-
ثوابت الدين واحدة في كل رسالات السماء:
من أولى الثوابت التي لا بد للمسلم، وغير المسلم أن يعرفها حين يعرض لوضع أهل الكتاب في الإسلام، أن ثوابت الدين واحدة في كل رسالات السماء. وثوابت الدين هي العقائد والقيم السلوكية. والله تبارك وتعالى يقول: "شَرَعَ لَكُمْ من الدين ما وصَّى به نوحًا والّذي أوحينا إليك وما وصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ومُوسَى وعِيسَى أَنْ أقِيمُوا الدِّينَ ولا تَتَفرَّقوا فيه كَبُرَ على المشركين ما تدعوهم إليه اللهُ يَجْتَبِي إليه من يشاء ويهدي إليه من يُنِيب" (الشورى: 13).
ومصطلح الدين يشمل العقائد والقيم السلوكية والقوانين، ولكننا نفهم من هذه الآية أن الله تبارك وتعالى شرع لنا من الدين ما أوحى به لجميع أنبيائه ورسله، وهو ما عبرنا عنه بالثابت من الدين: أي العقائد والقيم السلوكية. وهذه العقائد والقيم هي العامل المشترك بين كل الأنبياء، وهو ما سمي بالإسلام. فالإسلام - بالتعبير القرآني - هو هذا القدر المشترك من العقائد والقيم السلوكية الذي وصى به الله جميع الأنبياء. صحيح أن مصطلح الإسلام أطلق الأمر الآن على كل الدين: عقائد وقيم وقوانين، ولكن الاستخدام القرآني له يشتمل على القدر المشترك بين جميع الأنبياء من العقائد والقيم السلوكية؛ ولذلك فإن أي إنسان أو مجتمع يبني شرائعه وقوانينه في غيبة من الإيمان بهذا القدر المشترك من العقائد والقيم: أي في غيبة الإسلام كما عرفناه، فإن هذا البنيان إلى خسران لا محالة، ولن يقبل منه في الدنيا ولا الآخرة. يقول تعالى: "ومن يبتغِ غَيْرَ الإسلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْه وهُو فِي الآخِرةِ من الخاسرين" (آل عمران: 85).
والإسلام لغة: هو الخضوع الكامل لله، ومن ثم الخضوع العقائدي والقيمي، إضافة إلى الالتزام التشريعي الخاص بكل مجموعة ذات شريعة ومنهاج يرتبط بالدين.
-
الشريعة متغيرة ولكن مقاصدها ثابتة عند كل الأنبياء:
وثاني الثوابت التي نود تقديمها قبيل الخوض في صلب موضوعنا أن مقاصد الدين هي الثابت في كل الرسالات السماوية، بينما الشريعة – لظرفيتها مثلت الجانب المتغير. يقول الله تعالى: "ولقد آتينا بني إسرائيل الكتاب والحكم والنبوة ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على العالمين * وآتيناهم بينات من الأمر فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيًا بينهم إن ربك يقضي بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون * ثم جعلناك على شريعة من الأمر فاتبعها ولا تتبع أهواء الذين لا يعلمون" (الجاثية: 16 - 18).
ويعلق محمد أسد على هذه الآية فيقول: "إن كلمة الأمر تشمل أمراً بفعل شيء، أو قانوناً، أو وصية، أو شعيرة"، ثم يستطرد فيقول في معنى قوله تعالى: "وآتيناهم بينات من الأمر": أي جعلناهم يدركون مقاصد كل هذه الأشياء التي احتوتها كلمة الأمر". ويلخص في حاشيته على الآية هذه المقاصد في أمور ثلاثة:
أ - التيقن من وجود الخالق، وأن الخلق كلهم عيال الله.
ب - أن كرامة الإنسان وتحريره من كل ألوان الخوف والعقائد الفاسدة من المقاصد العظيمة.
جـ- أن عمل الإنسان من خير أو شر عائد عليه وحده.
هذه المقاصد كما رآها أسد مقاصد كلية، ولكني في دراسة سابقة حول فلسفة العبارة القرآنية "وعلى الله قصد السبيل" رأيت أن هناك مقاصد جزئية، وأن هذه المقاصد موجودة في كتاب الله؛ متدثرة في جوف آية أو مكنونة في قلب قصة، وأنه على الفكر الإسلامي أن يستحث خطاه بحثاً عن كل هذه المقاصد (انظر كتابنا: نظرات حضارية في القصص القرآني).
ويقول تعالى: "ثم جعلناك على شريعة من الأمر" أي جعلناك على الطريق الذي يمنحك الحياة الطيبة، وهذا معنى الشريعة، منطلقاً في ذلك من مقاصد الدين أو قصد السبيل.
والشريعة لغة: هي الطريق الموصل إلى مورد ماء، والماء هو سر الحياة المادية. فالشريعة إذاً هي الطريق إلى الحياة الطيبة.
-
الدفاع عن التدين عقيدة قرآنية:
والمبدأ الثالث الثابت بين أيدينا أن من حق أي مجموعة من المؤمنين بالله أن تدافع عن تدينها، وتحافظ عليه، وإلا فسدت الأرض. والله – تعالى - يقول: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين" (البقرة: 251).
والله جعل من سنن الوجود أن يمنح أهل التدين باسمه القدرة على الدفاع عن أنفسهم وعقائدهم "دفْعُ الله الناس بعضهم ببعض"، ومن هنا كان واجباً على دولة تسود فيها شرائع الإسلام أن تعمل على حماية التدين عقائد ومعاملات.
وفي زمن أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز أفزعه أن يعرف أن من بين رعيته أقواما يتزوجون أمهاتهم وأخواتهم: وهم المجوس، فأرسل إلى الحسن البصري فقيه عصره يسأله عن الأمر، فأبرق إليه الحسن البصري هذه البرقية التاريخية: "إلى أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز: هذا مما جرت به عقائدهم، وإنما أنت متبع ولست مبتدعاً، فالـزم، والسلام". فلزم أمير المؤمنين شريعته، وانتهى إلى ما أمره به فقيه عصره، وتركهم على ما هم عليه.
-
الشرعة والمنهاج "جَعْلٌ رباني" و"عمل إنساني":
قلنا إن الشرعة والشريعة تعني في اللغة الطريق إلى مورد ماء، وتستخدم في القرآن؛ لتصف مجموعة القوانين التي طورتها الأمة منبثقة من عقائدها وقيمها، وشاملة كذلك النصوص القانونية التي جاءت وحياً.
أما المنهاج: فهو يعني في اللغة "الطريق المفتوح"، ويعني في الاصطلاح القرآني طريق حياة في الاجتماع والاقتصاد والعمران والتنمية والسياسة. والمفروض أن هذا الطريق وهذه الاختيارات الحياتية تتطور مع المجتمع، وتظل دائماً متناغمة مع العقائد والقيم الثابتة التي جاءت للمجتمع وحياً عن طريق الأنبياء والرسل.
والمجتمعات تخطئ وتصيب في محاولتها تنغيم حياتها وقوانينها مع المقاصد الكلية للدين، والتعبير القرآني معجز في قوله: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم فيما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (المائدة: 48).
فالجعـل الرباني هنا هو أن الله قد جعـل حركة المجتمع تخضع لسنن لا تختلف ولا تتبدل، وأن المجتمعات في حركتها مع الزمن وفي تنميتها لمنهاجها وشرائعها قد تخطئ القصد الرباني الذي جاء به الدين من لدن آدم حتى المصطفى عليهم جميعًا الصلاة والسلام، ومن ثم تستحدث في شريعتها وفي منهج حياتها بدعًا تخالف القصد الرباني، وتظلم نفسها بما انحرفت عن القصد الرباني. ولعل هذا معنى قوله تعالى: "فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أُحِلَّت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرًا * وأخذهم الرِّبا وقد نهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذابًا أليمًا" (النساء: 160 - 161).
فمع ظلمهم لأنفسهم وعتوهم عن ما نهوا عنه يجدون أنفسهم في أغلال الحياة الدنيا، وينساقون مع مفسديهم وكبرائهم، ويجعلون ذلك جزءًا من شريعتهم ومنهجهم في الحياة. ثم يرث الأبناء الآباء ..يرثون الشريعة والمنهاج.. ويمضون به كجزء من الدين يقيمون حياتهم عليه. ويتراكم في المجتمع ألوان من الشرائع والمناهج، ولحكمة بالغة لم يجعل الله الناس أمة واحدة على شريعة واحدة ومنهاج واحد، وذلك ليبلوهم فيما آتاهم: يختبرهم فيما بين أيديهم من الشرائع والمناهج؛ ليعرضوها على مقاصد الدين، وينظروا: هل هي متناغمة معها أم متعارضة؟ وكل مجموعة تختبر ما عندها على المقاصد العليا للدين، وتنظر هل ما استقر في وعائها من شريعة ومنهاج أصلح للحياة من الشرائع الأخرى والمناهج الأخرى؟ إن تعدد الشرائع والمناهج يدعو الخاملين للتفكر والتدبر ورؤية النقص الذي لديهم والخير الذي عند الآخرين.. ذلك شريطة أن يسود بين الناس حب الخير والرغبة في المعرفة الحقة والتواضع والبحث عن الحقيقة في دياجير الظلام، أو بتعبير القرآن "استباق الخير". وفي هذا الاستباق للخيرات لا بد أن يستقر في الأفئدة: "إن إلى ربك الرجعى"، وأن الاختلاف أمر لا يدعو إلى الشقاق والتناحر، والله وحده يعلم المصيب من المخطئ، وسوف ينبئنا بهذا يوم الحساب.
-
التفرق في الدين ثمرة البغي بين ضعاف التقوى والعلم:
وأخيراً، لا بد أن نعلم أن الجنوح إلى التفرق ظاهرة إنسانية في أية جماعة بشرية. وقلنا إن الدين يشتمل على العقائد والقيم والشرائع والمناهج. وقد يصيب الجماعات تفرق في العقائد أو في القيم أو في الشرائع أو في المناهج. وأخطر أمراض التفرق تأتي في العقائد والقيم، وأقلها في الشرائع والمناهج. والتفرق غير الاختلاف؛ فقد نختلف في إطار الوحدة الجامعة، ولا يسعى أحدنا للتفرق والتشتيت. والاختلاف ظاهرة صحية تدعو إلى تقليب الرأي، والنظر من جهات متعددة إلى المسألة من أجل الوصول إلى حل في إطار وحدة الجماعة. أما التفرق؛ فينشأ من أمراض القلوب التي تؤدي إلى البغي، والتحاسد، والكبر، والاستعلاء، والضغينة، والأنا الطاغية المستبدة. والله تعالى يصف هذه الحالة بقوله: "وما تفرقوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغـيًا بينهم ولولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لقضي بينهم وإن الذين أورثوا الكتاب من بعدهم لفي شك منه مريب" (الشورى: 14).
أي أن هؤلاء الذين تفرقوا في الدين بغيًا بينهم، تركوا لأتباعهم ميراثًا دينيًّا يحيط به الشك المريب، وقد يدعوهم هذا إلى ترك الدين جملة. فالدين إذا شابه ما يعكر صفوه في العقيدة أو القيم أو الشرائع والمناهج يصبح مصدر قلق للإنسان، وربما أبعده جملة عن طريق السماء.
والتفرق الإجرامي هو التفرق الذي يحدث بعد وضوح الرؤية ومجيء العلم، يقول الله تعالى: "وما تفرَّق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة * وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة" (البينة: 4،5).
والقرآن في هذه الآية يصف لنا "الدواء الوقائي" من هذا التفرق في أربعة عناصر:
أ - إخلاص الدين لله في كل عباداته … ابتداءً من الاعتقاد والسلوك، وانتهاءً بالشرائع والمناهج… وذلك على مستوى الفرد والجماعة والأمة.
ب- انصراف الوجهة عن كل باطل: سواءً في عالم العقائد، أو في عالم الأفكار، أو في عالم الشهوات والشرائع والمناهج (هذا معنى الحنيفية).
جـ- إقام الصلاة.. وعملية إقامتها عملية فردية اجتماعية.. وللصلاة علامة على إقامتها؛ فإن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر. فإذا لم يتحقق ذلك، فما أقمنا صلاة.
د - إيتاء الزكاة… الإنفاق في سبيل الله من أموالنا، ومن قوتنا، ومن كل شيء رزقنا الله إياه.
فإن فعلنا ذلك؛ فإن هذا هو دين القيمة.. الدين الذي يقيمنا على الجادة، ويقيمنا على الطريق المستقيم الواضح..ويجمعنا في إطار وحدة تسمح بالتعدد وتنفي التفرق.
إن مصيبة هؤلاء الذين فرقوا دينهم شيعاً وأحزاباً .. كل حزب بما لديهم فرحون..إن مصيبتهم في أتباعهم والذين يأتون من بعدهم.. الذين سيعتبرون ما تركه لهم أجدادهم ديناً مقدساً.. وينقسمون إزاء هذا التراث إلى أنواع.. نوع خامل يعبد ما كان يعبد آباؤه، ونوع يفكر ويقدر ويرتاب فيما بين يديه ويبحث عن الحقيقة، وهؤلاء في العادة قلة ضئيلة… ومن هؤلاء قلة تظل تبحث عن دين القيمة بدأب وإخلاص، فيوفقها الله إليه، ومنهم أيضاً فرقة تحسد غيرها وتدمر ما حولها من تدين عند أقوام آخرين؛ لأنها لا تطيق الريب في عقائدها، ولا تحب أن يكون تدين غيرها أكثر صفاءً وأقرب إلى الحق.