|
من الإشكالات التي تحيط بالفتوى وتضعها في حال التسييس هو الاحتفاء بفتوى معينة وتهميش أخرى طالما اتفقت مع المصالح التي تتعلق ببلد معين أو مع تبنٍٍّ من نظامه الرسمي لسياسة أو رؤية أو موقف بعينه. وهو ما لا يجعل الأمر يتعلق بحالة إفتائية خالصة أو نقية، بل تُسيَّس الفتاوى من أقرب طريق.
سبق ذلك "أحداث سبتمبر" من مثل حالة حرب الخليج الثانية[1] التي شهدت مؤتمرات وتظاهرات في ثوب إفتائي، وتسربلت بأشكال تبدو كاجتهاد جماعي، وصارت حالة التفاتي بين فريقين، كل منهما اختار الأسئلة التي يبدأ منها حتى يصل إلى المحصلة المسيسة التي أرادها سلفًا.
مؤتمرات الإفتاء والتأييد: برزت بمؤتمرات تمت في السعودية على سبيل المثال وأخرى انعقدت في العراق، وبدت الفتاوى تتلون بحكم المكان، وتتبدّل وتُتبنَّى بحكم المصالح، مؤتمرات العراق تبدأ بقضية "الاستعانة بالمشركين"، ومؤتمرات السعودية تبدأ بحكم غزو دولة لدولة أخرى آمنة من غير مسوغ، وبين هذا وذاك برزت حالة من التفاتي بأعلى درجات التسييس (فتاوى المكان).
شهدت الفتوى بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر حالات دالة إضافية في هذا المقام، ضمن صياغات في ثوب شرعي، مستخدمة مفردات دينية، وأدلة من القرآن والسنة حشدها المتجرئون على الفتوى على غير مقتضاها، من مثل وصف الأشكال الاحتجاجية من المسيرات والمظاهرات للتعبير عن الرأي التي شهدتها منطقة الخليج التي لم تعتَد هذا النوع من التعبير.. بأنها "بدعة"، وأن ذلك لم يكن على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ نظراً لأن هذه التظاهرات والاحتجاجات قد أحرجت الأنظمة، وحاولت هذه المبادرات الشعبية تعويض عجز هذه النظم في التعبير الرافض أو المقاوم ضمن أشكال احتجاجية متعارف عليها[2].
وكذلك الإفتاء للأقليات الإسلامية بما يخالف أصولاً دينية معتبرة مراعاة لمصالح متوهمة أو في أحسن الأحوال مظنونة غير يقينية[3]. فللتيسير شروط، والقول بخيار رسول الله صلى الله عليه وسلم لأيسر الأمرين مرتبط في المبتدأ بالخيار في دائرة السعة ودائرة الحلال أو المباحات، ومن المهم ملاحظة تعبير "ما خُيِّر" الذي افتتح به الحديث، والتخيير غير الاقتضاء والإلزام.
أثارت هذه الحالة أكثر من إشكال يواجه الأمة، أهمها ذلك الإشكال المنهجي الذي تلاعب به بعض من تجرأ على الفتوى، وهو إشكال مزدوج جعل البعض يفسر ذلك بمقولة ابن القيم "تغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعوائد"[4]، غير عابئين بمقصوده من أنه يشير إلى عناصر الاختلاف الآتية من جهة الاختلاف الحقيقي المتنوع، اختلاف الرحمة والسعة لا اختلاف التضاد أو اختلاف الغفلة والذهول عن الأصول، أو انتهاز الاختلاف لتمرير فتواه وبالأحق رأيه وهواه.
إن الأثر المعتبر للمكان والزمان واختلاف القضية غير افتعال الأثر والتأثير واستغلاله كمدخل لتحريك حال التفاتي أو التشكيك بالفتاوى الأصيلة، وبدعوى المصالح، وما هي إلا مصالح متوهمة غير معتبرة، تعبر عن استخفاف بحال الأمة وتسويغ وهنها والاستمرار في الطريق نفسه من ضعف إلى ضعف ومن وهن إلى وهن. واختلاف التنوع في الفتوى غير الخلاف النابع من تلوين الفتاوى -أو إن شئت الدقة "الآراء والأهواء"- وإلباسها لباس الفتوى، وغير الفتاوى الخاضعة للمكان، وغير الفتاوى المدعية لعموم المصالح، وما هي إلا مصالح أنانية وآنية لا حقيقية ولا معتبرة. إنه نوع من تزييف الفتاوى المستند إلى تزييف المصالح وتوهمها.
تابع في هذا المحور:
محاور الدراسة:
أستاذ بكلية السياسة والاقتصاد جامعة القاهرة
|