخر هو ألا يقتل الناس بعضهم بعضاً تحت أي مسمى إذ أنه إذا كان القتل باسم الله هو اعتداء وظلم فمن باب أولى يعتبر كل قتل لأغراض اقتصادية أو سياسية أو توسعية أو انتقامية ظلماً مضاعفاً، وليس لأحد أن يبرر بأهوائه ورغباته الشخصية قتل الآخرين .

يقول الله في ( سورة المائدة 5 الآية 32 ) :

" مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً "

ويقول في ( سورة الأنعام 6 الآية 151 ) :

" وَلاَ تَقْتُلُواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ "

ويقول في ( سورة الإسراء 17 الآية 33 ) :

" وَلاَ تَقْتُلُـواْ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّهُ إِلاَّ بِالحَقِّ وَمَن قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَاناً فَلاَ يُسْرِف فِّي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُوراً "

وانطلاقاً مما تقدم فنحن نتبنى بدورنا الحقائق الخمس التي وردت في البيان ونعتبرها موروثاً إنسانياً مشتركاً بالإضافة إلى أنها من صميم موروث المسلمين الثقافي ويعتبر الاعتراف بها أساساً للتعايش البشري وهي ترتب حقائق أخرى لا تقل عنها أهمية وهي:

1 - كما أن الإنسان ولد حراً فهو كذلك ولد طيباً مسالماً وغير مدان " بخطيئة أصلية " ولهذا فإن المتهم بريء حتى يثبت ما يدينه وهو مبدأ أخلاقي سنته الشرائع السماوية والشرائع الوضعية.

2 - إن العدالة تقضي بأن الجريمة لا تتجاوز المجرم إلى غيره فلا يؤاخذ البريء بذنب المجرم سواء كان قريباً له أو جاراً أو مشتركاً معه في الجنسية أو الدين وهذا المبدأ إبراهيمي وتوراتي وقرآني حيث يقول الله سبحانه في ( سورة النجم 53 الآية 36 ) :

" أَمْ لَمْ يُنَبَّأْ بِمَا فِي صُحُفِ مُوسَى، وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى، أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى، وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى " .

3 - أن المساواة تحتم احترام سيادة الدول وذلك طبقاً لميثاق الأمم المتحدة سواء كانت صغيرة أو كبيرة واحترام اختصاصها في محاكمة رعاياها أو التحقيق مع من يوجد على أرضها يعتبر مبدأ ملزماً في العلاقات الدولية .

4 - أن قيمة حرية الضمير تقضي بأهمية تحديد بعض المصطلحات كمصطلح " الإرهاب " الذي إذا ظل بدون تحديد وبدون حدود لن نصل أبداً إلى تعريف الظالم من المظلوم ولا جانب الحق من جانب الباطل مما سيعود بالبشرية إلى عصور القوة العمياء .

5 - أن الشخصية الإنسانية تقضي بأنه لا يجوز لأفراد مهما كانت درجة الظلم الذي يعتبرون أنفسهم ضحاياه أن يعلنوا حرباً على العالم كما لا يجوز لدولة مهما كانت أهميتها أن تعلن حرباً على دول في العالم أو جماعات بدون ضوابط أو بدون أسباب مقنعة ومشروعة .

لهذا فنحن نكره الحرب لأنها تسبب أضراراً بشرية ومادية ونفسية ليست في صالح الســلام ولا التعـايش، ونعتقـد أنه بالإمكـان تجنب حروب كبيرة بشيء من التعاون الـدولي والشفافيـة ونزع فتيل الإرهاب ومعالجة جذوره وإنصاف المظلوم إلى جانب وسائل الردع المبرر المتفق عليها من قبل سكان الأرض جميعاً .

القيم الإسلامية:

قد يكون من المناسب أن ننبه إلى أنه لا يوجد تناقض كبير يؤدي إلى عداء إذا سمح لمبدأ التعددية الثقافية أن يتفق ليبلور تجانساً قائماً على احترام المميزات الثقافية لكل ثقافة فالاختلاف المتجانس سنة من سنن الكون فيقول الله سبحانه في ( سورة فاطر 35 الآية 27 ):

"أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهَا وَمِنَ الْجِبَالِ جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهَا وَغَرَابِيبُ سُودٌ، وَمِنَ النَّاسِ وَالدَّوَابِّ وَالأَنْعَامِ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ كَذَلِك"

ويقول سبحانه في ( سورة هود 11 الآية 118 ) :

" وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ "

إننا ممن يرى - كما ترى مقررات اليونسكو - ( إن من حق كل مجتمع أن يتبنى طريقة حياته الخاصة )، فالثقافة هي جمعيـة وليست فردية وهذا قد يكون أساس الاختلاف في نظرية " النظام العام " بين ثقافة وأخرى وحضارة وأخرى، ومع ذلك نرى ضرورة التحاور والتفاهم ليتبنى الجميع القيم الأفضل للجميع، وفي اعتقادنا الجازم أن الإسلام باعتباره دين البشرية وجوهر الرسالات كلها يعطي حلولاً كاملة لكافة المشكلات .

وإن الحقوق الطبيعية يراها الكثير من المسلمين حقوقاً ممنوحة من الله تعالى وإن كان الفصل الأول من الإعلان العالمي قد تجنب عن قصد الإشارة إلى الباري جل وعلا وإلى كلمة الخلق واكتفى بكلمة " وهبوا " دون أن يبين الفاعل الذي وهب الناس الحقوق !

