English

 

السبت. مارس. 25, 2000

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

الأهلية السياسية للمرأة وصلاحيتها للولايات العامة

الولايات العامــة للمرأة

هبة رؤوف عزت

Image

تعريف الولاية العامة ومفهومها:

لم تورد كتب السياسة الشرعية ولا كتب الفقه معنى محدّداً للولاية العامة، رغم تناولها للولايات عامّها وخاصّها، وقد عرّفتها بعض الكتابات الحديثة بأنها: "سلطة تعطيها الشريعة لشخص أهل لها تجعله قادرًا على إنشاء العقود والتصرفات، نافذة من غير توقّف على إجازة أحد"[21]، في حين رأتْ كتابات أُخرى أنها: "السلطة الملزِمة في شأن من شئون الجماعة كولاية سَنّ القوانين والفصل في الخصومات وتنفيذ الأحكام والهيمنة على القائمين بذلك"، وهو ما يميزها عن الولاية الخاصة التي هي: "سلطة يملك بها صاحبها التصرّف في شأن من الشئون الخاصة بغيره كالولاية على الصغار والأموال والأوقاف وغيرها"[22].

ويختلف مفهوم الولاية عن مفهوم "الوظيفة"؛ حيث إن الولاية سلطة شرعية تستمدّ قوّتها من الشرع، ولا يتدخّل في زوالها هوى أو غرض، بل يحدّدها الشرع بحدود واضحة وما اختُلِفَ فيه يُرَدّ لله ورسوله، أما الوظيفة فتستمد قوّتها من الدولة ذات السيادة العامة، وعليه فإن متولّيها مقيّد بالتزام ما تضعه له الدولة من أُطُر وقوانين، ويخضع زوالها لهذه القوانين أو للمصلحة العامة أو لهوى موليها[23].

سمات الولايات العامة والولايات العامة كالولاية الكبرى (الخلافة) والقضاء والحسبة وولاية الشورى وغيرها تدخل جميعًا في الواجبات الكفائية[24]، وتتّسم بالسِّمات التالية:

  1. أمانة ومسئولية:

    - إنها ليست منصبًا يُسعى إليه، بل هي أمانة ومسئولية كما قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم - لأحد صحابته: "لا تَسأل الإمارة فإنك إن أُوتِيتَها عن مسألة وكلت إليها، وإنْ أُوتيتها من غير مسألة أُعِنْتَ عليها"[25]، كما قال -صلى الله عليه وسلم- لأبي ذر حين قال له: "يا رسولَ الله ألا تستعملني؟"، فضرب بيده على منكبيه، ثم قال: "يا أبا ذر.. إنك ضعيف، وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا مَن أَخَذَها بحقّها وأدّى الذي عليه فيها"[26].

  2. مرتبطة بالأهلية الخاصة:

    إن الولاية يشترط فيها - بحكم كونها من الواجبات الكفائية - الأهلية الخاصة كما سبق توضيحها في أنواع الأهلية، والتي وصفها ابن تيمية بأنها تقوم على قاعدتين: القوة، والأمانة، "فالقوة في كل ولاية بحسبها"، والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي عليه الكتاب والسنُّة، وإلى القدرة على تنفيذ الأحكام، والأمانة ترجع إلى خشية الله، فإذا كانت الحاجة في الولاية إلى الأمانة أشدّ قُدِّم الأمين، وإن كانت الحاجة للقوة والأمانة جمع بين المصلحتين، وهكذا في سائر الولايات إذا لم تتم برجل واحد جمع بين عدد، فلا بد من ترجيح الأصل أو تعدد المُولى إذا لم تقع الكفائية بواحد تام. والمهم في هذا الباب معرفة الأصلح، وذلك إنما يتم بمعرفة مقصود الولاية ومعرفة طريق المقصود، فإن عرفت المقاصد والوسائل تمّ الأمر[27] فالأمر منوط بالأهلية، لذا فإنه لا يرتبط برغبة الفرد بل بقدرته، ولا يولى من سأله أو حرص عليه[28].

  3. ملتزمة بالشريعة وأحكامها:

    إن أولياء الأمور ملزمون بالشريعة وأحكامها، ويجب صدور القرارات التي تتصل بأداء النظام العام وقواعده والمعاملات المختلفة من خلال آليات الشورى، وترتبط طاعتهم بمقدار التزامهم بالشرع[29]؛ إذ لا طاعة في معصية الله، "إنّما الطاعةُ في المعروف"[30]. و"إذا قضى الحاكمُ بجورٍ أو بخلافِ أهل العلم فهو ردّ"[31].

تابع في نفس الدراسة:


[21] حول تعريف الولاية لغوياً وشرعياً وقانونياً انظر:

- محمد الحسن حسين الشرفي"ولاية المرأة في الإسلام: بحث مقارن" رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، كلية دار العلوم، 1987، ص 87 - 91.

[22] عبد الحميد إبراهيم بركات أبوسعدة، "مركز المرأة في الشريعة الإسلامية وحق توليتها القضاء" رسالة ماجستير، جامعة الأزهر، كلية الشريعة والقانون، 1987، ص 37.

[23] محمد الحسن حسين الشرفي، مرجع سابق، ص37.

[24] انظر على سبيل المثال:

- أبو الحسن الماوردي، الأحكام السلطانية والولايات الدينية، مراجعة محمد فهمي السرجاني، القاهرة: المكتبة التوفيقية، 1978،ص 5، 23.

[25] صحيح البخاري، كتاب الأيمان والنذور، باب قوله تعالى: (لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم)، جـ8، حديث 6622، ص 525.

- صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله، جـ11، حديث 7146/7147، ص 132 - 133.

[26] صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب كراهة الإمارة بغير ضرورة، جـ12، ص 206 - 210.

ويلاحظ في هذا الصدد اختلاف الرؤية الإسلامية عن الرؤية الغربية التي تؤسس تولي المناصب على القوة السياسية، مما يجعل تولي المناصب العامة مؤشرًا يستخدم في دراسة مكانة المرأة في معظم الدراسات الحديثة.

انظر على سبيل المثال:

- د. سهير لطفي، "المرأة العربية والتغيرات الاجتماعية والثقافية"، القاهرة: اليونسكو1988، ص 155

-156.

- Medhat M. Abul Nasr, the Political Participation of Egyptian Women, Cairo. Institute National Planning, 1989, p.5: Vicky Randall, Women & Politics. London: The MacMllan Press L.t.d., 1982, pp.69-75.

[27] تقي الدين أحمد بن تيمية، "السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية"، بيروت: منشورات دار الآفاق الجديدة، ص 15-21.

[28] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب من لم يسأل الإمارة أعانه الله، جـ13، حديث 7149، ص134.

صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب النهي عن طلب الإمارة والحرص عليها، جـ12، ص27.

ولاحظ بشأن مسألة أن "القوة في الولاية بحسبها" أن الرسول رغم عدم توليته لأبي ذر عندما سأله في الحديث سابق الذكر لأنه "ضعيف"، إلا أنه قد ولاه في موضع آخر؛ إذ استعمله على المدينة حين خرج وأصحابه في غزوة ذات الرقاع، وهو ما يدل على أن ضعفه لم يكن فطريَّا بل نسبي إلي الولاية. حول هذه الواقعة انظر:

- الحافظ بن كثير، البداية والنهاية، بيروت: مكتبة المعارف، د.ت، جـ4، ص83.

[29] انظر:

- عبد الحميد أبو سليمان، "مفاهيم في إعادة بناء منهجية في الفكر الإسلامي"، القاهرة: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1989 ، ص 57 - 58.

[30] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية جـ12، حديث 7144؛ ص130. صحيح مسلم، كتاب الإمارة، باب وجوب طاعة الأمراء في غير معصية، جـ12، ص 226-227.

[31] صحيح البخاري، كتاب الأحكام، باب إذا قضى الحاكم بجور أو خلاف أهل العلم فهو ردّ، جـ13، حديث 7189، ص193.

ويلاحظ أن كثيرًا من الكتابات الإسلامية المعاصرة التي تناولت خصائص القيادة قد ذكرت الالتزام بالشرع في معرض الحديث عن العبادة الفردية كأحد أساليب التنمية القيادية في الرؤية الإسلامية، في حين لم تذكر الشورى كإحدى الخصائص اللازمة للقيادة في المنظور الإسلامي، انظر على سبيل المثال:

- بدرية إبراهيم أسد إبراهيم وعائشة عبد الله الجاسم، الدور القيادي الإسلامي (مع رؤية لنظريات القيادة)، قطر: دار الثقافة، 1987، ص 29-51.

- جاسم بن محمد بن مهلهل الياسين، القيادة: الأسباب الذاتية لتنمية القيادية، الكويت، دار الدعوة، 1989، ص 41 - 87.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم