|
- من الضّروري أن تَتَّخِذ الهيئة التحكيمية قرارًا بإعلان ختام المحاكمة قبل انتهاء مهلة التحكيم.
- هذا القرار لا يصدر إلا بعد اقتناع الهيئة بكفاية ما سمعت من الطرفين وما أجرته من تحقيقات، لاتخاذ القرار النهائي.
- بعد إعلان ختام المحاكمة لا يسمح بتقديم أي شيء من الطرفين إلا بطلب من الهيئة التحكيمية. وفي هذه الحالة لا بد من السماح للطرف الآخر بالجواب التزامًا بحق الدفاع.
صدور القرار التحكيمي النهائي لا بد أن يكون قبل انتهاء مهلة التحكيم المحددة في البند التحكيمي أو في الاتفاق التحكيمي، وإذا لم يكن الفريقان قد اتفقا على مهلة للتحكيم فيجب أن يصدر القرار النهائي في الوقت الذي يحدده قانون البلد وإلا ففي أقرب وقت مناسب.
القرار التحكيمي النهائي:
- هو القرار الذي تفصل فيه الهيئة التحكيمية، في المسائل المتنازع عليها والتي عرضت عليها من الخصوم بشكل كامل ونهائي. أما القرارات التي تتخذها الهيئة أثناء المحاكمة، والتي تفصل في أحد جوانب النزاع أو تتناول أحد تدابير التحقيق والإثبات فتسمى قرارات تمهيدية.
- القرار التحكيمي النهائي يعتبر قرارًا قضائيًا، وكذلك القرارات التمهيدية، والفرق بينهما أن القرار النهائي يرفع يد الهيئة التحكيمية عن القضية بصورة نهائية، أما القرارات التمهيدية فليست كذلك.
والقرار النهائي، باعتباره قرارًا قضائيًا يشترط فيه:
أن يصدر بعد ختام المحاكمة، وخلال مهلة التحكيم، وإلا اعتبر باطلاً.
وأن يصدر بعد المداولة السرية بين جميع أعضاء الهيئة، وإلا أمكن إبطاله لمخالفة النظام العام.
وأن يصدر بإجماع الآراء أو بالأغلبية، ويجب أن يذكر ذلك صراحة في نص القرار، وعلى العضو المخالف أن يُدوِّن مخالفته ويُوقِّع عليها. إلا أنه يمكن للطرفين في اتفاق التحكيم أن يشترطا صدور القرار بالإجماع أو بأغلبية معينة.
- والقرار التحكيمي النهائي يجب أن يحرر بالصيغة الخطية، ولو أن هذه الصيغة لم تكن ملزمة في الماضي فإنها اليوم أصبحت ضرورية وإلا اعتبر القرار غير موجود، كما هو اجتهاد القضاء المعاصر في أكثر من دولة، فضلاً عن أن بعض القوانين نصت على ذلك.
ويجب أن يحرر قبل النطق به أمام الخصوم، وهو يشمل: ذكر أسماء أعضاء الهيئة التحكيمية الذين أصدروه تحت طائلة الإبطال، وذكر أسماء الخصوم وألقابهم وصفاتهم وأسماء وكلائهم، وذكر مكان وتاريخ إصدار القرار. فالمكان يحدد جنسية القرار التحكيمي والمحكمة المختصة لإعطائه الصيغة التنفيذية أو للطعن فيه. والتاريخ يحدد ما إذا كان القرار قد صدر ضمن المهلة المحددة من الطرفين أم لا. كما يجب أن يتضمن القرار خلاصة ما أبداه الخصوم من وقائع وطلبات والأدلة المؤيدة لها، وإذا أغفل القرار ذكر هذه البينات فقد يكون باطلاً أصلاً أو قابلاً للإبطال. ويجب أن يتضمن أخيرًا الأسباب الواقعية والقانونية التي بني عليها هذا القرار أي أن يكون معلّلاً، وإلا أمكن إبطاله لأن التعليل مرتبط بحق الدفاع ويعتبر بالتالي من النظام العام. ويجب أن تجيب الهيئة التحكيمية على جميع المطالب المدلى بها من الخصوم.
أخيرًا لا بد من ذكر (الفقرة الحكمية)، وهي تشتمل على ما تقضي به الهيئة التحكيمية من حل للنزاع. وهي الجزء الأساسي من القرار الذي ليس له وجود قانوني ولا يمكن تنفيذه إذا خلا من هذه الفقرة الحكمية. وإذا تضمن القرار التحكيمي أثناء سرده للوقائع ولمطالب الطرفين أي فصل في أي جانب من جوانب القضية فيجب أن يعاد ذكره ضمن الفقرة الحكمية التي يجب أن تضم جميع نقاط الفصل في النزاع.
وأخيرًا يجب توقيع القرار التحكيمي النهائي من جميع أعضاء الهيئة التحكيمية إذا صدر بالإجماع، أو من جميع الموافقين عليه إذا صدر بالأغلبية، وفي هذه الحالة يجب الإشارة إلى صدوره بالأغلبية وتحديد أسماء المخالفين، ومن المفيد أن يذكر المخالف بنفسه سبب مخالفته ويُوقِّع عليها. وإذا صدر القرار التحكيمي غير مُوقَّع من المُحَكِّم حين يكون وحيدًا، أو من أحد أعضاء الهيئة التحكيمية الموافقين، أو من أحد الأعضاء المخالفين إذا لم تذكر مخالفته، فإنه يكون قابلاً للإبطال.
الآثار الناشئة عن القرار التحكيمي:
1- حجية القضية المحكوم بها. طالما أن القرار التحكيمي اعتبر بمثابة قرار قضائي؛ لذلك فقد أصبحت له حجية القضية المحكوم بها. بمعنى أنه لا يجوز إعادة البحث فيه بين ذات الخصوم ولنفس السبب. غير أن هذه الحجية لا تتعلق بالنظام العام، وهي محصورة بالعلاقة بين الخصوم في النزاع الذي صدر فيه القرار.
2- خروج القضية من يد الهيئة التحكيمية: بمجرد صدور القرار التحكيمي النهائي تخرج القضية من يد الهيئة التحكيمية فلا تستطيع اتخاذ أي قرار جديد في موضوع النزاع نفسه، ولا حتى تعديل القرار السابق ولو كان مشوبًا بعيوب مبطلة. غير أنه يبقى للهيئة صلاحية تفسير القرار التحكيمي بتوضيح النص الغامض دون أن يؤدي ذلك إلى أي تعديل. وكذلك صلاحية تصحيح القرار التحكيمي، وهذا يتعلق بالأخطاء المادية للجنة، كتابية كانت أم حسابية. وصلاحية إكمال القرار التحكيمي إذا أغفل الفصل في بعض الطلبات، ويشترط لصحة أي تفسير أو تصحيح أو إكمال أن يكون قبل انتهاء مهلة التحكيم، وقبل تقديم أي طعن بالقرار، فإذا انتهت مهلة التحكيم المتفق عليها بين الطرفين، أو إذا أقدم أحدهما على الطعن بالقرار التحكيمي، فإن الهيئة التحكيمية لا تستطيع عندها القيام بأي تفسير أو إكمال أو تصحيح.
تنفيذ القرار التحكيمي:
التنفيذ الطوعي للقرار التحكيمي كان ولا يزال هو الأغلب، باعتبار أن التحكيم هو (العدالة التصالحية)، وأن الطرفين اختارا من يحكم بينهما برضاهما، وهذا نوع من التعهد المسبق بتنفيذ التحكيم. إلا أنه يحصل بعد صدور التحكيم أن يمتنع المحكوم عليه عن التنفيذ الرضائي، وربما لجأ إلى الطعن في القرار، فما العمل؟
في الماضي كان التنفيذ يعتمد على وجاهة المحكِّم ونفوذه في المجتمع. أما اليوم فإن المحكوم له يطلب عادة من المحكمة الرسمية إعطاء القرار التحكيمي الصيغة التنفيذية التي تسمح بتنفيذه جبرًا بواسطة السلطات الرسمية، تمامًا كالقرار القضائي الرسمي الصادر عن إحدى محاكم الدولة.
إذًا فالقرار التحكيمي ليس له بذاته قوة التنفيذ، بل يحتاج إلى أمر صادر من القاضي الرسمي المختص بشؤون التنفيذ. هذا الأمر يسمّى: الصيغة التنفيذية. ونحن نشرحه باختصار:
أولاً: الصيغة التنفيذية:
القرارات التي يمكن إعطاؤها الصيغة التنفيذية هي القرارات التحكيمية النهائية التي تتضمن إلزامات معينة مطلوبة من المدّعى عليه أو من الطرفين. أما القرارات التحكيمية التمهيدية فهي قابلة لإعطائها الصيغة التنفيذية إذا فصلت بأحد الطلبات المعروضة على المحكِّم وفي حدود هذا الطلب فقط.
أ - القاضي الناظر في طلب إعطاء الصيغة التنفيذية للقرار التحكيمي ينظر في القرار ويدقق عادة فيما يلي:
1- هل القرار التحكيمي يفصل في النزاع أم لا؟
2- هل النزاع المفصول فيه قابل للتحكيم أو هو متعلق بالنظام العام؟
3- هل القرار صادر بموجب اتفاق تحكيمي أم لا؟
4- هل خرج المحكِّم في قراره عن المهمة المعينة له من الطرفين بموجب اتفاق التحكيم أم لا؟
5- هل هناك تعليل للقرار أم لا، وليس من شأن القاضي هنا أن ينظر في كفاية التعليل؟
6- هل القرار مخالف للنظام العام خاصة في إتاحة حق الدفاع للطرفين؟
7- هل يشتمل القرار على فقرة حكمية؟
8- هل يشتمل القرار على ذكر أسماء المحكِّمين وتوقيعاتهم؟
ب- إذا قرر القاضي إعطاء الصيغة التنفيذية للقرار التحكيمي؛ فقراره قابل للاعتراض أمام القاضي نفسه. أما إذا رفض إعطاء الصيغة التنفيذية فقراره قابل للاستئناف.
ثانيًا: التنفيذ المعجّل:
- هناك حالات تجعل التنفيذ المعجّل حاصلاً بقوة القانون، وهي حالات منصوص عليها، وقد تختلف بين دولة وأخرى. ومن واجب القاضي الناظر في إعطاء الصيغة التنفيذية أن يقرن قراره فيها بالتنفيذ المعجّل ولو لم يذكر ذلك في القرار التحكيمي.
- في سائر الحالات يمكن للهيئة التحكيمية أن تقرن قرارها التحكيمي بالتنفيذ المعجّل وجوبًا أو جوازًا حسب الشروط القانونية، ويجب أن يكون قرارها معلّلاً، ولا تستطيع أن تتخذ مثل هذا القرار إلا بناءً لطلب الخصم صاحب المصلحة.
وفائدة التنفيذ المعجّل أنه لا يتوقف لانتظار انتهاء مهل الاستئناف أو الإبطال، أو بسبب تقديم أي طعن كما هو الحال في التنفيذ العادي. لكن المحكمة الناظرة في الاستئناف أو الإبطال يمكنها أن تقرر وقف التنفيذ.
الطعن بالقرار التحكيمي:
إن عدم إعطاء الصيغة التنفيذية للقرار التحكيمي لا يغني عن الطعن فيه؛ لأن القاضي المختص بالتنفيذ ينظر إلى القرار التحكيمي نظرة عامة وشكلية فإذا تأكد من توافر الشروط العامة فيه أعطاه صيغة التنفيذ، وإذا لم يعطه هذه الصيغة فهو قرار موجود ويتمتع بقوة القضية المحكمة بين الطرفين. لذلك فقد يكون من مصلحة أحد الخصمين أن يطعن فيه بقصد إلغائه أو إبطاله. وقد سمحت له القوانين المعاصرة بذلك. وأهم طرق الطعن: الاستئناف والإبطال.
الطعن بطريقة الاستئناف: تعتبر المحاكمة التحكيمية بمثابة المحاكمة لدى محاكم الدرجة الأولى. لذلك يكون من حق الطرفين أن يطعنا بالقرار التحكيمي أمام محكمة الاستئناف، وقد نصت على ذلك أكثر القوانين المعاصرة (في الولايات المتحدة الأمريكية لم ينص على إمكانية استئناف القرارات التحكيمية).
وحق الطعن أمام محكمة الاستئناف يمكن للطرفين التنازل عنه في الاتفاقية التحكيمية. لكن إذا لم يقع مثل هذا التنازل فإن القانون الإنجليزي (1979) يجيز الاستئناف المحدود، وهو الاستئناف المتعلق بالمسائل القانونية ويشترط فيه أن يوافق جميع الفرقاء على تقديمه. أو أن توافق المحكمة العليا على ذلك. ومحكمة الاستئناف يمكنها أن تلغي القرار التحكيمي وتعيد الموضوع إلى المحكمين مع ملاحظاتها ليعيدوا النظر في قرارهم، كما يمكنها أن تعدّل القرار المذكور.
أما القانون الفرنسي (1980) فقد أبقى الاستئناف طريقًا مفتوحًا أمام الفرقاء ودون تقييد، إلا إذا تنازلوا عنه في اتفاقية التحكيم صراحة أو ضمنًا، أو إذا رضخ المحكوم عليه صراحة للقرار. ويحدد القانون عادة مدة شهر منذ إعطاء القرار التحكيمي الصيغة التنفيذية، بحيث يرفض الاستئناف شكلاً بعد هذه المهلة. وفي حال قبول الاستئناف شكلاً فإن ذلك يؤدي إلى:
أ - وقف التنفيذ، إلا في حالة التنفيذ المعجّل.
ب - نقل القضية أمام محكمة الاستئناف.
جـ- حق هذه المحكمة في التصدي للموضوع.
الطعن بطريق الإبطال: وهو طعن تقره أكثر القوانين المعاصرة، وإن اختلفت في تحديد سبب الإبطال، ونرى من المفيد ذكر أسباب الإبطال في بعض هذه القوانين حتى يمكن للمحكّمين تلافيها، وعدم تعريض قراراتهم للإبطال. مع ملاحظة أن الطعن بطريق الإبطال مسموح به لجميع الفرقاء رغم كل نص مخالف في اتفاقية التحكيم، وإن أسباب الإبطال عادة تحدد حصرًا في القانون، وليس للمحكمة التوسع والاعتماد على أسباب أخرى.
- القانون الفرنسي (1980) يحدد ست حالات لإبطال القرار التحكيمي هي التالية:
1- إذا باشر المحكِّم التَّحكيم غير مستنِد إلى اتفاقية تحكيمية، أو كانت الاتفاقية باطلة أو انتهت مدتها.
2- إذا كانت المحكمة التحكيمية مشكّلة بصورة غير قانونية، أو كان الحَكَم المنفرد معيّنًا بشكل غير قانوني.
3- إذا لم يتقيد الحَكَم بحدود المهمة التي عهد إليه بها.
4- إذا لم يتم احترام مبدأ وجاهية المحاكمة.
5- إذا كان القرار التحكيمي غير معلّل، أو غير متضمن لأسماء الحكام الذين أصدروه أو لتاريخ صدوره أو لتوقيعات جميع الحكام.
6- إذا كان الحكم قد خالف قاعدة من قواعد النظام العام.
- القانون الفيدرالي للولايات المتحدة (1925) شبيه بالقانون الفرنسي وهو يحدد خمس حالات لإبطال القرارات التحكيمية هي التالية:
1- عدم صحة الاتفاقية التحكيمية.
2- انحياز المحكِّم أو سوء تصرفه.
3- خروج المحكَّمين عن نطاق صلاحيّاتهم.
4- خرق النظام العام.
5- الاستحصال على القرار التحكيمي عن طريق وسائل غير شرعية كالغش والخداع.
- القانون الإنجليزي (1979) حدد سببًا واحدًا لإبطال القرار التحكيمي، وهو أن يكون المحكِّم مفتقرًا إلى الأهلية القانونية والكفاءة. ويعتبر المحكِّم غير كفء إذا كانت تنقصه المؤهلات المطلوبة، أو إذا كان قد تجاوز حدود مهمته. (لذلك يجب الانتباه إلى ضرورة اختيار المحكِّمين الشّرعيّين من حملة الإجازات الشرعية والقانونية).
تابع محاور الملف:
نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والقاضي الشرعي
|