English

 

الأحد. مارس. 11, 2001

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

القرآن وأهل الكتاب

قضايا شائكة في العلاقة مع أهل الكتاب

سيد دسوقي حسن

Image

  1. القتال المشروع في القرآن:

    يقول تعالى: "وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين * واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأخرجوهم من حيث أخرجوكم والفتنة أشد من القتل ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلوكم فيه فإن قاتلوكم فاقتلوهم كذلك جزاء الكافرين * فإن انتهوا فإن الله غفور رحيم * وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين * الشهر الحرام بالشهر الحرام والحرمات قصاص فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم واتقوا الله واعلموا أن الله مع المتقين" (البقرة: 190 - 194).

    ويقول تعالى: "أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير * الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا ولينصرن الله من ينصره إن الله قوي عزيز" (الحج: 39 - 40).

    ويقول تعالى: "وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والنساء والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها واجعل لنا من لدنك وليًّا واجعل لنا من لدنك نصيرًا * الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت فقاتلوا أولياء الشيطان إن كيد الشيطان كان ضعيفًا" (النساء: 75،76). باختصار شديد، شُرع القتال في الإسلام لأمرين:

    • التحرير.

    • منع الفتنة.

    وفي مجال التحرير يأتي الرد على الاعتداء على الأرض والنفس والمال، وتحرير الشعوب من الطواغيت، سواءً أكانوا من المحتلين أم من المستكبرين الذين يستذلون الشعوب ويقهرون الضعفاء من الرجال والنساء والولدان، ويسخرون الأمم لشهواتهم وحماقاتهم.

    وفي مجال منع الفتنة يأتي منع إجبار الناس على اعتناق ما لا يريدون من الديانات والأفكار، ومنع إجبارهم على ترك ما يؤمنون به منها، ومنع دفعهم بالأذى والتعذيب والقتل ليفتنهم عن عقائدهم. ومن الأذى في هذا المجال أن يُمنع عباد الله من حرية ممارسة شعائرهم، والمسلمون مطالبون بأن يدافعوا عن حرية الآخرين في إقامة شعائرهم حتى من الديانات الأخرى، وجَعَلَ دفع الله للمسلمين بالطغاة هدفاً أساسياً من أهداف الاجتماع الإنساني؛ حتى تبقى دور العبادة عامرة بروادها، يقول الله تعالى: "… ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرًا" (الحج: 40).

    وذلك كله من أجل "وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله…" (البقرة: 193)، أي أن يتوجه كل مخلوق إلى ربه من غير شريك طاغوتي وبحرية تامة لا يشوبها أي إجبار، فلا إكراه في الدين.. ومن ناحية المصطلحات؛ فإن القتال جزء من الحرب، والحرب جزء من الجهاد . القتال هو الجزء الذي يتواجه فيه الخصمان من غير خفاء، أما الحرب؛ فهي أشمل من ذلك، ولها أساليبها الظاهرة والخفية، وقد لا يكون فيها قتال. أما الجهاد؛ فهو عملية استعداد دائم قبل الحرب وأثناء الحرب وبعد الحرب. وأهم ما في الجهاد أن النية الفردية فيه على مستوى الفرد، والنية الجماعية على مستوى الأمة، والنية الرسمية على مستوى الدولة كلها، في سبيل الله وابتغاء مرضاته، وليست للعلو والإفساد. فالله تعالى يقول: "تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوًّا في الأرض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين" (القصص: 83).

  2. الجــــزية:

    يقول تعالى: "قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" (التوبة: 29).

    وقد نقل "محمد أسد" في ترجمته تفسير الأستاذ الإمام "محمد عبده" لهذه الآية ونلخصه فيما يلي: "هناك (من) الذين أوتوا الكتاب قوم لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر، ومن ثم فانتسابهم لأهل الكتاب انتساب كاذب. ثم تمضي الآية فتقول "ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق"، فإذا كانوا لا يؤمنون بالله واليوم الآخر، فما معنى لا يحرمون ما حرم الله ورسوله (الرسول الذي يتبعونه)؟ الشيء المؤكد الذي أوضحناه في هذا البحث أن القتال في الإسلام شرعه الله كما قلنا من أجل التحرير ومنع الفتنة، ومن التحرير مقاومة الاعتداء، ومن ثم فيكون الذي لم يحرمه هؤلاء المنافقين المنتسبين زورا لأهل الكتاب هو الاعتداء على المسلمين وعدم اتباعهم قواعد دينهم الذي يأمرهم بألا يعتدوا".