إن الإسلام يدعو إلى الأخوة البشرية والتسامح والمحبة والوئام ونبذ الحروب ويكرم الإنسان بطريقته الخاصة وأسلوبه، ولعلنا نأخذ جميعاً بوصية النبي يعقوب كما جاءت في القرآن في ( سورة يوسف 12 الآية 87 ) :

" يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ "

فلا ييأس بعضنا من بعض وعلينا أن ندفع بالحوار إلى الأمام ليس بموازاة الحرب ولكن بديلاً عن لغة الحرب .

  عالم الواقع .. بيانات المكاشفة

ولقد تساءلنا كما تساءلتم عن سبب اختيار هؤلاء المهاجمين للولايات المتحدة على النحو الذي حصل وسمعنا منهم كمـا سمعتم ما لديهم من مبررات، وهنا تأتي الحاجة إلى أمثالكم من الحكماء والعقلاء الذين يبحثون عن الحلول للمشكلات الكبرى في الحياة ولا يتوقفون عـند أسباب يستخدمها البسطاء تبريراً للمزيد من المعاناة والآلام لبني الإنسانية، ومما لاشك فيه أن الجريمة لم تكن من أجل الجريمة فقط بل لابد لها من أسباب على الحكماء أن يبحثوا عنها ويظهروها للجميع .

كانت الحاجة إلى مثل بيانكم ومكاشفتكم ضرورية أيضاً في حادثة المبنى الفيدرالي في مدينة أوكلاهوما وما سبقها من حادثة ويكو - تكساس وما تبعهما من كشف لخطط تدمير كما أعلنت عنها في حينه وسائل الإعلام الأمريكية هي في شموليتها أشد ترويعاً لو حدثت مما قام به مهاجمو الحادي عشر من سبتمبر، وكانت تلك جميعها لمواطنين أمريكيين أقحاح هم نتاج الثقافة الأمريكية والديموقراطية الأمريكية والعقلية الأمريكية، ولا يزال أصحاب هذه الطموحات التدميرية يمارسون حياتهم اليومية ولا أحد يعلم ما يمكن أن يقوموا به، وإلى من قد ينسب العمل فيما لو قاموا به .

لقد أراد مؤسسو الولايات المتحدة الأمريكية أن يقيموها على أساس من حرية الإنسان وكرامة الإنسان وكان اختيارهم لهذه القيمة نابعة من التجارب القاسية التي مرت بها أوروبا بشكل خاص وهي التي هاجر منها المهاجرون هرباً من الاستبداد السياسي والديني وطمعاً في إنشاء مجتمع يقوم على الحرية والمساواة والعدالة، وهي قيمة نبيلة وتوجه سام، وإن كانت التجربة لم تسلم من ممارسات كانت في غاية الظلم والقسوة على أهل البلاد الأصليين من الهنود الحمر أو المستقدمين للاستعباد والسخرة من أفريقيا، ولئن كان هنالك نجاح كبير في التغلب على هاتين المشكلتين إلا أنهما لا يزالان جرحين غائرين في ضمير الإنسانية، ونحن جميعاً شركاء في هذه القيمة الاعتبارية إذ أننا كلنا أبناء آدم خلق الله .

ليست القيم السلبية للمجتمع الأمريكي التي وردت في البيان بشكل عابر جداً ومخفف جداً بدون تأثيرات كبيرة ومخاطر واضحة على بقية المجتمعات الأخرى، بل على بقية القيم الإيجابية للمجتمع الأمريكي التي توسع الموقعون في الحديث عنها، ذلك أن ما أشار البيان إليه من غطرسة وإهمال لبقية المجتمعات وقصور في الالتزام بما اخترتموه من مثاليات، إضافة إلى ما ذكرتموه مما يغلب على المجتمع الأمريكي من انتشار الاستهلاكية كمنهج حياة والحرية بلا ضوابط وتأليه الفرد وعدم الالتزام تجاه الآخرين وتجاه المجتمع وضعف روابط الزواج والعائلة وهيمنة وسائل اللهو إنما تعبر بحد ذاتها عن قيم سلبية بالغة الخطـورة من أبسطها الأنانية وتقديس الذات وعبادة المادة بحيث يغدو كل شيء مبرراً ومباحاً في سبيل الحصول عليها .

أما القيم الإيجابية التي وردت في البيان - بعد كل هذه القيم السلبية التي جاءت في شكل إشارات فقط - فإننا وكل الناس على هذه الأرض نحتفي بها معكم ونطالـب أن يتخذها كل الناس أساساً يطالبون به من يقوم على شأن من شئون الحياة، بل إننا ننظر إلى هذه القيم على أنها تراث إنساني له جذور في كل مجتمعات الدنيا على اعتبار أن الخالق سبحانه لم يترك خلقه بدون بيان بل بيّن لهم فحفظوا من هذا البيان شيئاً بقي لهم، وأضاعوا أشياء، فاستقامت لهم حياتهم بقدر ما حفظوا عن البيان الرباني .

فالكرامة الإنسانية والحقائق الأخلاقية العالمية والتحاور من أجل هذه الحقائق وحرية الضمير والدين كلها أجزاء من الوجدان الإنساني ومن الذاكرة الإنسانية، ولا يصلح أن تدعيها أمة من الأمم أو مجموعة من البشر بمعزل عن الآخرين بل وتذهب في ادعائها إلى درجة مصادرة التاريخ كله واعتبارها أول أمة في التاريخ تمارس نشاط تحديد هويتها على أساس من القيم الإنسانية العالمية إلا إذا كانت لا تعترف بالمسيرة الإنسانية الطويلة وإنجازاتها أو لم تعرف عن هذه المسيرة والإنجازات شيئاً .

إن الرسول محمداً عليه الصلاة والسلام وهو خاتم الأنبياء والمرسلين - والذي جاء الأول على قائمة المائة الذين أثروا في التاريخ في كتاب مايكل هارت - يشير إلى أنه إنما جاء متمماً لمن قبله في إشارتين صريحتين إلى أن القيم الإنسانية لا يدعيها أحد لنفسه إذ يقول عليه الصلاة والسلام " إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق " ويقول " مثلي ومثل الأنبياء كمثل رجل بنى داراً فأتمها وأكملها إلا موضع لبنة فجعل الناس يدخلونها ويتعجبون ويقولون لولا موضع اللبنة قال : رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنا موضع اللبنة جئت فختمت الأنبياء " .

والتكبر الذي يُعّرف بأنه بطر الحق وغمط الناس لا تنفع معه كل قيم الحياة، إذ هو هادم لها ومبرر لانتهاكها جميعاً، إنه الداء الذي يجعل المتكبر فرعوناً، كذلك الذي أفنى بني إسرائيل واستعبدهم وأفسد في الأرض، وتطاول حتى أدعى أنه الرب والإله، هذه هي علة الاستكبار التي ما لم يتخلص منها إنسان أو أمة فإن بقية القيم تصبح حينئذ مستباحة مهدرة، هذه هي السمة البارزة للنموذج الأمريكي التي أوردها البيان في أول عبارة له عند الحديث عن القيم الأمريكية، وكان جديراً بالموقعين أن يحولوا دون أن تصبح أمريكا بتكبرها وتعاليها فرعون القرن الجديد، لأن الاستكبار واحتقار الآخرين ليس تخلياً عن قيمة معينة، بل هو محبط لكل قيم الخير صغيرها وكبيرها، وليس أدل على ذلك من أن تطالب أمريكا بقيم أخلاقية كاتفاقية جنيف للأسرى واتفاقية حقوق الإنسان ثم تستبيحها، وتطالب بعولمة اقتصادية و إزالة عوائق تجارية ثم تنتهكها .

الإسلام مكمل لقيم الخير:

إننا نعتبر الإسلام والقيم الإسلامية جامعة لكل قيم الخير والصلاح والإصلاح لمسيرة البشرية الطويلة فالرسالة المحمدية الخاتمة قدمت نفسها مكملة للرسالات السماوية وليست مناهضة لها فما جاء به إبراهيم وموسى وعيسى عليهم السلام من الدين والقيم والأخلاق هو نفس ما جاء به محمد صلى الله عليه وسلم مع التفصيل وعموم الرسالة من القيم والأخلاق كما قال الله سبحانه وتعالى في ( سورة المائدة 5 الآية 46 ) :

"مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ".

لقد أثبت التاريخ أن الخلافة الإسلامية ولقرون عديدة كانت في عصور من النور والحرية والانفتاح الثقافي، في الوقت الذي كانت فيه أمم كثيرة تقبع في عصور من الظلام والجهل والتخلف، بل لقد شهد الكثير من المنصفين أن قرون النور تلك منحت من إشراقاتها وثمارها ما أذن بنهضة دينية ثم علمية وصناعية وإنسانية واسعة في الغرب وكان الجميع من مختلف الديانات والأعراق والألوان ينعمون بقيم الحرية والعدالة والمساواة في ظل الخلافة الإسلامية، ومن هؤلاء من كانوا في مواقع من المسئولية والإسهام في الحياة العامة في سابقة ربما لم تحدث حتى الآن عبر قرون طويلة لاحقة، وإن زيارة واحدة إلى إحدى المكتبات العامة تثبت ما أضافته تلك الحقبة إلى البشرية كلها في مجال الأخلاق والآداب والطب والعلوم والفنون، بل إن هذه الأمة لم تمارس في تاريخها الطويل حتى يومها هذا اضطهادات دينية أو تطهيراً عرقياً مما عرفته غيرها من الأمم، وذلك تراث يستحق النظر فيه والاستفادة منه والإشارة إليه، من أجل تكامل في بناء حضارة الإنسان .

إن ما أشار إليه البيان من الفجوات بين المثاليات والممارسات في المجتمع الأمريكي يسهم في تقديم تفسير ولو بشكل جزئي لازدياد الكراهية العالمية للسياسات الأمريكية ولارتفاع نسبة الجريمة في المدارس الأمريكية حيث تحتل النسبة المركز الثالث عالمياً وهما مشكلتان تحتاجان للتحليل والعلاج من أناس مثلكم، إذ أن العقل يلزم من يحتل مركز الريادة بين دول العالم ومن لديه رصيد " القيم الأمريكية " أن يكون أكثر مَن في الأرض تطبيقاً لقيمتي السلام والعدل وكلما ازداد التباين بين المفهوم والتطبيق كلما ازدادت الكراهية لدى ساكني الأرض وازداد الإحباط لدى النشء الأمريكي، لأن المبادئ منسوبة إلى أشخاص وربما كانوا هم أنفسهم القائمين عليها والمخالفين لها، أما حين تكون المبادئ منسوبة إلى الخالق وهو يحاسب عليها فإن الحال يختلف عند ذاك.

 وماذا عن الله ؟!! .. بحثاً عن المنهج

إن أسمى ما يمكن أن يصل إليه إنسـان في مسيرته في الحياة هو الإيمان بالله سبحانه وتعالى والالتزام بمنهجه، ولكنه سبحانه لم يأمر أحداً بقتل لمجرد بسبب عدم إيمانه بالله، بل إن القرآن الكريم يشدد على ضرورة تبليغ رسالته بالحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن والتلطف في الخطاب حيث قال سبحانه وتعالى في (سورة النحل 16 الآية 125) :

" ادْعُ إِلِى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَن ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُم بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ، وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلاَّ بِاللّهِ وَلاَ تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلاَ تَكُ فِي ضَيْقٍ مِّمَّا يَمْكُرُونَ، إِنَّ اللّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ ".

والله سبحانه وتعالى لم يأمر بالاعتداء حتى على الذين صدوا عن بيته الحرام إذ يقول في ( سورة المائدة 5 الآية 2 ) :

" وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَن صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَن تَعْتَدُواْ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ "

ويقول سبحانه في ( سورة المائدة 5 أيضاً الآية 8 ) :

" وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ "

وهو كذلك لا يأمر بالقتال انتقاماً شخصياً ولا طلباً لمكاسب مادية أو معنوية، سياسية كانت أو اقتصادية بل إنه سبحانه يحبذ الإحسان إلى غـير المعتدين من غير المؤمنين فيقول سبحانه في ( سورة الممتحنة 60 الآية 8 ) :

" لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ "

وإن أمر الله بقتال فإنما هو في إطار محدد من غير تجاوز ولا اعتداء، فيقول سبحانه في ( سورة البقرة 1 الآية 190 ) :

" وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ "

ويقول سبحانه في ( سورة البقرة 1 الآية 193 ) :

" وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلاَ عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ "

ويقول سبحانه في ( سورة البقرة 1 الآية 194 ) :

" فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ "

وليس لأحد كائناً من كان أن يجـبر أحداً بعد ذلك على الإيمان بالله أو أن يلزمه بشكل من أشكال العبادة لأن الله سبحانه لا يتقبل عبادة جاءت خوفاً من أحد غيره أو حباً لأحد غيره فيقول سبحانه في ( سورة المائدة 5 الآية 27 ) :

" إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ "

ويقول سبحانه في ( سورة الأنعام 6 الآية 162 ) :

" قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ، لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ "

ويقول سبحانه في ( سورة الكهف 18 الآية 110 ) :

" فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاء رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلاً صَالِحاً وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَداً "

وقد سُئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء فقال " من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله " وما كان الجهاد في سبيل الله إلا فريضة وتكليفاً لا عملاً تطوعياً يمارسه الناس كيف شاءوا وكما شاءوا، بل هو عمل منظم تقوم به دولة في ظروف معينة حين لا يكون من سبيل إلا القتال الذي هو صورة واحدة من صور عديدة للجهاد بمعناه الكبير والواسع، يقول سبحانه في (سورة البقرة 1 الآية 216):

" كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ "

ويقول سبحانه في ( سورة الحج 22 الآية 78 ) :

" وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمينَ مِن قَبْلُ"

الإسلام هو جوهر الرسالات السماوية التي جاء بها الأنبياء والرسل من آدم عليه السلام ومن بعده من أنبياء ورسـل ومنهم نوح وإبراهيم وموسى وعيسى و محمد عليهم جميعاً صلوات الله وسلامه، يبين الله سبحانه ذلك في ( سورة الشورى 42 الآية 13 ) :

" شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَـا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ "

وبقوله سبحانه في ( سورة البقرة 1 الآية 133 ) :

" أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَـهَكَ وَإِلَـهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَـهاً وَاحِداً وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ "

وحقيقة هذا الدين الإذعان لله رباً وإلهاً والعمل الصالح النافع للإنسان ولبقية المخلوقات من حوله، ويتأكد هذا حين تقوم في الناس حكومة عادلة تتميز بشفافية عالية، ومتى قام في الأرض الحق والعدل أمن الناس على معتقداتهم وأموالهم وأعراضهم، وحسابهم بعد ذلك على الله عز وجل، وفي هذه الحال ينحسر الشر وينتشر الخير ولا يوجد مجال لأرضية ينطلق منها أشرار فالعدالة توحد الناس على الحفاظ عليها والشفافية تكشف مغالطات من يبحثون عن إثارة الفتنة، وهذا ما تفتقر إليه الأرض كلها اليوم .

بل إن القيم التي نحن بصددها كما جاءت من عند الله تحفظ الحقوق كاملة لكل مخلوقات الله سبحانه فللبيئة حقوقـها وللحيوان حقوقه وللإنسان رجلاً وامرأة وطفلاً حقوقه على أساس يصبح الاعتداء فيه على حق من هذه الحقوق موضع مساءلة من الخالق سبحانه ويصبح للإحسان جزاؤه الذي لا يضيع ممن يعلم الغيب والشهادة .

 حرب عادلة؟!

ونحن اليوم نقلب صفحات التاريخ نرى أمامنا العديد من الحروب التي خلفت وراءها خسائر في الأرواح ودماراً في الممتلكات وأحقاداً وضغائن وجراحات تعاني منها البشرية قروناً طويلة، نشاهد هذه الآثار المؤلمة ونرى اليوم أن الكثير من هذه الحروب قامت لمآرب شخصية وأهواء في نفوس القادة الذين ربما وجدوا عند إعلان القتال من يزين لهم ويبرر لهم عدالة كل حرب وسلامة مقصدها حتى يلتئم الشمل على داعي الحرب ويقبل الجيش مبتهجاً بعدالة الحرب، ربما لو تكلم التاريخ لذكـر لنا أسماء من كانوا يرددون في سمع هتلر و موسوليني ونابليون و هولاكو وصدام وكثيرين غيرهم بمن فيهم قادة الحروب الصليبية عبارات التأييد بعدالة الحرب وشرعيتها وسمو غايتها ويضربون لهم الأمثلة من التاريخ القريب والبعيد وكلما أمعن القائد في القتل أمعنوا في التأييد والدفاع عن الحرب حتى تهلك الأرض ويعم الخراب ويكاد ينطبق على هؤلاء قول الله سبحانه في ( سورة البقرة 1 الآية 204 ) :

" وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ، وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ، وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ"

إن البيان الذي نحن بصدده صادر عن نخبة يمثلون قمة الفكر والأخـلاق في المجتمع الأمريكي ممن يعلّمون الآخرين الالتزام ومنهجية التفكير وسلامة التحليل ولذلك كان المتوقع منهم أن ينظروا إلى القضية بما تستحقه من الشمولية ومن الحكمة والمنطق دون الوقوف عند كلمات تصلح لأهل السياسة والمصالح القريبة، إن الأمر يقتضي تعريفاً دقيقاً غير نظرياً لمصطلح الحرب العادلة وما يترتب عليها وما هي حدودها كما أن البيان خلا من الإشارة إلى ما أطلق عليه الساسة الإرهاب والإرهابيين واستبدل البيان بهم الإسلاموية والإسلامويين الراديكاليين دون تعريف دقيق لهذين المصطلحين أو للمصطلحين الذين انتشرا على أفواه الساسة وأسقطهما البيان، إذ أن التعريف يضع إطاراً عاماً للمفهوم يشمل كل حالة ينطبق عليها التعريف حتى يمكن علاج المشكلات في كل مكان وزمان .

لماذا تستخدم القيم رديفاً ثقافياً للقرار العسكري والسياسي بإعلان الحرب ؟ وما هي مرجعية موقعي الخطاب في إعلان الحقائق الخمس مبرراً لحرب غير محددة المعالم ؟ إنها قيم جميلــة وتصلح لأن تغدو حلماً في عالم اليوم الذي يموج بالظلم والانتهاكات، ولا تصلح مبرراً لإعلان حرب ولا لتبرير استمرارها أو التوسع فيها، ولماذا يتم اللجوء إلى القيم لبيان عدالة حرب بعد شهور من بدايتها وقصفها لقرى بأكملها وإبادتها لأرواح آلاف لا شأن لهم بأمريكا وربما لم يكونوا يعرفون عنها أي شيء، وإن كان الحديث عن قيم فيحسن أن يبحث عن تلك التي صمدت لأكثر من أربعة عشر قرناً وكانت أساساً لكثير من التقدم والمسيرة الإيجابية للحياة.

لقد جاء الخطاب على ثلاثة محاور هي القيم الأمريكية والله والحرب العادلة ولو قرنت هذه المحاور في جملة واحدة لكانت " حرب عادلة باسم الله من أجل القيم الأمريكية " !! أذلك ما يريد الموقعون على البيان أن يقولوه فجاءت العناوين الثلاثة وحُشدت القيم والحقائق الخمس لتظهر أن لأمريكا في هذه الحرب مطلب عدالة وإن خالفت قيم الأخلاق ؟!

الإسلاموية الراديكالية .. تمثال الحرية ينتقي

إن الغلو والتطرف يمثل نظرة ضيقة إلى عالم القيم وإلى قيم العالم، تصل بحاملها إلى التحاكم إلى السلاح وهو أمر مرفوض من العقلاء والحكماء ومن الشرائع السماوية التي تدعو إلى التسامح والصفح وإلى الحوار لتسوية الخلافات الإنسانية والاختلافات التي هي من سنن الكون والتي تنجم عن تباين في القيم كما تنجم عن المظالم التي ينزلها بعض الناس ببعض لتأثير مصلحة أنانية أو قومية وقد كنا نفضل بدلاً من "الإسلاموية" وصف التطرف الذي يمكن أن توصف كل مجموعة بالمواصفات السابقة سواء مسلمة أو مسيحية أو يهودية أو هندوسية.

إننا نخشى أن يكون مصطلح الإسلاموية الذي أشار إليه البيان وسيلة وذريعة لإنتاج شيء آخر في أمريكا أصطلح على تسميته بـ " إسلاموفوبيا " كراهية الإسلام والمسلمين العشوائية كراهية لا تميز بين من يحمل السلاح وبين من يحمل القلم، تصور حجاب المرأة المسلمة وعمامة العالم تهديداً للحضارة الغربية وتحاكم النوايا وتضيق ذرعاً باختلاف طرق الحياة وتشن حروباً إبادية على شعوب إسلامية، وتتنكر لحق المقاومة الإسلامية في صد العدوان في كثير من البلاد، إن الغلو والتطرف قد يكون نتيجة لتأويل جامح للنصوص الدينية واستنجاداً بها لتبرير أعمال بعيدة كل البعد عن هذه النصوص .

وهذا التطرف موجود بين المسلمين - وهم أقلية لحسن الحظ - كما أشار إليه البيان مشكوراً ولكنه موجود عند أصحاب الديانات الأخرى فالصهيونية عندما تبرر طرد وتشريد شعب من أرضه وإحلال شعب مكانه باسم حق إلهي موعود منذ ألفي سنة أليس ذلك هو التطرف الذي يستنجد بالدين لتبرير أفعال همجية والدين منها بريء .

ومع كل عبثية هذا التأويل فبعض الموقعين يرون أنه بالإمكان الوصول إلى نصف عدالة والقبول بنصف ظلم وذلك بأن يكون للفلسطينيين حقوق متساوية مع الإسرائيليين الذين احتلوا الأرض وطردوا منها أهلها .

لم يتحدث البيان عن الخطوات التي ينبغي للأمم المتحضرة التي تمتلك أدوات العصر ثقافةً وسياسةً وسلاحاً وإعلاماً أن تتخذها من أجل إقامة عالم يسوده السلم والعدل والحرية، بعيــداً عن الحروب و الانتقامات، ذلك أن التاريخ يعلمنا أن الحرب لا تلد إلا الحرب والانتقام لا يلد إلا الانتقــام، وأن القوة الحقيقية هي في ضبط النفس والالتزام الأخلاقي الذي يجبر الآخرين قريبهم وبعيدهم أن يقفوا موقف المؤيد المناصر، يقول الله سبحانه في ( سورة الشورى 42 الآية 40 ) :

" وَجَــزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْـدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ وَيَبْغُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ أُوْلَئِكَ لَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ " وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ "

ماذا لو سبق هذا البيان بيان إلى العالم كله قبل أو بعد الحادي عشـر من سبتمبر يدعو المجتمع الدولي - انطلاقاً من القيم الأمريكية في نشر السلم والعدل - إلى نصر الفلسطينيين الذين تحصدهم الطائرات الأمريكية والمروحيات الأمريكية والأموال الأمريكية، عائلات فيها النساء والشيوخ والأطفال يلقى بهم إلى الشارع أو تهدم بيوتهم عليهم، مزارع تجرف وتقام عليها المستوطنات، خرق واضح وصريح لكل القيم الإنسانية على العموم والقيم الأمريكية على الخصوص، وانتهاك للقرارات الدولية ومخالفات لمواثيق الأمم المتحدة، والبعض يعتبر كل مقاوم للاحتلال إرهابياً أو إسلاموياً بلغة البيان الجديد، لو صدر بيان كهذا ينصف هؤلاء المظلومين المقاومين للاحتلال لجعل كثيراً من الناس على هذه الأرض يشهدون بأن في القيم الأمريكية روحاً ولها جنوداً من العلماء والحكماء والمفكرين .

إن تمثال الحرية القائم على مشارف نيويورك ينتقي كما يعلم العالم كله من يفد إلى أمريكا ويرد كثيرين، وأمريكا كانت ولا تزال بحاجة شديدة إلى وافدين ليعملوا وينافسوا ويحققوا ناتجاً قومياً أفضل، أما فلسطين فلم تكن في يوم من الأيام بحاجة إلى محتلين يتوافدون من شتى بقاع الأرض ليقيموا دولة على أرض ليست أرضهم ويطردوا الفلسطينيين من أرضهم وبيوتهم، إن ذلك يخالف القيم الأمريكية ويناقض مبدأ الحرب العادلة، فلماذا لم ينتفض تمثال الحرية غضباً لاحتلالٍ أحرق قرى بأكملها وشرد قرى أخرى وأقام وضعاً شاذاً في الكرة الأرضية ؟

ثم هل سيغفر التاريخ دماء الأبرياء الذين هدمت عليهم منازلهم في أفغانستان و حصدتهم القنابل الذكية وغير الذكية وزلزلت أراضيهم القاذفات الإستراتيجية حتى غيرت المعالم واختلطت الجثث بالركام وفقد الآلاف أرواحهم وتشرد عشرات الآلاف في حرب طرفاها أكبر قوة على وجه الأرض وأفقر أمة على وجه الأرض في مشهد هو المأساة كلها عنفاً وغطرسة وتكبراً ؟

وهنا تبدو الحاجة ماسة إلى بيان واضح وصريح من أشخاص لهم ثقل الموقعين على هذا البيان ليذكّروا بأن معاهدة جنيف لمعاملة أسرى الحرب لعام 1949م تنطبق على المعتقلين - الذين يختطفون في هذه الحرب - حتى تكون عادلة وفقاً للبند الرابع من المعاهدة، وكذلك المواد الثانية عشرة والثالثة عشرة وحتى الخامسة عشرة وكذلك في الباب الثاني منها، وأن مـا يتعرضون له في قندهار أو على السفن الحربية الأمريكية أو في معتقل جوانتانامو في جزيرة كوبا هو هتك صريح لمعاهدة جنيف وللقيم الأمريكية وكذلك للدستور الأمريكي، مثل هذا البيان إن صدر عن الموقعين سوف يلـزم القادة العسكريين بأن يتصرفوا وفقاً لمعايير أخلاقية بعيداً عن الانتقام الأعمى الذي لا يعرف حدوداً ولا يلتزم مبدأً ولا يراعي ضميراً .

 لماذا أمريكا؟ .. ترويج مثقفي الحرب

ونحن نعتقد أن ما سماه البيان موقف الكراهية من أمريكا لا يرجع إلى قيم أمريكية مهما كانت سلبية وإنما يرجع إلى سلوك معين تجاه الآخرين يترجم إلى سياسات محددة تضر مادياً ومعنوياً بحقوق الآخرين أو ما يعتبرونه حقوقاً فالصيني قد لا يرضى بموقف أمريكا من تايوان ودول العالم الثالث وفنزويلاً ودول البترول قد يغضبون من تدهور قيم التبادل التجاري بين أمريكا وبينهم، والدول الأوربية قد تغضب من أمريكا لأنها تفرض سياسات في المجال الزراعي ومنها مشكلة الموز وغيرها . إن الناس يغضبون من سياسات وليس من قيم . والفلسطيني ومن يتعاطف معه : العرب والمسلمون قد لا يرضون عندما يجد الفلسطيني نفسه تحت وابل من أسلحة الدمار والتي تهلك البشر وتدمر المنازل والمزارع وهو يدرك أن الأسلحة المستعملة هي أسلحة أمريكية وعندما يراجع قائمة الفيتو الطويلة التي تستعملها أمريكا ضد كل قرار للأمم المتحدة يدعو إلى حمايته من البطش اليهودي فإنه بطبيعة الحال سيتساءل ما الذي فعلت لأمريكا حتى تعاملني مثل هذه المعاملة وسيغضب وتغضب له الإنسانية وقد يصل به اليأس والغضب إلى أن تفجر امرأة نفسها بالقدس .

أين هي المثل الأمريكية والقيم الأمريكية وأين بيان الاستقلال الأمريكي ؟ حتى أولئك " المجانين " الذين أشار إليهم البيان لا يمكن أن يبغضوا أمريكا من أجل قيمها أو من أجل دينها فسويسرا مثلاً والدانمارك وغيرهما من دول أوربا التي لها نفس القيم لم تسمع أن أحداً يبغضها.

ليس غريباً أن يصدر هذا الكلام عن سياسي لترويج سياسته فيدعي أن الناس يكرهون أمريكا لقيمها ولكن الغريب أن يصدر عن جماعة من المثقفين يفترض فيهم أن يكونوا في قمة النزاهة والإطلاع أيضاً على الحقائق .

نؤكد لكم أنه لا توجد مشكلة مع القيم الأمريكية العامة لذاتها بل مع سياسات أمريكية وفي نفس الوقت نؤكد معكم أن كل المظالم الحقيقية والمزعومة لا تجيز الاعتداء على برجي التجارة الدولية وأن الاعتداء عليهما يعتبر ضرباً من الجنون ولكن عندما نتحدث كمثقفين فعلينا أن نضع الحقائق أمامنا وأمام الشعب الأمريكي وأمام ضمير الإنسانية وأمام التاريخ .

حين يرتفع النداء بالمساواة الإنسانية على كل تراب، وأن بني آدم كلهم إخوة في الحقوق والواجبات في إطار الإنسانية العام، وأن كل ظلم وعدوان يقع في أي زاوية من الأرض يتصدى له القادرون من الطيبين من البشر يصبح للحرب العادلة معنى متعارف عليه وينتظر الناس حينئذ حرب النصرة هذه ليقفوا معها ويؤيدوها بابتهالاتهم وأموالهم وأنفسهم، أما حين تكون الحرب العادلة مقصورة على فئة دون فئة، أو مجتمع دون مجتمع، أو أرض دون ارض، فإنها تكون ضرباً من التفرقة ولوناً من ألوان التظالم بين الناس، بل وتكون مبرراً لانحرافات وتجاوزات تتوارثها الأجيال ويدفع أبرياء ثمن تصرفات ومواقف يقوم اليوم من يبررها ويوضح عدالتها تحت ضغط مشاعر نفسية أو انتخابية أو عنصرية، ثم يكشف التاريخ فيما بعد أنها كانت حرباً لا عدالة فيها ولا غاية لها إلا تحقيق مآرب كانت في أذهان قادتها ومؤججي لظاها .

متى تكون الحرب عادلة؟

إننا نتبنى كثيراً مما قيل عن الحرب العادلة فالإسلام كالشرائع السماوية لا يجيز الاعتداء على الأنفس البريئة فلا يجيز قتل غير المقاتل أو شيخاً كبيراً أو امرأة أو صغيراً أو رجل دين أو أجيراً في الجيش أو مزارعاً أو حيواناً ولا قطع شجر مثمر كل ذلك مثبت في الوصايا النبوية ووصايا الخليفة الأول أب بكر الصديق .

وهناك آيات من القرآن الكريم تشير إلى أنواع من الحرب العادلة تحدد غايتها وشروطها فيقول الحق سبحانه في ( سورة الحج 22 الآية 39 ) :

" أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ، الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ "

هذه الآية تشير إلى جماعة طردوا من ديارهم وأرضهم بسبب دينهم ومنعوا حريتهم الدينية فيدافعون عن بيعهم إذا كانوا نصارى وعن صوامعهم إذا كانوا يهوداً وعن مساجدهم إذا كانوا مسلمين .

النوع الثاني:  ( سورة البقرة 1 الآية 190 )

" وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ "

   وفي هذه الآية قتال ضد عدوان لكن لا يجوز أن نتجاوز في الرد ما تدفع به العدوان عنك.

النوع الثالث: ( سورة النساء 4 الآية 75 )

" وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا "

فهذا قتال لإنقاذ المستضعفين المضطهدين الذين يبحثون عن مخلص فالحرب العادلة هي دفاعية تدافع عن حرية الإنسان عن أرضه المغتصبة هي حرب ضد الظلم . وهي في القرآن كما في الكتب السماوية والحرب بين داود وجالوت والتي وردت مفصلة في القرآن الكريم إنما كانت لطغيان الأخير .

فهذه أنواع الحرب العادلة . والقرآن يمنع منعاً باتاً التجاوز والاعتداء ويدعو إلى الصفح والتسامح يخاطب القرآن النبي صلى الله عليه وسلم في (سورة النحل 16 الآية 126):

" وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ "

فلا أحد ينازع أمريكا في حقها في الدفاع عن نفسها ولكن يدعوها إلى التزام الأخلاق والقيم الأمريكية والشرائع السماوية والنظم البشرية في تحديد المجرم والابتعاد عن التعميم في التجريم وعدم محاكمة النوايا والبحث عن جذور الظلم ومحاولة إزالة المظالم لإيجاد عدالة تقريبية ( نصف عدالة ) في القضايا التي تكون أمريكا طرفاً فيها .

ونحن نؤكد أننا نحن الموقعين لسنا أعداء لأمريكا بل إن البعض منا درس في الجامعات الأمريكية وكان يمضي إجازته في أمريكا وله أصدقاء أمريكيون وفي بعض الأحيان له مصالح في أمريكا وقد يحزن عندما يتدهور سعر الدولار .

وإذا وضعنا القضية " الصهيونية " بين قوسين فإن العالم الإسلامي في تقديرنا هو حليف موضوعي - إلى حد ما - لأمريكا فقد كانت بعض الدول الإسلامية أول معترف باستقلال أمريكا وكانت بعض الدول الإسلامية من أهم الحلفاء ضد الشيوعية وهو موقف تتبناه شعوبها من منطلق نفس المبادئ الدينية التي ينظر إليها اليوم بشيء من الريبة .

وماذا بعد؟.. بيانات المطالبة

إن مبادرة الموقعين على البيان بإعلانه تستحق الشكر والتقدير، من جهة أنهم بذلك يفتحون باباً واسعاً لحوار يهدف إلى دعوة أصحاب العقل والضمير وأصحاب القدرة على تحقيق عالم يسوده التفاهم والرغبة في تحقيق أعلى قدر ممكن من التعايش السلمي خاصة وأن وسائل الاتصال والمواصلات تتطور بشكل يجعل من الضروري أن يثمر ذلك كله سلاماً لا حرباً، وتقارباً لا تنافراً، وبناءً لا تدميراً، واستثماراً في أجيال تشكر الآباء على القيم الجميلة التي حفظوها لهم وتركوها تراثاً إنسانياً نبيلاً .

كم هو ضروري أن يصدر بيان يطالب الحكومات بالسعي إلى :

1 - تبني قيم العدل والحق والسلام والمصداقية حتى تقطع بذلك الطريق أمام احباطات الممارسات التي تخالف المبادئ، والانتهازية التي تغلب في كثير من البيئات السياسية .

2 - تعريف دقيق محايد لكل المصطلحات التي يثير استخدامها معالجات متباينة تبعاً لأهواء الفرق المختلفة في مواقع المسئولية .

3 - تفعيل القرارات الصادرة عن منظمات دولية حول الحقوق الثابتة لأقليات أو شعوب تعرضت للظلم والعدوان ومن أولئك الشــعب الفلسطيني، ومنع فرض قيم بشرية على بقية البشر أو على مجتمعات بعينها في سابقة احتلال فكري في القرن الجديد .

4 - محاربة كل أنواع العنف الذي يقع من الإنسان على أخيه الإنسان، والجريمة المنظمة و الاتجار بالمخدرات والنساء والأطفال، وغسيل الأموال، والسعي الدؤوب في التوعية بأضرار هذه الجرائم على الإنسانية وحضارتها وقيمها.

 - محاربة الفقر عبر نشر المعرفة و تحفيز التعليم وحث الناس على العمل النافع، والاقتصاد في الإنفاق، وتوجيه بعض الفوائض في المجتمعات المتقدمة إلى المحتاجين في المجتمعات الأقل تقدماً تطبيقاً لمبدأ التكافل والتعاون .

6 - توجيه وسائل الإعلام والاتصال لبناء مجتمع عالمي يسوده التفاهم بإنتاج البرامج التي تتبنى القيم الصالحة لنشرها وترويج الوسائل التي تسهم في بناء اجتماعي إيجابي بين شعوب الأرض بعيداً عن الغطرسة والأنانية والتعالي، والحد من السلبيات التي تولد الأحقاد والكراهية .

7 - إنشاء نواة هيئة عالمية للحوار الحضاري من أجل إنسانية تتمتع بالسلام والعدالة يكون الموقعون عليها أصحاب مواقف نزيهة وأقلام حرة وأفكار مستقلة.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم