الأسباب المنشئة لوجود الأقلية:
السؤال الأساسي الذي نطرحه هنا هو: هل توجد هذه الأقليات في ديار إسلام سابقة أم لا؟ هل من الشعوب الأصلية في المنطقة أم لا؟ بعبارة أخرى.. هل منشأ الأقلية المسلمة في البرازيل أو في فرنسا مثل منشأها في الصين أو في روسيا الاتحادية أو في كينيا؟ هكذا ومن هذا المنطق يمكن أن نميز بين نمطين أساسيين؛ الأقليات المسلمة في ديار إسلام سابقة، والأقليات المسلمة في ديار لم تفتحها أو تحكمها سلطة إسلامية.
أ - الأقليات المسلمة في ديار إسلام سابقة:
هي من الشعوب الأصلية ذات الجذور في هذه المناطق التي انحسر عنها سلطة حكم الإسلام في ظلّ تطور توازنات القوى الدولية عبر القرون الأربعة الماضية. وقد أضحت أقليات نظرًا لإلحاقها أو ضمها قسرًا في كيانات أكبر ذات أكثريات من ديانات أو عقائد مختلفة.
ولن ندخل بالطبع هنا في تفاصيل تطوّر انتشار حكم الإسلام أو تفاصيل تطوّر وتراجع سلطة هذا الحكم، وانحساره عن بعض المناطق، ولكن نشير فقط إلى عدة نماذج أو فئات ممثلة لهذا النمط. وقبل تناول هذه النماذج يجدر الإشارة إلى الملاحظات التالية:
من ناحية: يحقق الاهتمام بتحديد نماذج هذا النمط غرضين أساسيين؛ أحدهما مشترك مع الأنماط الأخرى –كما سنرى-، وهو التمهيد لاستكشاف طبيعة المشاكل التي تعاني منها هذه الأقليات وكيفية الاقتراب من دراستها: فمثلاً.. هل مشاكل الثقافة السياسية للأقليات المسلمة في الاتحاد السوفيتي السابق تختلف عن مشاكل نظائرها في فرنسا؟ ولماذا؟ وكيف؟ أما الغرض الثاني فهو خاص بهذا النمط: وهو إزالة التعتيم الذي أحاط بتاريخ هذه الأقليات السابقة والمصاحب لنشأة وضعها كأقليات، أي التعتيم على تاريخها كشعوب مسلمة عاشت في ظل كيانات إسلامية مستقلة، ثم تعرضت للهجوم والاستعمار. ولقد أدَّى هذا التعتيم إلى أن تفقد ذاكرة الشعوب الإسلامية الأخرى الرابطة المباشرة مع نظارها -التي أضحت تعيش في وضع الأقلية–، وذلك بعد الانقطاع المعتمد في حلقات تاريخ هذه المناطق باعتبارها ديار إسلام سابقة، والتركيز على تاريخها الحديث في ظل أطر مختلفة، مثال ذلك: روسيا القيصرية، الاتحاد السوفيتي، الهند، يوغسلافيا.. الخ.
ومن ناحية أخرى: إن نماذج هذا النمط من الأقليات ذات الوزن الكبير أو ذات التركيز في مناطق محددة. وهي توجد في آسيا محاطة بأكثريات ملحدة أو ذات عقائد غير سماوية (الاتحاد السوفيتي السابق، والهند) أو توجد في أوروبا في إطار أكثرية مسيحية تنتمي إلى الحضارة الغربية. (مثلاً الاتحاد اليوغسلافي السابق). ومن نماذج هذا النمط أيضًا أقليات ضعيفة الوزن، وغير مركزة ومحاطة بعقائد بدائية والديانة المسيحية (في شرق إفريقيا مثلاً)، هذا وتجدر ملاحظة أن التفاعل بين هذه الأقليات ومحيطها تتداخل فيه الاعتبارات الدينية مع القومية أو العرقية. كما أنها تتفاوت من حيث درجة ما تثيره أو تحوزه أوضاعها من اهتمام عالمي. فبعض هذه الأوضاع ذو طابع سياسي واضح هو نتاج التفاعل بين مطالب الأقلية وطبيعة النظام السياسي الذي تعيش في ظله وطبيعة النشأة (كما سنرى).
النموذج الأول: الأقلية المسلمة في الاتحاد السوفيتي السابق:
أي مسلمو حوض الفولجا والأورال وشمال القوقاز (جمهورية روسيا الاتحادية) ومسلمو القرم (أوكرانيا) ومسلمو القوقاز (أذربيجان) ومسلمو آسيا الوسطى (جمهوريات طاجكستان وأوزبكستان، وقرقيزيا، وتركستان وكازاختستان)، فبعد دخول الإسلام وانتشاره في هذه المناطق، وعلى مراحل تاريخية متتالية وبأدوات مختلفة.. تكوَّنت كيانات إسلامية بعضها في ظل الحكم العربي الأموي والعباسي أو في ظل حكم التتار (بعد إسلامهم) أو في ظل الحكم أو النفوذ العثماني، ثم أضحت هذه المناطق -ومنذ منتصف القرن السادس عشر الميلادي، وبعد تبلور قوة الدولة الروسية الحديثة ساحة للتنافس الروسي- العثماني- الصفوي، حتى استكملت روسيا القيصرية في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي عملية السيطرة على هذه المناطق. وهي العملية التدريجية التي استمرت زهاء القرون الثلاثة ابتداءً بقازان، ثم القرم، ثم القوقاز، وانتهت بآسيا الوسطى. وقد كان لطبيعة النظام القيصري ثم الشيوعي السوفيتي تأثيراتهما الجذرية على شعوب هذه المناطق المسلمة التي ضمت قسرًا؛ تارة تحت هيمنة مسيحية أرثوذكسية روسية، وتارة تحت هيمنة شيوعية- سوفيتية، وقد كان لهذه الشعوب إنجازاتها الحضارية والعسكرية في خدمة الإسلام قبل أن تقع أسيرة التجزئة والضعف الحضاري والعزلة -عقب الهجمة المغولية-، مما جعلها أرضًا ممهَّدة للسيطرة الروسية. وقد تغيَّر وضع هذه الأقليات بعد قرون، وذلك بعد تفكُّك الاتحاد السوفيتي لتصبح بعضها جمهوريات مستقلة يمثِّل فيها المسلمون أكثرية (جمهوريات آسيا الوسطى وأذربيجان)، وتظلّ بعضها في وضع الإقليمية في إطار روسيا الاتحادية وأوكرانيا.
النموذج الثاني: الأقلية المسلمة في الهند (وفي إقليم كشمير):
وهي أكثر الأقليات المسلمة وزنًا (تعدَّت المائة مليون)، بل يفوق تعدادها عدد سكان أكبر الدول الإسلامية عددًا (ما عدا إندونيسيا). وهي من الشعوب الأصلية في هذه المنطقة (الهنود) أو من الشعب التي استقرت في شمال الهند منذ قرون (الترك والعرب والفرس)، وترجع جذورها إلى بداية انتشار الإسلام عن طريق التجّار والدعاة حتى تكوَّنت في شمال الهند وشرقها، ويمرّ بها عدد من الدول الإسلامية التي مدّت نفوذها إلى الولايات الشمالية من الهند. وبدون الدخول في تفاصيل هذا التطور، وكيفية انتشار الإسلام في بقية الهند وخاصة جنوبها.. نتوقَّف عند منعطف هام، وهو الإمبراطورية المغولية الهندية التي أسَّسها أحفاد تيمورلنك في الربع الأول من القرن السادس عشر الميلادي، واستمرَّت تحكم الهند حتى تمَّت تصفيتها رسميًا في منتصف القرن التاسع عشر بواسطة الاحتلال الإنجليزي في تحالفه مع الهندوس بعد عملية تراجع مستمرة في قوتها وفي تماسكها طيلة قرن، وذلك لصالح نمو النفوذ الإنجليزي والهندوسي على حساب النخبة الحاكمة المسلمة في وسط أكثرية غير مسلمة. ولذا فإن الوضع الحالي المتردِّي لمسلمي الهند –كما سنرى- لا ينفصل عن عملية التراجع والتدهور التدريجية طيلة ما يقرب من القرن في ظل القوانين والمحاربات الإنجليزية التي استهدفت -وهي تحكم قبضتها على الهند- ضرب ركائز نفوذ وقوة النخبة الحاكمة في الهند، وقواعد الوجود الإسلامي في القطاعات المختلفة؛ الصناعية، والزراعية، والإدارية. وبعد استقلال الهند.. انقسمت هذه الأقلية بدورها لتكون دولة باكستان التي نزح إليها كثير من مسلمي شمال الهند وشرقها، ولكن بقيت ملايين أخرى في الهند كأقلية وتفجَّرت قضية إقليم كشمير المسلم.
النموذج الثالث: الأقلية المسلمة في البلقان وشرق أوروبا:
وبعضها كان أكثرية في حدود كياناتها الخاصة في ظل الحكم العثماني (البوسنة وألبانيا)، وبقيتها موزَّعة من دون تركيز بين أكثريات غير مسلمة. ولكن جميعها كانت تحت حكم سلطة إسلامية لما يقرب من 5 قرون.
فقد بدأ الفتح العثماني للبلقان في منتصف القرن 8هـ (14م) وتوطَّد تدريجيًا حتى اكتملت السيادة العثمانية بعد قرن تقريبًا من الفتح، وذلك بعد جولات من الصراع المستمر مع تداعيات الإمبراطورية البيزنطية الشرقية وإمارات الصرب والبلغار والبوسنة والرومان والألبان واليونانيين. وقد انتشر الإسلام وساد بين سكان البوسنة والهرسك وألبانيا الذين أضحوا سندًا للحكم العثماني ثم السلطة العثمانية. وبالرغم من أن الصراعات القومية والدينية بين شعوب البلقان أقدم من الفتح الإسلامي.. فإن اعتناق البوسنة للإسلام عمَّق من التمايز بينهم وبين الصرب والكروات والسلوفان والبلغار، بحيث أضحى المسلمون السلاف مجموعة متميزة عن المجموعات الأخرى ذات الأصول السلافية أيضًا، وقد تفجَّرت بعنف الخلافات القومية الدينية بين المسلمين وغيرهم في البلقان خلال القرن الأخير من عمر الدول العثمانية، وفي ظل تزايد التدخلات الأوروبية، وهي التدخلات التي أظهرت ما يسمى المسالة الشرقية. وقد تستَّرت هذه التدخُّلات تحت شعار الدفاع عن حقوق الأمم المسيحية الضعيفة الخاضعة للخلافة العثمانية، كما غدت النزعات الانفصالية عن الدول العثمانية بين الكيانات القومية في البلقان، وبالفعل حصلت هذه الكيانات على استقلالها في ظل معاهدات الصلح المتوالية عقب جولات الصراع الروسي والعثماني خلال النصف الأخير من القرن التاسع عشر، في حين ضمَّت الإمبراطورية النمساوية البوسنة إليها. ثم تكوّنت وفق تسويات ما بعد الحرب العالمية الأولى مملكة صربيا 1918 التي تحوَّلت بعد ذلك إلى دولة يوغسلافيا 1929. وهكذا بدأ تواجد مسلمي البوسنة كأقلية مسلمة في إطار ذي أكثرية صربية معادية قوميًا ودينيًا، وفي نفس الوقت مهيمنة، ولم يؤد هذا الحل القسري الذي جمع قوميات وأديانًا مختلفة في دولة واحدة تحت هيمنة طرف واحد إلى استقرار المنطقة؛ إذ شهدت موجات من العنف المتبادل. وبعد الحرب العالمية الثانية.. تكوَّنت دولة اتحادية تحت هيمنة شيوعية عاشت في ظلها الأقلية المسلمة حتى تفكّك الاتحاد اليوغسلافي، واستقلت البوسنة كغيرها من دول الاتحاد، ولكن لتواجه موجة عنف عارمة ضد مسلميها.
النموذج الرابع: بعض الأقليات المسلمة في إفريقيا:
تتركَّز الأقليات المسلمة في إفريقيا في شرقها وفي غربها، بسبب الهجرات من الجزيرة العربية، ومن شمال غرب إفريقيا المسلم، وإذا كان الدعاة والتجّار والمهاجرون قد حملوا الإسلام إلى هذه المناطق، وليس الجيوش المسلمة الفاتحة.. فقد تكوَّنت في بعضها ممالك إسلامية زاهرة في قرون سابقة على الاستعمار الأوروبي. ومن أبرز هذه الممالك مملكة الذيلع الإسلامية في شرق إفريقيا، والتي دخلت في صراع مع الحبشة المسيحية بمساعدة البرتغال، ففقدت الكثير من أرجائها حتى سقطت. ويعدّ شعب الصومال الكبير مثالاً لهذا النمط؛ ويعيش جزء منهم كأقلية في الحبشة وفيما يعرف اليوم بإريتريا أو في شمال كينيا بعد ضمّ الصومال الجنوبي إليها. ويعيش بعضهم الآخر في ظل دول إسلامية هي الصومال وجيبوتي (الصومال الفرنسي). ونذكر كذلك مسلمي كينيا؛ إذ كانت كينيا جزءاً من مملكة إسلامية هي دولة آل سعيد من سلطنة عمان، والتي قاومت الغزو البرتغالي في حينه، ونجحت في إقامة سلطنة زنجبار. وقد تعرَّضت الإمارات الإسلامية على السواحل الشرقية لإفريقيا لهجمات البرتغال حتى جاءت جيوش الدول الاستعمارية الكبرى المتنافسة: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا لتقتسمها وبقية القارة وينتهي أي أثر لسلطة إسلامية. وقد ضمت زنجبار مع تنجانيقا ليكونوا دولة تنزانيا ويصبح مسلموها أقلية من أقليات شرق إفريقيا.
النموذج الخامس: وهم مسلمو الأندلس الإسلامية:
أي شبه جزيرة إيبريا الحالية (إسبانيا والبرتغال)، فقد فتح الإسلام أراضي هذه البلاد وحكمها تحت لواء الخلافة الأموية ومن تلاها من أسر وممالك في المغرب ابتداء من نهاية القرن الأول الهجري وحتى نهاية القرن العاشر الهجري. وكان سقوط غرناطة 958هـ (بعد عمليات سقوط متتالية بدأت منذ الربع الأول من القرن السابع الهجري) هو بمثابة سقوط آخر حجر في بناء الحكم الإسلامي وحضارته في الأندلس. تلته عمليات التنصير والإبادة والطرد للمسلمين بواسطة حكام إسبانيا التي أعلنت (إيزابيلا وفرديناند –ملكا إسبانيا) أن المسيحية هي دين إسبانيا الوحيد.
على ضوء ما سبق.. يمكن أن نفهم معنى السؤال أعلاه. فهؤلاء المسلمون في ديار إسلام سابقة يختلفون جذريًا عن مسلمي النماذج الأربعة السابقة من حيث عدم وجودهم على الإطلاق: فهم في ذاكرة التاريخ؛ سواء من قتل أم أجبر على التنصير أم طرد فلجأ إلى أراضٍ أخرى مسلمة وغير مسلمة (الموريسيكيون). كما أنهم يختلفون أيضًا عن نماذج النمط الثاني الذي سنتطرَّق إليه؛ أي المسلمين في أراضٍ لم تحكمها سلطة الإسلام، لأن الأندلس كانت درة ثمينة بين دول العالم الإسلامي ذات الإنجازات الحضارية الرائعة وذات الثقل في موازين القوى الإسلامية وغير الإسلامية في مراحل قوتها أو ضعفها على حد سواء.
