English

 

الأحد. فبراير. 11, 2001

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

نظـرات تأسيسية في فقه الأقليات

خـلاصة منهجية

طه جابر العلواني

Image

بناء على ما اتضح من موازين الوحي، وخصائص أمة التوحيد، ومن المحددات المنهجية اللازمة، ثم من تجربة المسلمين الأوائل في الحبشة، نستطيع التوصل إلى الخلاصات التالية:

  1. إن وجود المسلمين في أي بلد يجب التخطيط له باعتباره وجوداً مستمرًّا ومتنامياً، لا باعتباره وجوداً طارئاً أو إقامة مؤقتة أملتها الظروف السياسية والاقتصادية في العالم الإسلامي. ولا حجة في رجوع المهاجرين من الحبشة؛ لأن الهجرة كانت واجبة في صدر الدعوة وبناء المجتمع الجديد، ثم سقط ذلك الوجوب بالفتح، كما قال- صلى الله عليه وسلم-: "لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية" [صحيح البخاري، كتاب الجهاد، الحديث 2575. وصحيح مسلم، كتاب الإمارة، الحديث 3468]. كما أن رجوعهم كان مواصلة لهجرة جديدة؛ لأن مكة هي موطنهم.

  2. ينبغي لأبناء الأقليات المسلمة أن لا يقيدوا أنفسهم باصطلاحات فقهية تاريخية لم ترد في الوحي مثل "دار الإسلام" و "دار الكفر". وعليهم أن ينطلقوا من المنظور القرآني: "إَنَّ الأَرْضَ للهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِين" [سورة الأعراف، الآية 128]، "وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُوْن" [سورة الأنبياء، الآية 105].

  3. من واجب المسلمين أن يشاركوا في الحياة السياسية والاجتماعية بإيجابية، انتصاراً لحقوقهم، ودعماً لإخوتهم في العقيدة أينما كانوا، وتبليغاً لحقائق الإسلام، وتحقيقاً لعَالَميته. ولقد قلنا: إن ذلك "من واجبهم"؛ لأننا لا نعتبره مجرد "حق" يمكنهم التنازل عنه، أو "رخصة" يسعهم عدم الأخذ بها.

  4. كل منصب أو ولاية حصل عليها المسلمون بأنفسهم، أو أمكنهم التأثير على مَن فيها مِن غيرهم، تُعتبَر مكسباً لهم من حيث تحسين أحوالهم، وتعديل النظم والقوانين التي تمس صميم وجودهم، بل التي لا تنسجم مع فلسفة الإسلام الأخلاقية. ومن حيث التأثير على القرارات السياسية ذات الصلة بالشعوب الإسلامية الأخرى.

  5. كل ما يعين على تحقيق هذه الغايات النبيلة من الوسائل الشرعية فهو يأخذ حكمها. ويشمل ذلك تقدم المسلم لبعض المناصب السياسية، وتبني أحد المترشحين غير المسلمين – إذا كان أكثر نفعاً للمسلمين، أو أقل ضرراً عليهم - ودعمه بالمال؛ فقد أباح الله - تعالى - برهم وصلتهم دون مقابل، فكيف إذا ترتب على ذلك مردود واضح ومصلحة متحققة. وفي تفسير ابن العربي للفظ "القسط" ما يمكن الاستئناس به.

  6. إن انتزاع المسلمين لحقوقهم في بلد يمثلون أقلية فيه، وتفاعلهم الإيجابي مع أهل البلد الأصليين، يقتضي منهم تشاوراً وتكاتفاً واتفاقاً في الكليَّات، وتعاذرًا في الجزئيات والخلافيات. ولنا في سلفنا من المهاجرين إلى الحبشة أسوة حين اجتمعوا وتشاوروا حول أمثل الصيغ للرد على الموقف الحرج.

  7. يحتاج أبناء الأقليات المسلمة إلى ترسيخ الإيمان بالله، وتدعيم الثقة في الإسلام، حتى لا يدفعهم التفاعل مع غيرهم إلى تنازلات تَمَسُّ أساس الدين مجاراة لعرف سائد أو تيار جارف. وفي رفض جعفر السجود للنجاشي ـ كما فعل خصماه وكما يقضي العرف - أسوة في هذا السبيل.

  8. تحتاج الأقليات المسلمة إلى حسن التعبير عن حقائق الإسلام الخالدة، ونظام قِيمه الإنساني الرفيع، كما فعل جعفر في خطبته البليغة التي أوجز فيها أمهات الفضائل الإسلامية، وأوضح الفرق بينها وبين الحياة الجاهلية. وبذلك لا يكسب المسلمون تعاطف الناس فقط؛ بل يكسبون الناس أنفسهم للالتحاق بركب التوحيد.

  9. إن فن الإقناع وعلم العَلاقات العامة لهما دور يحسن الانتباه له؛ فالكلام الذي ختم به جعفر خطبته يدخل في هذا السياق: "خرجنا إلى بلدك، واخترناك على مَن سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألاَّ نُظلَم عندك أيها المَلك". وبه نختم هذه الملاحظات التي نرجو أن يجد فيها طالب الحق ما يعينه على حسن تصور الحُكْم الشرعي في هذا الأمر، وتجد فيها الأقليات الإسلامية ما يرفع عنها الحرج، ويدفعها إلى مزيد من الإيجابية والتضحية في خدمة الإسلام وحمله إلى العَالَمين.

وبالله تعالى التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم طريق

طالع بقية البحث:


مفكر من مواليد العراق، رئيس المجلس الفقهي في أميركا الشمالية، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم