English

 

الأحد. فبراير. 11, 2001

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

نظـرات تأسيسية في فقه الأقليات

ثانيًا: ضرورة الاجتهاد وتجاوز الفقه الموروث

طه جابر العلواني

Image

لقد استوطن الإسلام في العقود الأخيرة بلداناً كثيرة؛ مما استدعى أن يكون لهذه البلدان إطار فقهي خاص بها، يراعي خصوصيتها؛ حيث بدأ المسلمون يواجهون واقعًا جديداً يثير أسئلة كثيرة جدًّا تتجاوز القضايا التقليدية ذات الطابع الفردي المتعلقة بالطعام المباح، واللحم الحلال، وثبوت الهلال، والزواج بغير المسلمة… إلى قضايا أكبر دلالة وأعمق أثراً ذات صلة بالهُويَّة الإسلامية، ورسالة المسلم في وطنه الجديد، وصلته بأمته الإسلامية، ومستقبل الإسلام وراء حدوده الحالية.

مشكلات في منهجية تناول الفقه:

وربما حاول البعض الإجابة على هذا النمط من الأسئلة بمنطق "الضرورات" و "النوازل" ناسين أنه منطق هش لا يتسع لأمور ذات بال. وربما واجه المسلم فوضى في الإفتاء: فهذا الفقيه يُحِلُّ، وذاك يُحَرِّم، وثالث يستند إلى أنه يجوز في "دار الحرب" ما لا يجوز في "دار الإسلام"، ورابع يقيس الواقع الحاضر على الماضي الغابر قياساً لا يأبه بالفوارق النوعية الهائلة بين مجتمع وآخر، وبين حقبة تاريخية وأخرى؛ بل لا يأبه بالقواعد الأصولية القاضية بمنع قياس فرع على فرع… فتكون النتيجة المنطقية لهذا المنطلق المنهجي الخاطئ إيقاع المسلمين في البلبلة والاضطراب، وتحجيم دورهم المرتقَب، والحُكم عليهم بالعزلة والاغتراب، وإعاقة الحياة الإسلامية، وفرض التخلف عليها، وإظهار الإسلام بمظهر العاجز عن مواجهة أسئلة الحضارة والعمران المستنير في زماننا هذا.

والحق أن مشكلات الأقليات المسلمة لا يمكن أن تواجَه إلا باجتهاد جديد، ينطلق من كليَّات القرآن الكريم وغاياته وقيمه العليا ومقاصد شريعته ومنهاجه القويم، ويستنير بما صح من سنة وسيرة الرسول- صلى الله عليه وسلم- في تطبيقاته للقرآن وقِيمه وكليَّاته.

تجاوز الفقه الموروث:

أما الفقه الموروث في مجال التنظير لعَلاقة المسلمين بغيرهم فهو – على ثرائه وتنوعه وغناه وتشعبه - قد أصبح أغلبه جزءًا من التاريخ؛ لأسباب تتعلق بالمنهج، وأخرى بتحقيق المناط، مما سنعرضه تاليًا:

أ - أهم الأسباب المنهجية:

  1. لم يرتب بعض فقهائنا الأقدمين مصادر التشريع الترتيب الصحيح الذي يعين على حسن الاستنباط، الذي يقضي باعتبار القرآن الكريم أصل الأصول، ومنبع التشريع، والمصدر التأسيسي المهيمن على ما سواه، والمقدم عليه عند التعارض. واعتبار السنة النبوية مصدراً بيانيًّا ملزماً يكمل القرآن ويفصله ويتبعه.

  2. لم يأخذ أكثر فقهائنا عالمية الإسلام بعين الاعتبار في تنظيمهم الفقهي لعَلاقة المسلمين بغيرهم؛ بل عبَّروا عن نوع من الانطواء على الذات لا يتناسب مع خصائص الرسالة الخاتمة والأمة الشاهدة.