    وتستطيع أن تدخل في هؤلاء الفرنجة الذين جاءونا زوراً باسم الصليب؛ فهؤلاء لا يتبعون تعاليم رسولهم المسيح عليه السلام، ولا يدينون بدينه الحق؛ ولأن الله أمرنا أن نقاوم كل من يعتدي على أرضنا وحرياتنا؛ فإن الله أمر المؤمنين أن يقاتلوا هؤلاء المنتسبين لأهل الكتاب زوراً وبهتاناً؛ حتى يخضعوا للدولة الإسلامية خضوعاً سياسياً (وليس عقيدياً) ويعطوا الجزية عن يد (أي عن سعة حسب مقدرتهم) بعد أن يخضعوا لسلطان الدولة الإسلامية.

    والدولة الإسلامية - لأنها دولة عقيدية - قامت لتحقق مبادئ الإسلام في الحياة؛ تخير أفرادها القادرين على حمايتها من غير المسلمين بين الانضمام للجيش للدفاع عن الدولة أو بذل ضريبة دفاع تسمى الجزية والمأخوذة من فعل جزأ: أي دفع مقابلاً لعدم رغبته في المشاركة في الجيش. هذه الضريبة يعفى منها كل الذين لا يطلب منهم الانضمام للجيش، وهؤلاء هم النساء، والشباب الذين لم يبلغوا سن الانضمام للجيش، وكبار السن من الرجال، والمرضى، والمعوقون. وقدر هذه الجزية أقل بكثير من ضريبة الزكاة التي تفرضها الدولة الإسلامية على المسلمين. ويفسر الشيخ رشيد رضا كلمة "عن يد" بمعنى: حسب القدرة المالية للشخص.

    وفي الولايات المتحدة الأمريكية يستطيع أي مواطن يريد إعفاء نفسه من الخدمة العسكرية أن يرفع قضية ضد الدولة؛ يقول في حيثياتها أن لديه "حساسية دينية" ضد الاشتراك في حرب بعينها، والقضاء حر في تقدير الموقف والحكم بالإيجاب أو الرفض. ولكن الأمر مكفول في الإسلام لأهل الذمة؛ أي أهل الحماية الكاملة، بما فيها الحماية للعقائد والقيم والنسك الدينية.

  3. المــوالاة:

    يقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم إن الله لا يهدي القوم الظالمين * فترى الذين في قلوبهم مرض يسارعون فيهم يقولون نخشى أن تصيبنا دائرة فعسى الله أن يأتي بالفتح أو أمر من عنده فيصبحوا على ما أسروا في أنفسهم نادمين" (المائدة: 51).

    ويقول تعالى: "يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزواً ولعباً من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء واتقوا الله إن كنتم مؤمنين * وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزواً ولعباً ذلك بأنهم قوم لا يعقلون * قل يا أهل الكتاب هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل وأن أكثركم فاسقون * قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبةً عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعَبَدَ الطاغوت أولئك شر مكاناً وأضل عن سواء السبيل * وإذا جاءوكم قالوا آمنا وقد دخلوا بالكفر وهم قد خرجوا به والله أعلم بما كانوا يكتمون * وترى كثيراً منهم يسارعون في الإثم والعدوان وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يعملون * لولا ينهاهم الربانيون والأحبار عن قولهم الإثم وأكلهم السحت لبئس ما كانوا يصنعون" (المائدة: 57 - 63).

    ويقول تعالى: "وجعل منهم القردة والخنازير" أي جعلهم مثل القردة نتوقع منهم أي شيء، ومثل الخنازير في حبهم للشهوات. ("محمد أسد": نقلاً عن المنار، وعن الطبري، وعن التابعي مجاهد).

    أولاً: ما هي الموالاة ؟ الموالاة كلمة ذات إيحاءات متعددة، منها التحالف، ومنها القدوة، ومنها النصرة، ومنها الاطمئنان إلى الجانب. والآيات التي بين أيدينا تعدد أصنافاً من الجماعات ينبغي عدم موالاتهم وهم:

    1. الذين يتخذون ديننا لهواً ولعباً.

    2. الذين ينقمون منا أن آمنا بربنا وما أنزل إلينا وما أنزل من قبلنا.

    3. الذين يتحالفون مع المحاربين لنا.

    4. المنافقين الذين يظهرون الموالاة والإيمان بما نؤمن به، وهم قد خرجوا بالكفر، كما دخلوا به علينا، والذين يشجعون مرضى القلوب من بيننا على التخاذل.

    5. الذين نتوقع منهم أي شيء مثل القردة أو الذين لا يعرفون إلا شهواتهم كالخنازير، وذلك أنهم عبدوا الطواغيت.

    6. الذين يسارعون في الإثم والعدوان ويأكلون السحت.