هذا.. وقد حرصنا على الإشارة إلى هذا النموذج الخامس وخصوصية وضعه، حتى لا تنسى الذاكرة المسلمة الدروس والعبر حول: كيف لأكثرية مسلمة أن تصبح أقلية بائدة؟
ب - الأقليات المسلمة التي لم تحكمها سلطة إسلامية:
وهي في كافة أرجاء قارات العالم، وهي في مجموعها أقليات ذات وزن بسيط ولا تتركز في مناطق محددة. ويمكن تقسيمها إلى فئتين أساسيتين، وإن كان يجمع بينهما أن الهجرة المسلمة إلى أماكن وجودها هي سبب منشأها الأساس في هذه الأماكن. ولكن تختلف بالطبع دوافع الهجرة كما تختلف هذه الهجرات من حيث حداثة عهدها أو إرجاعها إلى جذور قديمة، بعبارة أخرى.. هذه الأقليات هي نتاج ما يسمَّى الانتشار الذاتي للإسلام. وهو الانتشار الذي تزامن وتوازى مع الفتوح الإسلامية، ولكن استمر بعد توقّفها بل ومع بداية الهجمة المضادة على العالم الإسلامي، بعبارة أخرى.. إذا كان الأصل الذي يحكم العلاقة بين المسلمين وغيرهم هو الدعوة إلى الإسلام ونشرها فإن أدوات هذه الدعوة متعددة، وأحدها وليس كلها هو الجهاد العسكري، أو الفتوح إذا اقتضت الظروف ذلك. وإذا تعذَّر هذا الفتح وتعذَّر مد السلطة الإسلامية.. فهنا يبرز دور الأدوات الأخرى والتي استمر خلالها وصول وانتشار الإسلام في غير ديار الإسلام. هذا ويمكن أن نميز بين نموذجين أساسيين من هذا النمط: الأقليات ذات الجذور القديمة، والأخرى ذات الجذور الأكثر حداثة؛ سواء أهل البلاد أو خارجها:
النموذج الأول: الأقليات ذات الجذور القديمة:
ومن شعوب المنطقة والتي انتقل الإسلام إلى أسلافهم منذ القرون الإسلامية الأولى مع الدعاة والتجار والمهاجرين؛ مثل مسلمي جنوب شرق آسيا (وكذلك إندونيسيا التي تعدّ أكبر الدول الإسلامية من حيث عدد السكان المسلمين)، شرق وغرب إفريقيا ووسطها، أي في المناطق التي لم تصل إليها جيوش مسلمة فاتحة، ولم يمتد إليها حكم سلطة إسلامية (باستثناء مملكة ملقا التي كانت أول مملكة إسلامية في جنوب شرق آسيا والإمارات الإسلامية في شرق وغرب إفريقيا السابق الإشارة إليها).
ولسنا هنا في حاجة إلى ترديد ما جاء في العديد من المصادر عن أثر سلوك الدعاة والتجار في دعوة شعوب هذه المناطق إلى الإسلام، ومن ثم دخولهم فيه أفواجًا واستمرارهم ومن تلاهم من أجيال على الإسلام، ناهيك عن المعتنقين الجدد في المراحل المتتالية، سواء في ظل القوة الإسلامية أو تراجعها.
والنموذج الثاني: هو نموذج الأقليات ذات الجذور الحديثة:
وهي أساسًا الأقليات في أوروبا والأمريكتين واستراليا، وهي من غير شعوب المنطقة المعنية؛ إذ وصلوا بالإسلام إليها مع هجراتهم من الدول الإسلامية منذ نهاية القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، واستقروا في هذه المناطق ليصبحوا أقليات، فضلاً عمن اعتنق الإسلام بعد ذلك تحت تأثيرهم وغيرهم من شعوب هذه المناطق. وإذا كان للهجرة إلى أرجاء المعمورة مزايا عديدة شجع عليها الإسلام، فإن الهجرات التي أفرزت هذا النموذج تولدت عن ظروف المرحلة التاريخية التي مر بها العالم الإسلامي خلال هذين القرنين؛ أي ظروف الضعف الحضاري، والتجزئة السياسية، والاستعمار ثم الاستقلال في ظل التجزئة والتغريب والتخلف، ثم طبيعة ممارسات نظم الحكم في الدول الإسلامية المستقلة. وقد أفرزت هذه الظروف موجات من هجرة المسلمين نحو "ديار الحرب"؛ فرارًا بالدين أو سعيًا نحو العلم أو طلبًا للرزق أو انجذابًا نحو النموذج الحضاري الغربي. وبغضّ النظر الآن عن تفاصيل أسباب ودوافع هذه الهجرات فما يهُمّ هو أنها بذرت في قلب أوروبا والعالم الجديد وجودًا بشريًّا مسلمًا يتنامى في العدد باستمرار مضافًا إليه أعداد الأوروبيين وغيرهم من الغربيين الذي يدخلون إلى الإسلام.
ولذا يقول البعض[1]: إن الإسلام قد حقّق وبسهولة مذهلة أوسع عملية انتشار بشري لأي مجموعة واحدة شهدتها أوروبا الغربية قبل 10 قرون، وأن واقع هذا الانتشار يبلغ اليوم 10 ملايين نسمة كما يشير مصدر آخر[2]. إن الإسلام ينتشر في القارة الأوربية والولايات المتحدة بسرعة فائقة، وتتوقّع بعض الإحصاءات أن يصبح ثلث سكان فرنسا من المسلمين مع بداية القرن الحادي والعشرين، وأن يزداد عدد المسلمين في الولايات المتحدة إلى 20 مليون نسمة. وأضافت الإحصاءات أن معدَّل انتشار الإسلام في الغرب ازداد بنسبة 235% ، وتراجع انتشار المسيحية إلى 47%، والبوذية إلى 64%، والهندوسية إلى 117%، وعلى الرغم من أهمية هذه الإحصاءات.. فإن هناك حاجة إلى أن نميز بين النمو الذي يبعثه النمو الطبيعي للمهاجرين المسلمين، وذلك الذي تبعثه هجرات جديدة من المسلمين، وذلك الذي يبعثه اعتناق أهل الغرب الإسلام.
وأيًّا كانت النسب بين هذه الفئات.. فإن الذي تجدر ملاحظته أنه إذا كانت أزمة المجتمعات الإسلامية ودولها هي التي أفرزت خلال القرنين التاسع عشر والعشرين. إن الهجرات التي أوجدت الأقليات في قلب الغرب بصفة عامة، وأوروبا الغربية بصفة خاصة، فإن هذا الوجود الإسلامي المتنامي أضحى يشهد بدوره أزمة -ويثير أزمة لأوروبا الغربية- كما نرى. خلاصة القول: إذا كانت ديار إسلام سابقة قد ضمَّت قسرًا في كيانات غير مسلمة أكبر أو تغلَّبت الأكثرية غير المسلمة فيها على السلطة المسلمة (الفئة الأولى)، فإن ديار إسلام أخرى احتلتها واستعمرتها قوى غير إسلامية أخرى، وأحدثت فيها ما أحدثته من تأثيرات وتغييرات قد تركها بعض أهلها (أي أهل هذه الديار)، قبل وبعد استقلالها نحو الدول المستعمرة ليعيشوا كأقلية وعن قرب -ولو في صورة مختلفة- تلك التأثيرات. إذن.. كيف ستختلف مشاكل هاتين الفئتين وفيما ستشترك؟
طبيعة النظام السياسي الاجتماعي الاقتصادي الذي تعيش في ظله الأقلية: الآثار بالنسبة لدرجة التهديدات وطبيعة المشاكل:
إذا كانت المجموعة الأولى من المعايير تدور أساسًا حول تاريخ الأقلية في المنطقة التي تتواجد بها.. فإن هذه المجموعة من المعايير تدور حول تأثير طبيعة النظام الذي تعيش في ظله الأقلية وما تواجه من تهديدات ومشاكل. وسنرى من التحليل التالي كيف لا تنفصل تأثيرات المجموعتين من المعايير على هذه المشاكل، ومن ثم على المطالب أيضًا فيما بعد.
وبالنظر إلى طبيعة النظام يمكن أن نميز بين ثلاثة أنماط من الأقليات، ومن ثم من مشاكلهم: الأقليات في نظم شمولية ملحدة، الأقليات في نظم غربية ديمقراطية- علمانية ذات وفرة اقتصادية، والأقليات في نظم متخلفة تابعة. وتثير دراسة هذه الأنماط الأسئلة التالية: ما الذي يميز ما يواجهه كل نمط من مشاكل وتهديدات؟ وألا يمكن أن نكتشف قاسمًا بينها؟ ما حقيقة القول: إن نمط المشاكل في ظل النظم الديموقراطية ذات الوفرة أقل خطرًا على الأقليات من نمط المشاكل في النمطين الآخرين؟ ولكن.. أين مكمن الخطر في الأنماط الثلاثة؟ وما المقصود بهذا الخطر؟ هل ما تواجه الأقليات المسلمة من مشاكل تنفرد به لكونها مسلمة أو تتعرض له أقليات دينية أو قومية أخرى؟
يمكن القول: إن أولوية التهديدات التي يجابهها كل نمط تختلف باختلاف طبيعة النظام؛ ففي حين تبرز التهديدات الجذرية (العقيدية والسياسية) للوجود ذاته في النمط الأول، تبرز أولوية التهديدات الثقافية– الحضارية للذاتية الإسلامية المنضبطة في النمط الثاني، أما في النمط الثالث فتثور التهديدات أمام استمرار اعتناق العقيدة الإسلامية.
وبالرغم من هذه الفروق في الملامح الكبرى.. فإن الأقليات جميعها تواجه مشاكل في المجالات التالية: ممارسة الشعائر والعبادات، الأحوال الشخصية والحياة الاجتماعية، المسائل المالية- الاقتصادية، المسائل الثقافية والتعليم، المجالات القانونية- الدستورية، ناهيك عن مجال الحقوق السياسية.
ولكن.. تختلف بالطبع تفاصيلها ودرجة حدتها بين الأنماط الثلاثة، بل وربما من دولة إلى دولة داخل كل نمط. فعلى سبيل المثال.. طبيعة المشاكل الاقتصادية في فرنسا تختلف عن نظائرها في الهند، طبيعة مشاكل الزواج والاختلاط في الولايات المتحدة تختلف عنها في الاتحاد السوفييتي السابق، ولا ترجع هذه الاختلافات إلى اختلاف طبيعة النظم فقط، ولكن تدعمها تأثير اختلاف الخبرات التاريخية السابق بعد شرحها.
ومن ناحية أخرى.. إذا كانت أقليات أخرى قومية أو دينية تواجه أيضًا مشاكل في نفس المجالات المختلفة، فإن طبيعة آثار هذه المشاكل وسبل مواجهتها لابد وأن تختلف عن نظائرها بالنسبة للأقليات المسلمة، وذلك نظرًا لاختلاف الإطار المرجعي أو النسق المرجعي؛ إذ أن الإسلام ليس ديانة فقط، ولكنه نظام شامل لكل جوانب الحياة. ومن هنا كان التحدي الكبير الذي يواجهه المسلمون الذين يعيشون في ظل مجتمعات غير مسلمة.
إن التعرّف على تفاصيل مشاكل كل نمط في المجالات المختلفة يحتاج إلى دراسات تفصيلية لأوضاع كل أقلية أو كل نمط، وهو ما يتحقق في كثير من الدراسات الأخرى، وليس موضعه هنا في هذه الدراسة التي تقتصر على الإطار العام المقارن، فإننا سنكتفي بالإشارة إلى بعض الملامح العامة من هذه المشاكل في كل من الأنماط الثلاثة:
-
النمط الأول: في ظل النظم الشمولية الملحدة التي لا تعترف بالأديان يصبح الاحتفاظ بالإسلام -ولو كعقيدة دينية– مصدر عنت اجتماعي ورسمي، مما دفع بالكثير إلى مسايرة اتجاه الدول ولو بطريقة شكلية. في ظل هذه النظم (مثل الاتحاد السوفيتي السابق، ونظم شرق أوروبا السابقة، والصين..)، افتقدت الأقليات المسلمة الكيان الاجتماعي السياسي المميز، بل وتعرَّض المسلمون لأساليب التصفية وأساليب القضاء المعتمد على الذاتية الإسلامية، وذلك بصورة منتظمة ومتعمدة من جانب سلطات الدول.
وهنا على سبيل المثال.. يمكن أن نستدعي كل ما تعرَّض له مسلمو الاتحاد السوفيتي السابق؛ سواء في حوض الفولجا أم القرم أم القوقاز أم آسيا الوسطى، نستدعي ما تعرَّضوا له من أساليب الروسنة ثم السفيتة للقضاء على الهوية الإسلامية (وكذلك القوميات). وقد اقتضت بهذه الأساليب درجة كبيرة من التعتيم على تاريخ هؤلاء المسلمين في هذه المناطق كأجزاء سابقة من ديار الإسلام.
وقد تنوَّعت هذه الأساليب طوال عدة قرون وهدفت إلى إذابة المسلمين -وغيرهم من القوميات– في بوتقة روسية ثم سوفييتية شيوعية. ومن هذه الأساليب: تهجير المسلمين من مناطقهم أو النفي أو الطرد الجماعي أو إغراق هذه المناطق بالهجرات الروسية، لتحقيق إفناء قسري أو انصهار قسري للسكان المسلمين الأصليين، فرض اللغة الروسية وتغيير الحروف الأبجدية إلى الحروف اللاتينية، والقضاء التدريجي على الشخصيات القيادية المسلمة، ثم تقسيم الشعوب المسلمة في القوقاز وآسيا الوسطى بين عدة كيانات إدارية ثم سياسية، هي الجمهوريات أو مناطق الحكم الذاتي داخل بعض الجمهوريات الأخرى، واستخدام القوة العسكرية لإحكام السيطرة وإخماد الثورات والمقاومة الإسلامية التي اندلعت تكرارًا خلال الاحتلال والضم أو في ظل الحكم القيصري أو الشيوعي، وكان أحدثها ما شهدته فترة نهاية كل من الحرب العالمية الأولى والحرب العالمية الثانية، وأخيرًا بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، التي تمثَّلت في مصادرة الموادّ الطبيعية والغذائية، وإزالة المؤسسات الإسلامية التقليدية؛ سواء على المستوى الاجتماعي أم التعليمي أو العبادات الأساسية، مجمل القول نجد أن المشكلة الأساسية في هذا النمط أكبر من تفاصيل أي مشاكل اجتماعية أو ثقافية أو لأنها قضية كيان اجتماعي– سياسي مفقود بالأساس (أو مسموح به في ظل قيود شديدة ولاعتبارات سياسية خارجية أساسًا كما سنرى)، وذلك نظرًا لمحاربة الأديان بصفة عامة والإسلام بصفة خاصة، ونظرًا للسعي إلى القضاء على الخصوصيات القومية والدينية وصهرها في بوتقة أيديولوجية النظام الملحدة أي الشيوعية، "ومن ثم.. فإن المشكلة الأساسية في هذا النمط هي الحفاظ على العقيدة ذاتها من الضعف أو الاندثار تحت كل هذه الضغوط. إذن.. ما الذي حدث لهذه الذاتية الإسلامية وللانتماء العقيدي بالأساس؟!، بالرغم من تعقد الإجابة على هذا السؤال، وخاصة بعد التغيرات في الاتحاد السوفييتي التي أفرزت استقلال ما يسمى الجمهوريات الإسلامية.. فإنه يمكن أن نتوقف عند الملاحظة التالية: تراوحت الآراء والتحليلات حول درجة ما أصاب الذاتية الإسلامية من أضرار في ظل الروسنة والسفيتة.
ففي حين رأى اتجاه أنه كلما عظمت محن المسلمين كلما زاد إصرارهم على تحدِّي ومقاومة النظام السوفييتي، ولذا لم تنته حالات عدم الرضا السائدة بين صفوف مختلف الجماعات المسلمة. وإذا كانت السلطات السوفييتية قد سمحت -لاعتبارات مناورة سياسية عديدة- بوجود دوائر إفتاء أربعة رسمية تحت رئاسة علماء دين مسلمين مختارين بصفة رسمية.. فإن وجود هذه الدوائر لم يكن كامنًا للمسلمين، ولذا برزت إلى جانبه الدوائر الصوفية التي لعبت دورًا كبيرًا في الحفاظ على استمرار الذاتية الإسلامية، حتى ولو من تحت الغطاء. ولذا كان تنويه العديد من الدراسات والمصادر إلى مخاوف السلطات السوفييتية من يقظة أو صحوة إسلامية تجسد نتائج جهود الإحياء الإسلامي التي لم تتوقف أبدًا، والتي أحاطتها في نهاية السبعينات معالم الصحوة الإسلامية في العالم الإسلامي بدقة، وخاصة على طول الحدود الجنوبية للاتحاد السوفيتي.
أما الاتجاه الثاني: فيرى أن ما بقى من الإسلام لدى مسلمي الاتحاد السوفييتي ليس إلا مجرد التزام ضعيف بالجانب العقدي من الإسلام، ومن ثم فإن الإسلام لم يعد لديهم إلا مجرد مكون أساسي من مكونات تراثهم الثقافي الذي يميزهم من غيرهم من الشعوب التي ضمَّها الاتحاد قسرًا. ومما لا شك فيه أن هذه التعميمات لدى الاتجاهين تحتاج لدراسات دقيقة لتمحيصها وتحديد درجة مصداقيتها. وهو أمر صعب بالطبع، ولكن كان موضع اهتمامات غريبة عديدة قبل تفكك الاتحاد السوفيتي. وقد اكتسب أبعادًا إضافية في الأهمية الآن بعد هذا التفكّك تحركها اعتبارات عدة. فهل يحظى هذا المجال بنفس القدر من الاهتمام من جانب الدارسين المسلمين بالرغم من تحوُّل أوضاع مسلمي هذه المناطق -رسميًّا- من وضع الأقليات إلى وضع الدول المستقلة؟!
-
النمط الثاني: في ظل النظم الديموقراطية الغربية العلمانية ذات الوفرة تصبح المشكلات الثقافية- التعليمية والاجتماعية والاقتصادية هي المشكلات ذات الأولوية طالما يتوافر إطار حرية الاعتقاد، والذي يمكن في ظله أن يحتفظ بعقيدته ويمارس عباداته. وتنبع هذه المشكلات من التفاعل بين المجالين[3]: مجال التنازلات التي على المسلم القيام بها فور إقامته في أوروبا الغربية والولايات المتحدة، علمًا بأن مدى قبوله لها عن قناعة وعلى مضض يشكل مؤشرًا أساسيًّا على مدى انصهاره في المجتمعات الغربية. وهذه التنازلات هي: لا صدقة للدين الإسلامي مثلما لا حرمة للدين المسيحي (عدم احترام رموز الديانتين)، التنازل عن تطبيق التشريع الإسلامي إذا ما تعارض مع التشريع المحلي، خصوصًا في أمور الأحوال الشخصية والميراث، عدم سهولة القيام بالشعائر الدينية (مثلاً التوقف عن العمل للإفطار أو الصلاة)، صعوبة الحفاظ على بعض ما قد يعدّ من المظاهر الإسلامية ولكن من القواعد (مثلاً قضية الحجاب في المدارس الفرنسية، والاختلاط في التعليم والعمل..)، وفيما عدا هذه التنازلات يبقى للمسلم -في حالة عدم انصهاره التام– الجوهر والأساس وهو الإيمان في القلب، ممارسة الشعائر حسب الإمكان، الالتزام بأوامر الدين في الحياة اليومية، وأخلاقية التعامل مع الناس، فالتشريعات الغربية لا تستطيع النيل من هذه الأمور بموجب القانون، ولكن يظل الإطار المجتمعي غير المسلم يمثِّل تحديًّا ومبعثًا لمشاكل في مجالات أخرى لا يمكن أولاً يجب تقديم تنازلات عنها، وهنا تبرز مطالب الأقليات -كما نرى- حول بعض الأمور للحفاظ على الهوية والذاتية.
ومن دون التوقف بالتفصيل عند طبيعة المشاكل المختلفة التي تواجه المسلم في مجتمعات هذا النمط أساسًا (وغيره أيضًا من الأنماط ولو بدرجة أدنى صورة مختلفة)، وهي التفاصيل التي تزخر بها الدراسات عن الأقليات المسلمة هذه في المجتمعات. فيكفي هنا التوقف عند ملامح أحد النماذج الأساسية، على سبيل المثال وليس الحصر وهي على الصعيد الثقافي فنجد أنه بالرغم من التنوع الثقافي للشعوب المسلمة، فإنه تجمع بينها جميعًا قيم ثقافية مشتركة في أصولها، وفي صميم هذه الأصول: الإسلام؛ لأنه من المفترض أن ثقافة المسلم تتشكل بواسطة ما في أصول الإسلام (القرآن والسنة) من قيم ومبادئ وقواعد، ثم بواسطة ما في تراثه من خبرة وأعراف وتقاليد. ومن ثم.. فإنه يقع في قلب الثقافة الإسلامية ويشكلها منظور الإسلام للكون والحياة والإنسان.. وهو منظور يختلف عن غيره، ومن هنا الخطر على المسلمين في المجتمعات الإسلامية الذين يتلقون تعليمهم ثم ثقافتهم وفقًا لمنظور آخر (علماني إلحادي أو علماني مادي)، حقيقة قد يكون الشخص مسلمًا مؤمنًا بالعقيدة الإسلامية، ويمارس عباداته، ولكن تشكله ثقافيًّا وفكريًّا بعيدًا عن الإسلام أي يفتقد ثقافة إسلامية تساعده على تقييم مضامين قنوات الثقافة المختلفة المسموعة والمرئية والمكتوبة ومدى قربها أو بعدها عن الإسلام، وإذا استمر افتقاد هذا البناء الفكري والإسلامي أو الإطار الثقافي الإسلامي تبدأ الأقلية في الذوبان ثقافيًّا ثم مجتمعيًّا في ثقافة المجتمع غير الإسلامي المحيط. ومن هنا تبرز أهمية وعي الأقليات بمشاكل التعليم والثقافة التي تواجههم، ومحاولة علاجها بطرق مختلفة؛ سواء بالجهود الذاتية أم من خلال مساعدة الدول الإسلامية. ومن أهم هذه الطرق نشر اللغة العربية والتربية الدينية لتعلم مبادئ الإسلام وأسسه ومعارفه. ومشاكل أجهزة الإعلام التي تنتهك قيمًا وقواعد إسلامية، ناهيك عن مشاكل المال والعمل والسياسة. ولكن اخترنا نموذج المشكلات الثقافية لمحوريتها وحيويتها. فإذا احتفظ المسلم - إلى جانب عقيدته وهي الأساس– ببناء فكري إسلامي يكون قد تسلح بما يمكن من الخوض في معارك المجالات الأخرى المادية. ولعلنا نستطيع القول هنا: إن جوهر المشكلات الثقافية السابق توضيحه أعلاه ولو باختصار لا تنفرد به الأقليات المسلمة فقط، ولكن يظهر أيضًا بين ثنايا مجتمعات الدول الإسلامية تحت موجات النقل عن الغرب، والأخذ منه علميًا وثقافيًا، أي تحت تأثير تيارات الفكر العلماني التغريبي على قطاعات هامة من النخبة المثقفة في هذه الدول، في حين ترزخ قطاعات أوسع من شعوب هذه الدول في الأمية. ولكن الاختلاف بين الحالتين يكمن في أن الأقليات المسلمة تعيش قي قلب إطار ثقافي غير إسلامي في كلياته وفي جزئياته، بحيث تصبح مهمة العلاج شديدة الصعوبة بل ومستحيلة أحيانًا. وأما في حالة الدول الإسلامية.. فإن الإطار الثقافي الإسلامي مازال يحتفظ بوجوده في كلياته، فبالرغم من أن بعض الجزئيات أصابها الاختراق وجزئيات أخرى أصابها الانهيار أو التشويه فإن الدوائر التي تحمي الجزئيات الأكبر السليمة التي تعمل، كما برزت دوائر أخرى تنبِّه إلى خطورة الجزئيات المصابة وضرورة علاجها قبل أن ينتشر الداء.
-
النمط الثالث: في ظلِّ النظم المختلفة التابعة: وهي النظم التي تعاني من عدم الاستقرار السياسي والمشاكل الاقتصادية وتموج بمناخ علماني، ومن أبرز نماذجها الهند، ودول في شرق وغرب إفريقيا وفي شرق آسيا. وتتداخل على صعيد هذا النمط عدة أبعاد تضفي عليه طابعًا خاصًا، وهي أكثرية ذات عقائد بدائية أو ديانات غير سماوية، إطار اقتصادي متخلف وظروف اقتصادية متدهورة لقطاعات واسعة منها المسلمون، ساحة هامة للتنصير المسيحي والنشاط الصهيوني؛ إذ تتضافر الأدوات الدينية مع أدوات الخدمة الاقتصادية والاجتماعية التي تحتاج شعوب هذه المناطق إليها نظرًا لعدم وجود الحد الأدنى منها، مناخ القهر السياسي وغياب مناخ الحرية الفكرية والسياسية بصفة عامة.
وتُعَدُّ الأقلية المسلمة في الهند نموذجًا لهذا النمط نتوقف عنده على سبيل المثال، فمسلمو الهند أكبر أقلية في الهند، ويمثلون بعد مسلمي إندونيسيا والبنجلاديش أكبر جالية مسلمة تعيش في أي بلد من بلدان العالم وهم أكثر فئات الشعب الهندي تخلفًا وفقرًا وأمية، ويعانون مشكلات اجتماعية واقتصادية وسياسية واسعة النطاق، ويتعرضون لأنواع عدة من الاستغلال. وهذه الأوضاع المتدنية هي نتاج التفاعل طيلة قرنين من الزمان بين ميراث الاستعمار البريطاني في تحالفه مع الأغلبية الهندوسية المعادية قبل الاستقلال، وبين عواقب ما بعد الاستقلال والتقسيم؛ سواء من حيث المذابح أو الهجرة الجماعية للمثقفين والزعماء وأرباب المهن ورجال الأعمال والعلماء الذي نزحوا إلى باكستان تاركين وراءهم ممتلكاتهم وإخوانهم الأكثر ضعفًا الذين واجهوا ظروفًا مستمرة من القمع والاضطهاد، ومزيدًا من الإجراءات الاقتصادية والتعليمية والإدارية التي عمَّقت من الأضرار البليغة التي تحل بهم من قبل هذا، فضلاً بالطبع عن الخلل الذي أصاب النظام الثقافي والاجتماعي للمسلمين والانحراف عن النظام الإسلامي الرشيد؛ نظرًا للاحتكاك الطويل بالمجتمع الهندوسي، ونظرًا لميراث الحكم الاستعماري والحركات العلمانية قبل وبعد الاستقلال.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن العديد من الدراسات تُجمع على أن ما يواجهه المسلمون من مشاكل لا يرجع إلى طبيعة النظام الهندي وممارسته فقط، ولكن إلى سلبية المسلمين أنفسهم وتخلُّفهم وانقسامهم إلى مِلل وطوائف متنازعة متنافرة في التوجهات. فهناك مثلاً المسلمون الوطنيون العلمانيون، وهناك عامة المسلمين التقليديين، وهناك المسلمون الشيعة، وهناك المسلمون السنة، وإذا كان الميراث التاريخي وطبيعة النظام الاجتماعي– الاقتصادي والإداري قد أصاب بالضرر الأقلية المسلمة في الهند.. فإن أقليات مسلمة إفريقية تتعرَّض لتحديات أخرى بدرجة أكبر، وهي بدورها ذات تأثيرات خطيرة على العقيدة وعلى الهوية، وعلى رأس هذه التحديات التنصير، وتعدّ إفريقيا -القارة المسلمة (إذ أن أكثر من 30% من سكانها مسلمون؛ سواء في دول إسلامية أم كأقليات غير إسلامية) – الساحة الرئيسة للتنصير ليس حديثًا، ولكن منذ أن بدأ الاستعمار الأوروبي خطواته الأولى نحو العالم الإسلامي: ابتداء مع سفن الكشوف الجغرافية وحتى جيوش الاحتلال العسكري وإلى ما بعد الاستقلال. وتحفل العديد من الدراسات بالأرقام والمؤشرات عن النمو المستمر والمتزايد للنشاط التنصيري في شرق هذه القارة وغربها. وقد تحالفت معه –تحت تداعيات الاستعمار الجديد– سلطات الحكومات العلمانية التي جاءت بعد الاستقلال.