  3. تأثر الفقهاء بالعرف التاريخي السائد في عصرهم، فضاقت نظرتهم للموضوع، وابتعدوا عن المفهوم القرآني للجغرافيا.

ب - الأسباب ذات الصلة بتحقيق المناط فأهمها:

  1. لم يعتد المسلمون في تاريخهم – بعد عصر الرسالة - على اللجوء إلى بلاد غير إسلامية طلباً لحق مهدر أو هرباً من ظلم مفروض؛ بل كانت البلاد الإسلامية في الغالب أرض عزة ومنعة، ولم تكن تفصل بينها حدود سياسية مانعة؛ فكلما ضاقت بمسلم أرض، أو انسدت عليه سبيل، تحول إلى ناحية أخرى من الإمبراطورية الإسلامية الفسيحة، دون أن يحس بغربة، أو تعتريه مذلة.

  2. لم تكن فكرة المواطنة كما نفهمها اليوم موجودة في العالم الذي عاش فيه فقهاؤنا الأقدمون، وإنما كان هناك نوع من الانتماء الثقافي لحضارة معينة، أو الانتماء السياسي إلى إمبراطورية معينة يعتمد المعيار العقائدي، ويتعامل مع المخالفين في المعتقَد بشيء من التحفظ، مع اختلاف في درجة التسامح: من محاكم التفتيش الأسبانية إلى الذمة الإسلامية.

  3. لم تكن الإقامة في بلد غير البلد الأصلي تكسب حق المواطنة بناء على معايير ثابتة، مثل الميلاد في البلد المضيف، أو أمد الإقامة، أو الزواج… وإنما كان الوافد يتحول تلقائيًّا إلى مواطن إذا كان يشارك أهل البلد معتقدهم وثقافتهم، أو يظل غريباً – مهما استقر به المقام - إذا كان مخالفاً لهم في ذلك.

  4. لم يكن العالَم القديم يعرف شيئاً اسمه القانون الدولي أو العَلاقات الدبلوماسية، اللذان يحتِّمان على كل دولة حماية رعايا الدول الأخرى المقيمين على أرضها، ومعاملتهم بنفس معاملة الرعايا الأصليين، إلاَّ في بعض الأمور الخاصة التي تقتضي حقوق المواطنة التميز فيها.

  5. كان منطق القوة هو الغالب على العَلاقة بين الإمبراطوريات القديمة - بما فيها الإمبراطورية الإسلامية - فكانت كل منها تعتبر أرض الأخرى "دار حرب" يجوز غزوها وضمها كليًّا أو جزئيًّا إلى الدولة الغالبة؛ إذ من طبيعة الإمبراطوريات أنها لا تعرف حدوداً إلا حيث تتعسر على جيوشها مواصلة الزحف.

  6. لم يعش فقهاؤنا الوحدة الأرضية الاتصالية التي نعيشها اليوم؛ حيث تتداخل الثقافات، وتعيش الأمم في مكان واحد. وإنما عاشوا في عالَم من جزر منفصلة، لا تعايش بينها ولا تفاهم. فكان "فقه الحرب" طاغياً بحكم مقتضيات الواقع يومذاك. وما نحتاجه اليوم هو "فقه التعايش" في واقع مختلف كمًّا ونوعاً.

  7. كان بعض الفقهاء الأقدمين والمتأخرين يعبرون بفتاواهم عن نوع من المقاومة وردة الفعل على واقع مخصوص يختلف عن واقعنا، وفي هذا الإطار يمكن أن ندرج كتاب ابن تيمية "اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أهل الجحيم"، وفتاوى علماء الجزائر في صدر هذا القرن بتحريم حمل الجنسية المصرية؛ فهذه الكتب والفتاوى جزء من ثقافة الصراع التي لا تحتاجها الأقليات الإسلامية.

طالع بقية البحث:


مفكر من مواليد العراق، رئيس المجلس الفقهي في أميركا الشمالية، ورئيس جامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية في فيرجينيا.

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم