|
1- يجب أن تحرص الهيئة التحكيمية على أن تبقى المحاكمة أمامها وجاهية في جميع الظروف؛ لأن أي مخالفة لمبدأ الوجاهية تجعل القرار التحكيمي قابلاً للإبطال.
ومعنى وجاهية المحاكمة: إجراؤها في مواجهة الخصوم وتمكينهم من حق الدفاع، وهذا يقتضي:
- إبلاغ كل أوراق الدعوى المبرزة من أحد الخصوم إلى الخصم الآخر، وإعطاؤه مهلة كافية للجواب عليها.
- على الهيئة التحكيمية أن تعتمد على الخصوم في تقديم أدلة الإثبات، ولا يجوز اعتماد أي دليل حصلت عليه الهيئة التحكيمية من أحد الخصوم، أو استنتجته هي من وقائع القضية دون عرضه على الخصوم وسماع رأيهم فيه.
2- يجب أن تحرص الهيئة التحكيمية على أن تبقى المحاكمة أمامها كتابية. ومعنى ذلك أن يقدم كل طرف ما عنده من وقائع وأدلة بصورة لوائح خطية. وأن تدون وقائع الجلسات بالتفصيل من قبل كاتب تعينه الهيئة التحكيمية وبموافقة رئيس الجلسة، ثم يوقع أعضاء الهيئة على هذه المحاضر.
إن كتابة كل ما يجري أثناء المحاكمة في محضر خطي رسمي يجعل الأعمال القضائية ثابتة ومنظمة بحيث يتمكن الخصوم -حتى ولو كانوا غائبين- من الاطلاع عليها ومناقشتها، أو الطعن بها عند الاقتضاء.
3- قد تكتفي الهيئة التحكيمية بالأدلة التي قدمها الطرفان في لوائحها الخطية، ولا تجد حاجة لعقد جلسات للمحاكمة، فتصدر قرارها النهائي. وقد تعقد جلسة أو أكثر حسب الحاجة لاستيضاح بعض الوقائع، أو مناقشة بعض الأدلة، أو لإجراء التحقيق في قضية معينة. وعند ذلك يجب إبلاغ الطرفين بموعد الجلسة قبل وقت كاف لتمكينهما من الحضور. ولا يؤثر غياب أحد الطرفين على قانونية الجلسة إذا كان تبليغه قد تم في وقت مناسب. إن تحديد مواعيد الجلسات أمر يتعلق بالهيئة التحكيمية وحدها، مع مراعاة ظروف الطرفين والمساواة بينهما.
4- من حق كل من الطرفين أن يوكل من ينوب عنه في حضور الجلسات أو في إعداد اللوائح وتقديمها. على الهيئة التحكيمية أن تتحقق من صحة وكالة الممثل، ولها وحدها حق قبول أو رفض أي وكالة إذا وجد سبب قانوني أو شرعي لذلك. وفي حال قبول الوكالة يحق للهيئة التحكيمية وللطرف الآخر أن يقوم بتبليغ الأوراق إلى الوكيل.
5- من واجب الهيئة التحكيمية الحياد المطلق والمساواة الكاملة بين الطرفين في الجلوس والنظر والكلام، وليس لأي مُحكِّم أن يسارَّ بالحديث أحد الخصوم، ولا أن يخلو به في منزله، ولا يضيف أحدهما، وليس له أن يقبل من أي منهما الهدية.
6- قواعد الإثبات: هي الوسائل التي تستعملها الهيئة التحكيمية للتأكد من أن الحق موضوع النزاع يعود لهذا الخصم أو ذاك فتصدر حكمها بناء على ذلك. وقواعد الإثبات الشرعية هي التالية:
أ - بالنسبة للمدعي: الدعوى تثبت بالبينة الخطية أو الشهود.
البينة الخطية: كان الفقهاء يقدمون شهادة الشهود على البينة الخطية لعدم الثقة بها واحتمال الريبة من محو أو كشط أو تغيير، ويشمل ذلك السجلات الرسمية السابقة فلا يعتمدون عليها إلا إذا انتفت الريبة. ولكن هذا الأمر أصبح من الممكن معرفته بإجراء التحقيق, ولذلك أصبح للبينة الخطية في العصر الحاضر المقام الأول قبل شهادة الشهود، وهذا هو المعمول به في جميع المحاكم في الدول الإسلامية وفي غيرها. وهو أمر أساسي في الأحكام الشرعية، وإن تردد في قبوله الفقهاء بحسب عصورهم، فدليله الواضح في القرآن الكريم: {يا أيها الذين أمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} (البقرة: 282). كما أن مجلة الأحكام العدلية (وهي أول قانون مدني إسلامي بالمعنى العصري صدر في آخر أيام العثمانيين) توسعت في اعتماد البينة الخطية انسجامًا مع الأحكام الشرعية وتغير العصور.
الشهادة: هي إخبار عن ثبوت الحق للغير على الغير في مجلس القضاء.
وهي واجب على من يدعى إليها. قال تعالى: {ولا يأب الشهداء إذا ما دعوا}، {ولا تكتموا الشهادة ومن يكتمها فإنه آثم قلبه} (البقرة: 282-283).
وهي إحدى حجج المدعي لإثبات حقه لقوله تعالى {واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم يكونا رجلين فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء} (البقرة: 282). ولقول النبي صلى الله عليه وسلم لوائل بن حجر "شاهداك أو يمينه" أخرجه مسلم 1/22.
ويشترط في الشاهد: البلوغ، العقل، والعدالة، والضبط، والإسلام (يمكن قبول شهادة غير المسلم في حالات خاصة)، وعدم التهمة (كشهادة الفرع لأصله، أو الأصل لفرعه، أو الزوج لزوجه، أو وجود عداوة شديدة لأحد الخصمين، أو أن يجر بالشهادة نفعاً لنفسه).
ويشترط في الشهادة: وجود الدعوى أصلاً، وموافقة الشهادة للادعاء، وحصول العدد المطلوب من الشهود، واتفاق الشاهدين. أما نصاب الشهادة (في التحكيم المحصور بالأموال والمبادلات التجارية) فهو شاهدان، أو رجل وامرأتان، وقد أجاز الجمهور إثبات الحق في قضايا الأموال بشاهد واحد مع يمين المدعي، وخالف في ذلك الأحناف. والأصل في الشهادة أن تكون عن مشاهدة وعيان، إلا أن الفقهاء أجازوا الشهادة بالسماع عند الضرورة، وخاصة عند المالكية فيحسن الرجوع إلى مصادرهم عند الأخذ بشهادة التسامع.
ب - بالنسبة للمدعى عليه: تثبت الدعوى عليه بالإقرار أو النكول عن اليمين.
الإقرار: هو إخبار عن ثبوت الحق للغير على نفسه، وهو حجة على المقر، يؤخذ به ويعامل بمقتضاه. وهو أقوى الأدلة الشرعية لانتفاء التهمة به غالبًا.
النكول عن اليمين: إذا لم يقدم المدعي البينة على دعواه يُسأَل المدعى عليه عنها، فإن أقر يؤخذ بإقراره، ويُحكَم للمدعي بدعواه. وإذا أنكر الدعوى تُعرض عليه اليمين، فإن حلفها رُدت الدعوى.
لكن إن نكل عن الحلف تثبت الدعوى ضده ويُحكم للمُدعي عند الأحناف. أما عند المالكية والشافعية وفي قول للحنابلة، فإن النكول لا يكفي، بل يرد اليمين على المدعي، فإن حلف حكم له، وإن نكل عن الحلف رفضت دعواه.
تابع محاور الملف:
نائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث والقاضي الشرعي
|