|
تضمنت التجربة الإسلامية الأولى مثالاً على لجوء المسلمين إلى بلاد الكفر لحماية دينهم، هو الهجرة إلى الحبشة. ولهذا المثال أهمية خاصة؛ لأنه وقع في عصر الاستضعاف الشبيه بحال المسلمين الآن، كما أنه وقع في عهد التشريع، مما يضفي مغزى تأصيليًّا على الدروس والعِبَر المستخلَصَة منه.
وقد وقعت حادثة أثناء تلك الهجرة تحمل دلالة كبرى على ما يستطيع المسلمون المهاجرون فعله لحماية دينهم ورعاية مصالحهم، وكسب ود غيرهم، بل اكتسابه للإسلام.
أورد الإمام أحمد بصيغ مختلفة وفي مواضع متعددة من مسنده تفاصيل هذه القصة الطويلة [انظر: المسند، الأحاديث رقم: 1649 و14039 و17109 و21460] ، وخلاصتها أن قريشاً أرادوا مضايقة المسلمين المهاجرين إلى الحبشة؛ فبعثوا عمرو بن العاص وعبد الله بن أبي ربيعة محملين بهدايا للنجاشي، ورشاوى لبطارقته، في محاولة لشراء الذمم من أجل تسليم المسلمين المستضعفين إليهم.
وتكلم عمرو وعبد الله بين يدي النجاشي فقالا: "أيها الملك: إنه قد صبا إلى بلدك منا غلمان سفهاء فارقوا دين قومهم، ولم يدخلوا في دينك، وجاءوا بدين مبتدع لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا إليك أشارف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم إليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه... فقالت بطارقته: صدقوا أيها الملك.. فأسلمهم إليهما فليرداهم إلى بلادهم وقومهم. لكن النجاشي كان رجلاً عادلاً، ولم يكن ليقبل الحكم غيابيًّا على مَن لم يسمع حجته؛ فأمر بإحضار المسلمين "فلما جاءهم رسوله اجتمعوا ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون للرجل إذا جئتموه؟ قالوا: نقول واللهِ ما علمْنَا وما أمرَنَا به نبيُّنا- صلى الله عليه وسلم- كائن في ذلك ما هو كائن؛ فلما جاءوه وقد دعا النجاشي أساقفته فنشروا مصاحفهم حوله ليسألهم، فقال ما هذا الدين الذي فارقتم فيه قومكم ولم تدخلوا في ديني ولا في دين أحد من هذه الأمم. قالت [أم سلمة راوية الحديث] فكان الذي كلمه جعفر بن أبي طالب، فقال: أيها الملك، كنا قوماً أهل جاهلية نعبد الأصنام ونأكل الميتة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونسيء الجوار ويأكل القوي منا الضعيف، فكنا على ذلك حتى بعث الله إلينا رسولاً منا نعرف نسبه وصدقه وأمانته وعفافه؛ فدعانا إلى الله- تعالى- لنوحده ونعبده ونترك ما كنا نعبد نحن وآباؤنا من دونه من الحجارة والأوثان، وأمر بصدق الحديث، وأداء الأمانة، وصلة الرحم، وحسن الجوار، والكف عن المحارم والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزور، وأكل مال اليتيم، وقذف المحصنة، وأمرنا أن نعبد الله وحده لا نشرك به شيئاً، وأمرنا بالصلاة والزكاة والصيام – قالت: فعدد عليه أمور الإسلام – فصدقناه وآمنا به واتبعناه على ما جاء به… فعدا علينا قومنا يعذبونا ففتنونا عن ديننا ليردونا إلى عبادة الأوثان.. وأن نستحل ما كنا نستحل من الخبائث، ولما قهرونا، وظلمونا، وشقوا علينا، وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، واخترناك على من سواك، ورغبنا في جوارك، ورجونا ألاَّ نُظلَم عندك أيها الملك". وتوضح رواية أخرى أن جعفر لما دخل على النجاشي خالف العرف السائد الذي يقضي بالسجود للملك "فسلَّم ولم يسجد، فقالوا له ما لك لا تسجد للملك؟ قال: إنا لا نسجد إلا لله – عز وجل".
وانتهت المناظرة بانتصار المسلمين، واقتناع النجاشي بعدالة قضيتهم، ورجع رسولا قريش من عند النجاشي شر مرجع "فخرجا من عنده مقبوحين مردوداً عليهما ما جاءوا به" حسب تعبير أم المؤمنين أم سلمة - رضي الله عنها.
ثم توطدت العَلاقة بين المسلمين وذلك الملك المسيحي إلى درجة أنهم دعوا له بالنصر حين ظهر مَن ينازعه ملكه، قالت أم سلمة: "… ودعونا الله - تعالى- للنجاشي بالظهور على عدوه، والتمكين له في بلاده".
وكانت النتيجة المنطقية لتلك العَلاقة الوثيقة أن اعتنق النجاشي الإسلام في نهاية المطاف.
طالع بقية البحث:
مفكر من مواليد العراق، رئيس المجلس الفقهي في أميركا الشمالية، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا.
|