    7. الذين فقدوا القيادات الروحية أو الذين لم يعودوا يستمعون لهذه القيادات الروحية من بينهم، سواء كانوا رجالاً ربانيين أو علماء دين (الأحبار).

    هذه الأصناف السبعة نهانا القرآن أن نتخذهم أولياء سواءً كانوا يهوداً أو نصارى أو منافقين مسلمين يحملون أسماءنا ويدعون أنهم على ملتنا.

    وكيف أوالي من يستهزئ بعقائدي وقيمي وشريعتي ومنهاجي، أو من يوالي عدوي الذي قهرني في أرضي أو أخرجني منها، أو من انحطت أخلاقه وقيمه، وأصبح من عبدة الطواغيت، أو من يشجع الضعفاء والذين في قلوبهم مرض على الخيانة والانسلاخ من المجتمع المسلم، وبخاصة أثناء المواجهات الحربية؛ كما فعلت يهودٌ في المدينة في عهد الرسول الخاتم عليه أفضل الصلاة والسلام؟ وكيف أُوالي من يسارع في الإثم والعدوان، ومن يأكل السحت؟

    ولكن الله تعالى يقول: "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا إليهم إن الله يحب المقسطين" (الممتحنة: 8) . والبر والقسط هما جماع الخير كله، والموالاة جزء يسير منهما، والله أعلم.

  4. النجاة في الدنيا والآخرة لمن؟

    يقول الله تعالى: "إن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاعبدون * وتقطعوا أمرهم بينهم كل إلينا راجعون * فمن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا كفران لسعيه وإنا له كاتبون" (الأنبياء: 92 - 94). ويحدد معنى الإيمان في آية أخرى، حيث يقول: "إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً فلهم أجرهم عند ربهم ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة: 62).

    قلنا إن الدين يشتمل على العقائد والقيم والشرائع والمناهج، وإن الجزء الثابت في كل رسالات الله هو العقائد والقيم، والجزء المتغير هو الشرائع والمناهج. وقلنا إن أي جماعة بشرية تجنح إلى التفرق والتقطع مع مرور الزمن إلا أن يعصمها من الله عاصم، ثم تصل هذه الرسالات للأتباع في الأجيال اللاحقة مقطعة ممزقة. "وإن هذه أمتكم أمة واحدة وأنا ربكم فاتقون * فتقطعوا أمرهم بينهم زبراً كل حزب بما لديهم فرحون * فذرهم في غمرتهم حتى حين" (المؤمنون: 52 - 54).

    والمسلمون ليسوا بدعاً من الخلق، ورسول الله يقول ما معناه "تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة، وتفرقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وستتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة". والسبعة في الاستخدام العربي يراد بها أحياناً الكثرة. والحديث يقول إن هذه الكثرة درجات ... كثرة أولى لليهود، وكثرة ثانية للنصارى، وكثرة ثالثة للمسلمين. ونحن في هذا البحث لا نتعرض للطرائق التي يجب أن نتبعها في محاولة منع هذا التفرق ولا للطرائق التي تعيد هذا الشتات إلى حظيرة الوحدة، ولهذا حديث آخر بإذن الله.

    والآن وبعد أن تقطعت الأمم إلى طوائف عدة، كل طائفة عاكفة على ما عندها، ورثته من الأجداد مقطعاً ممزقاً، وحسبته وتحسبه مقدساً... ولم تقم هي بالتقطيع والتمزيق ... تلك أمة سابقة فرحت بالتقطيع والتمزيق، فماذا يقول القرآن في نجاة هؤلاء الورثة؟

    هؤلاء الورثة أنواع، وليسوا جميعاً سواءً. الأغلبية العظمى منهم تعيش حياتها في ظل طائفتها مؤمنة بالله الواحد وباليوم الآخر وتعمل الصالحات، ورثوا الدين عن آبائهم وقدسوه في قلوبهم وليسوا فلاسفة ولا علماء مقارنة بين الأديان … هؤلاء يحدثنا القرآن أن "لا خوف عليهم ولا هم يحزنون". وهناك طائفة قليلة من ذوي الطبائع الباحثة عن الحق في دياجير الظلام والتي يخفق قلبها مخافة الله، وأفرغت نفسها باحثة عنه وفي طبائعها تواضع جم. هذه الطائفة الباحثة عن الحق إذا اقتنعت عقولها واطمأنت قلوبها إلى رسالة الإسلام الخاتمة فإنهم يسلمون، وفي مثل هؤلاء يقول الله تعالى: "لتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهباناً وأنهم لا يستكبرون * وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين * وما لنا لا نؤمن بالله وما جاءنا من الحق ونطمع أن يدخلنا ربنا مع القوم الصالحين * فأثابهم الله بما قالوا جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك جزاء المحسنين" (المائدة: 82 - 85).

    والقسيس لغة: هو الباحث عن الحق في دياجير الظلام، والرهبان أقوام أفرغوا عقولهم وقلوبهم من الدنيا، وسقوها بحب الله. والعقائد النصرانية التي بين أيدينا تحفز الناس على مكارم الأخلاق وعلى حب الخير، والقرآن يشهد بهذا لها، بينما يحذرنا مما بقي بين أيدينا من تعاليم اليهودية ... تلك التعاليم التي تدعوا إلى البغضاء بين الناس والعياذ بالله.

    ويعلق "محمد أسد" في تفسيره الإنجليزي على جملة: "وإذا سمعوا" بقوله: "أي إذا أدركوا وفهموا". فماذا لو ارتابوا وشكوا، ولم تطمئن قلوبهم للإسلام، ولكنهم ظلوا على مودتهم، وعلى حفاظهم على تدينهم؟ هؤلاء أيضاً لا خوف عليهم ولا هم يحزنون. ويعلق الإمام "ابن تيمية" في كتابه "تفسير ست سور" على قوله تعالى (انظر محمد أسد أيضاً): "لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة، رسول من الله يتلو صحفاً مطهرة، فيها كتب قيمة"، يعلق على كلمة "منفكين" بمعنى "مدانين"، فيكون المعنى أن الإنسان لن ُيدان إذا لم تصله رسالة الإسلام في صورة مطهرة محببة إلى القلب، وواضحة في عقائدها وقيمها وشريعتها ومنهجها وضوحاً يزيل الشك والريبة من قلبه ويقطع بأن هذا هو دين القيمة.

    وهناك صنف ثالث من المرضى والمنافقين من أهل الكتاب هم الورثة الحقيقيون للذين قطعوا دينهم زبرًا، هؤلاء في قلوبهم غل وعصبية، يكرهون مخالفيهم في الطائفة وفي الدين عمومًا... هؤلاء يأمر الله نبيه، ويأمر كل مسلم من بعده أن يكون موقفنا معهم "فذرهم في غمرتهم حتى حين" (المؤمنون: 54).

    وفي مجتمعنا رأينا كل هذه الأصناف. رأينا أم سمعان الجارة الطيبة والصديقة الصدوقة لأم حامد، وذلك عندما أحاط الموت بأم حامد فجاءتها أم سمعان تودعها، وجلست عند رأسها تقرِئها كيف تترك الحياة على دينها، قولي يا أم حامد: "أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله"، قولي يا أم حامد: "الموت حق والبعث حق والحساب حق والجنة والنار حق"، قولي يا أم حامد: "إنا لله وإنا إليه راجعون".

    أم سمعان النصرانية تساعد أم حامد المسلمة لتدخل الجنة على عقيدة الإسلام. وكأني بهما يفهمان أن للجنة أبوابًا... باب يدخل منه المسلمون، وباب يدخل منه المسيحيون. أم حامد وأم سمعان ورثتا الدين عن آبائهن، وعشن مؤمنات بالله واليوم الآخر، ويعملن صالحًا كل حسب عقيدتها ... في أخوة سابغة وصدق صدوق.

    ومن الأمثلة التي لم تقنع بما تسلمته من الأجداد مثالان: الأول: الدكتور "نظمي لوقا" الذي كتب في نهاية كتابه "محمد الرسالة والرسول": "لا خيرة في الأمر؛ ما نطق هذا الرسول عن الهوى، ولا خيرة في الأمر؛ ما ضل هذا الرسول وما غوى، ولا خيرة في الأمر؛ ما صدق بشر إن لم يكن هذا الرسول بالصادق الأمين. فسلام عليه بما هدى، وسلام عليه في الخالدين".

    والمثال الثاني: هو الفيلسوف العظيم "ليوبولد فايس" النمساوي اليهودي الذي أسلمته حيرته إلى اعتناق الإسلام، وإثراء الحياة العلمية الإسلامية بما لم تثرها جامعات متخصصة كاملة. إنني بالرغم من اختلافي معه في بعض الأمور إلا إنني أعتبر ترجمته لمعاني القرآن الكريم أعظم عمل علمي في القرن العشرين في مجال الدراسات الإسلامية.

    أما أمثلة المنافقين والمرضى فكثيرة، أعرف علمانياً عربياً خاف على أولاده من الإسلام، فجعلهم يعتنقون الشيوعية؛ فخسروا المسيحية والإسلام معاً، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

تابع في نفس الموضوع:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم