|
بات من السهل تعريف الحرية في إطار رؤية إسلامية استنادًا إلى ما أوردناه من افتراضات أساسية خلقية وتشريعية: وضمن الآية التي تقول "يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض" (التغابن: 1) يكون الإنسان حرًا في وحدته مع الكون "خارج ذاته". أي أن الحرية عبارة عن "وحدة الذاتي والموضوعي".
إنها الحرية التي تحقق الانسجام: انسجام السلوك الإنساني مع خلق الإنسان الموضوعي، وانسجام الإنسان الذاتي مع العالم الموضوعي الذي يقع خارج الذات الإنسانية. وعندما يحقق الإنسان وحدته الداخلية ووحدته مع العالم الخارجي فإنه يتحرر من التناقض ويصبح كامل الحرية. هذا من الناحية النظرية.
أما عمليًا.. فيتقدم الإنسان تدريجيًا نحو تحقيق الحرية تبعًا لتراكم حصيلته المعرفية والعلمية، والتي تشكل معيارًا أساسيًا لارتقاء وعيه بما يجب أن يكون عليه الكمال. لابد ان نعرف ان الإنسان لن يحقق الكمال؛ وبالتالي لن يحقق حرية مطلقة، لكنه إذا اتخذ من الإسلام دين علم وعمل يكون قد اتخذ من المنهج الاستقرائي (النظر في كتاب الله وفي خلقه) وسيلة لفهم واقعه وتطويره، ومن ثم يستمر في الارتقاء نحو درجة الكمال.
إذا قورنت هذه الحرية وما تستند عليه من افتراضات مع الافتراضات التي تستند عليها الديمقراطية يمكن استنتاج أن الحرية في الإسلام أكثر رسوخًا وتجذرًا منها في الديمقراطية، وبالتالي يعطي الإسلام في الواقع العملي مساحات من الحرية أكثر اتساعًا من المساحات التي تعطيها الديمقراطية. وهذا ما سأفسره في هذا الجزء.
لكن قبل الولوج في التفسير أشير إلى أن كلمة حرية لم ترد في القرآن الكريم وإنما أتت كلمة "محررًا" عندما نذرت امرأة عمران ما في رحمها لله "... رب إني نذرت لك ما في بطني محررًا...." (آل عمران، 35). لا توجد هناك مشكلة في عدم طرح فكرة الحرية مباشرة؛ لأن الإسلام جاء لتحرير الإنسان من كل المقيدات الدنيوية غير الطبيعية، ليبقى ضمن قواعد التوافق مع الكون، وهي التي يمكن أن نطلق عليها عبادة الله وحده. وهذا ربما ما عناه عمر بن الخطاب عندما قال: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا". لقد ولد الإنسان حرًا بالخلق ولا يجوز الاعتداء على خلق الله. فبدل أن يكون الإنسان عبدًا لشخص أو لشهوة أو لقبيلة أو لحاجة جاء الإسلام ليعتقه من كل هذا، وليتمكن من خلال إيمانه من فك القيود والبقاء ضمن القاعدة الطبيعية التي قال فيها سبحانه: "وما خلقت الجن والإنسان إلا ليعبدون".
لم أجد في الأدبيات الإسلامية تركيزًا على هذه المسألة، ووجدت بعض المتناقضات. فمثلاً يقول أحدهم بأن الإسلام لا يعطي حرية، استنادًا على القول : "إن الدين عند الله الإسلام" (آل عمران، 19)، ويقول آخر بأن الإسلام يعطي مجالاً واسعًا للحريات استنادًا على الآية: "من شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر" (الكهف، 29)، أو بناء على الآية "وأمرهم شورى بينهم" (الشورى، 38)، هذا أخذ بجزء وذاك أخذ بجزء آخر، فظهر التناقض بينهما.
في هذا ما يعكس أزمة في الفكر الإسلامي؛ حيث إن العديد من الكتاب المسلمين يأخذون بجزئيات دون شمولية الطرح القرآني، وأن عددًا منهم يركز على الفقه دون الفكر، أو على قضايا الحلال والحرام دون قضايا الحق والباطل.
ربما يجد بعض القراء المسلمين أن الطرح النظري حول الافتراضات الأساسية جميل وجيد، وربما يفرحون بأن الإسلام يتفوق فلسفيًا في أطروحاته على أطروحات الديمقراطية، لكن هل يقبلون الانعكاسات العملية لهذه الأطروحات؟ هناك مشكلة حقيقية في هذا الأمر من حيث الطرح النظري الجميل والممارسة الفعلية غير المتناسبة معه. فمثلاً يقول مسلم بأن الإسلام كرم المرأة، وانتزع لها حقوقها، ولهذا جعلها داخل جدران البيت للمحافظة على شرف مكانتها. الجزء الأول من الجملة جميل جدًا، والجزء الثاني متناقض مع الأول. ومن الأمثلة الصارخة ذلك الشريط الذي يقول إمامه بأن المرأة قد أنصفها الإسلام فكانت إحداهن ملتزمة تمامًا بحيث أنها لم تخرج من منزلها إلا مرتين: مرة إلى بيت الزوجية وأخرى إلى القبر.
قبل التحدث عن الانعكاسات العملية أذكر القارئ بأن الضمان الوحيد لاستمرار حكم الإسلام هو إقامة العدل. إذا غاب العدل غاب حكم المسلمين مهما استعملوا من أساليب القوة لقمع المناوئين، وإذا أقاموا العدل استمر حكم الإسلام مهما كان هامش الحريات واسعًا، ومهما عظمت اعتداءات الآخرين.
وفيما يلي مناقشة مختصرة لبعض العناصر المهمة في التطبيقات العملية:
أولاً: حرية التعبير
لا يوجد في القرآن الكريم ما يشير لا من قريب ولا من بعيد إلى ما يمكن أن يقيد حرية التعبير، سواء شفاهة أو كتابة أو إيماء. بل على العكس، هناك آيات وإشارات كثيرة تطلب من الإنسان أن يعبر عن رأيه ويجادل ويناقش حول أي موضوع يريد. لا توجد في القرآن مقيدات أو شروط أو عوائق حول الإفصاح عن الرأي وطرحه للتداول وأمام المداولين. لا ينطبق هذا على الإنسان فقط، بل إن المسألة تمتد لتشمل إبليس.
فمثلاً أنظر الآيات التالية: "قال يا إبليس ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين قال أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين قال فاخرج منها فإنك رجيم وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون قال فإنك من المنظرين إلى يوم الوقت المعلوم قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين إلا عبادك منهم المخلصين" (سورة ص، 75-83). وانظر الحوار في الآيات: "قال أنظرني إلى يوم يبعثون* قال إنك من المنظرين* قال فبما أغويتني لأقعدنَّ لهم صراطك المستقيم* ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم ولا تجد أكثرهم شاكرين" (الأعراف، 14-17).
إذا كان الله قد أنظر إبليس وأعطاه الوقت ما دامت الحياة الدنيا قائمة ليفعل ما يرى مناسبًا بما في ذلك إغواء الناس الذين يُفترض أن يطيعوا الله ويتبعوا وصاياه، فهل من الممكن أن تكون هناك تقييدات على حرية الإنسان في التعبير؟.
المجال أمام الإنسان مفتوح تمامًا بما في ذلك محاولة الإتيان بآيات أو سورة من لدنه في تحد للقرآن. تنص الآية: "وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا فأتوا بسورة من مثله وادعوا شهداءكم من دون الله إن كنتم صادقين" (البقرة، 23). وتؤكد آية أخرى: "أم يقولون افتراه قل فأتوا بسورة مثله وادعوا من استطعتم من دون الله إن كنتم صادقين". (يونس، 38). أي أن الإنسان يملك الحرية، بل هو مدعو أن يحاول تأليف سورة، وأن يحشد من يستطيع ويراه مناسبًا لإنجاز هذا التأليف. المجال مفتوح تمامًا للتعبير دون أدنى نوع من الكبت أو القهر. والمسألة لا تقف عند هذا الحد، وإنما لدى الإنسان الفرصة للدفاع عن آلهة من دون الله يؤمن بها ويحاجج لإقناع الآخرين بها.
لم يطلب الله من المسلمين أن يكبتوا غير المسلمين، أو أن يحولوا بينهم وبين التعبير عن أفكارهم وآرائهم. بل طلب منهم أن يحاجوا غير المسلمين وأن يقدموا البراهين والأدلة على صحة ما يقولون. أي أن المسؤولية تقع على المسلمين في إقناع غير المسلمين بالبرهان والحجة، ولا يجوز للمسلمين أن يستبدلوا الوصية هذه بكبت الآخرين وصدهم عن التعبير عنها. قال تعالى: "يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورًا مبينًا" (النساء، 174)، وقال أيضًا: "ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن إن ربك هو أعلم بمن ضل عن سبيله وهو أعلم بالمهتدين" (النحل، 125)، وقال: "قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم ألا نعبد إلا الله ولا نشرك به شيئًا ولا يتخذ بعضنا بعضًا أربابًا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون" (آل عمران، 64).
حسب هذه الآيات أرى أن كبت رأي الآخرين عبارة عن إثم لا يجوز للمسلم أن يمارسه. إنه كذلك لأن الكبت يعطل القوى والطاقات الإنسانية التي أودعها الله في عباده والتي تبرر تحمل مسؤولية الإنسان على ما يقول ويفعل. فإذا تم كبت الناس فإنه يتم حرمانهم من الاستماع لمختلف الحجج ووجهات النظر ويحرمون من فرصة اختبار قوة آرائهم ومدى قربها أو بُعدها عن الحقيقة. وإذا فقد الإنسان فرصة التعبير فإنه يلجأ إلى العمل سرًا وتحت الأرض لصنع جو يستطيع معه أن يمارس طاقاته الإنسانية، وهو ما يعرض المسلمين وغير المسلمين إلى حالة عدم استقرار ونزاعات قد تكون دموية.
على كل حال، هذه مسألة من المفروض أنها محسومة ضمنًا في الخَلق من حيث أن الله خلق الناس وجعل حرية الاختيار مفطورة فيهم، والاختيار عبارة عن تعبير قد يكون كلاميًا أو يدويًا أو آليًا أو إيماءً... إلخ.
ثانيًا: حرية الاعتقاد
لا يوجد دليل واحد في القرآن الكريم يجبر الناس على اتباع دين معين أو يرغمهم على تطبيق شريعة بعينها. من الناحية المنطقية، لو كان الاعتقاد جبريًا لانتفى الحساب والعقاب، ولما كان هناك مؤمنون وغير مؤمنين بالاختيار. لكن الله لم يرد جعل الناس كلهم أمة واحدة، وترك كل شخص يقرر من الأمة التي يريد الانتساب إليها، وذلك حسب قوله تعالى: "وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقًا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنًا عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجًا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما آتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعًا فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون" (المائدة، 48)، وحسب قوله تعالى: "ولو شاء الله ما أشركوا وما جعلناك عليهم حفيظا" (الأنعام، 107)، وحسب قوله تعالى: "فإن أعرضوا فما أرسلناك عليهم حفيظًا إن عليك إلا البلاغ...." (الشورى، 48).
هذه الآيات وغيرها تؤكد حرية الإنسان في اختيار العقيدة التي تروق له دون ملاحقة أو مضايقة أو اضطهاد. على المسلمين، أسوة بالأمر الموجه إلى الرسول الكريم، أن يبلغوا الدعوة ويشرحوا معتقدهم دون ذيول قمعية.
ثالثًا: حرية تكوين الرأي
لا يتمتع الإنسان في الإسلام بحرية التعبير عن الرأي فقط وإنما بحقه في تكوين الرأي من خلال إمكانية الوصول إلى مختلف المعلومات من مختلف المصادر. فللإنسان الحق في الاطلاع والتعرف على مختلف الآراء ووجهات النظر ومختلف الحقائق التي يمكن أن تتوفر حول مختلف القضايا. فحول ما ورد في القرآن الكريم يقول سبحانه وتعالى: "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنًا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم" (البقرة، 174)، ويقول: "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم". (البقرة، 174) ويقول: "إن الذين يكتمون ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون" (البقرة، 159).
بناء على هذا، فإنه يمكن الاستنتاج بأنه لا يجوز حجب الحقيقة عن الناس وأن الحقائق يجب أن تكون في متناول الجميع. فالمسلم مثلاً لا يستطيع أن يُكوّن رأيًا صائبًا إذا لم تتوفر لديه مختلف المعلومات، ويبقى الرأي المستند على حقائق معينة دون أخرى أو على معلومات غير وافية رأيًا ضعيفًا من السهل أن ينهار أو أن يقود صاحبه إلى الفشل. بمعنى أن على المجتمع المسلم أن يعمل أولاً على إظهار القرآن تمامًا دون تحايل ودون التركيز على آيات دون أخرى، وثانيًا على توفير الفرص للاطلاع على الحقائق من مختلف الجهات والآراء. لا يملك أحد من المسلمين حق إخفاء آية لصالح آية أخرى، ولا يملك أحد حقًا في إخفاء حقيقة لصالح أخرى.
ماذا يعني هذا على مستوى النشر والصحافة؟ إنه يعني أنه لا يجوز أن تعكس دار النشر أو الصحيفة أو المجلة وجهة نظر واحدة فقط، بل يجب أن تفتح صفحاتها ونشاطاتها أمام الجميع. من الممكن أن تكون هناك صحافة حزبية أو دار نشر حزبية لكنه ليس من الإسلام أن تمنع نشر الآراء المخالفة أو المغايرة. إنها لحزب معين من ناحية الملكية لكنها لا تملك الحق بحجب المعلومات عن الناس.
وهذا المبدأ ينطبق على بائع الجرائد والمجلات وعلى مروج الكتب؛ إذ يجب عليه أن يحمل أو يعرض كل مصادر المعرفة الصادرة أمام الجمهور الذي له الحق في الاختيار. وبما أن الأمر كذلك فإنه من المحتمل أن تختفي الصحافة الحزبية في ظل نظام إسلامي لأنها لا معنى لها من الناحية العملية.
وبما أنه من المحظور على الصحيفة مهما كان لونها أن تحجب الحقيقة أو أن تمنع الآراء الأخرى من الظهور على صفحاتها، فإن القيمة العملية للصحافة الحزبية المتحيزة والمروجة لفكرة دون أخرى تتقلص إلى درجة دنيا. وهذا ينطبق على كل وسائل الإعلام.
وفي هذا فرق شاسع وكبير جدًا بين الإسلام والديمقراطية. تقر الديمقراطية الصحافة الحزبية المتميزة، وتقر التحيز في وسائل الإعلام المختلفة. وفوق هذا لا يمكن أن يقر الإسلام سيطرة فئة معينة مثل فئة الأثرياء على وسائل الإعلام، بينما يسيطر الأثرياء في الدول الديمقراطية عليها ويمارسون الاستبداد الثقافي والتربوي والتسويقي من خلالها. أما إن وجدت وسائل إعلامية تقول بأنها إسلامية تمارس إعلام الزاوية الإعلامية الأحادية فإن على القائمين عليها مراجعة قيمهم الإسلامية.
من هنا يمكن الاستنتاج أيضًا بأن الإرهاب الفكري حرام في الإسلام. لا يجوز أن يُمنع إنسان من التعبير عن رأيه أو من أن يُكوّن رأيًا خاصًا به أو أن يُحرم من الوصول إلى مصادر المعلومات والاطلاع على ما يتوفر وما يمكن أن يتم توفيره من مصادر. ولهذا لا يجوز أن يتعرض صاحب الرأي المخالف للقمع، سواء من ناحية التشويه الاجتماعي أو الإيذاء الجسدي أو الطرد من الوظيفة أو أي أسلوب آخر. جاء الإسلام لتحرير الناس وليس لاستعبادهم، ولتبيان الحق في مواجهة الباطل وليس لإهدار فرص المواجهة بين الحق والباطل. كما أنه لا وصاية في الإسلام ولا يوجد تفويض إلهي يمنح أحدًا الحق بإرهاب الناس واستعمال أدوات القمع ضدهم.
رابعًا: حرية التنظيم
ينقسم التنظيم إلى قسمين رئيسين فيما يتعلق بالأعمال العامة التي تهم الجمهور أو أي قطاع منه: تنظيم يهدف إلى تحقيق أهداف أو مصالح محدودة دون السيطرة على الأمة وإدارة شؤونها، وهذا ما يُسمَّى بمجموعة الضغط أو مجموعة المصالح المحددة، وتنظيم يسعى إلى إدارة الشؤون السياسية والعامة أو إلى إدارة الأمة.
ما يحكم مسألة التنظيم هو غاية المسلم ألا وهي إقامة الأمة الإسلامية التي يستطيع من خلالها تطبيق أمور دينه والارتقاء إيمانيًا وماديًا. من خلال الأمة تتحقق فرص العمل الجماعي الذي يقود إلى التقدم والعطاء والبناء وإلى تقديم النموذج الاجتماعي والإنساني للعالم غير المسلم. إسلام المسلم لا يكتمل بدون الأمة الإسلامية؛ لأنها تحمي المعتقد والممارسة من خلال النموذج التطبيقي الذي تقيمه. ولهذا فإن الحفاظ على الأمة يقع على رأس أولويات المسلم. وهذا الحفاظ يتأتى بأسباب داخلية وأخرى خارجية. فمن الناحية الداخلية، على المسلمين أن يبتعدوا عن الفساد الإداري وقمع الآراء والاحتكار الاقتصادي واضطهاد غير المسلمين وعن كل الأمور التي يمكن أن تقوض دعائم التماسك الداخلي: أي عليهم إقامة العدل. ومن الناحية الخارجية، على المسلم أن يدافع ضد كل القوى التي تسعى إلى هدم الأمة الإسلامية واستبدالها بأمة أخرى.
الدفاع عن الأمة أو النظام السياسي ليس سمة إسلامية فحسب، وإنما هذا هو حال كل الأنظمة. لا يوجد نظام لا يضع آلية للدفاع عن نفسه بما في ذلك النظام الديمقراطي. لا يقبل النظام الديمقراطي عملية الإلغاء أو الإزاحة حتى لو كان ذلك من خلال الانتخابات. وهناك أمثلة عدة حول اعتداء الديمقراطيين على نتائج الانتخابات الديمقراطية؛ لأنهم خشوا إلغاء النظام الذي يؤمنون به.
وعليه، فإنه من المسموح به أن تقوم تنظيمات لا تسعى إلى تقويض الأمة، وذلك لتحقيق مصالح محددة للأمة أو لأي فئة تعيش ضمن الأمة، سواء كانت مسلمة أو غير مسلمة، شريطة ألا يكون هدفها متناقضًا مع أخلاقيات الأمة. فمثلاً من حق المسيحيين أن ينظموا شؤونهم الدينية، لكنه ليس من حق شركات أن تنظم أوضاعها بهدف احتكار سلعة أو خدمة معينة. وليس من المسموح أن تنشأ أحزاب يكون هدفها العدوان على الأمة الإسلامية واستبدالها بأمة أخرى بالقوة.. في هذه الأحزاب ما يلغي غاية المسلم ويعمل على هدم الحياة الإسلامية التي من المفروض أن يقيمها، بمعنى أن السماح لأحزاب معادية للأمة بالعمل بهدف إلغاء النظام عبارة عن عمل غير إسلامي.
بمعنى أن التنظيم غير الإسلامي ليس ممنوعًا من الناحية المتساوقة مع خلق الإنسان، شريطة ألا يكون عدوانيًا مثلما أن المسلمين ليسوا معتدين. هذا واضح في إذن الله سبحانه لإبليس بحشد كل الإمكانيات للنفاذ إلى العباد.. صمام الأمان للمسلمين ليس منع الآخرين لأن في ذلك دفعهم نحو التنظيم السري، وإنما في تطبيق شرع الله الذي يقيم العدل ويحرم الآخرين من المساندين والمؤيدين.
وهنا يجدر التمييز بين التنظيم داخل أمة تعمل بنظام الإسلام وأمة تقودها حكومة إسلامية، لكنها لا تعمل بنظام الإسلام. إذ من الممكن أن يفرز النظام الديمقراطي حكومة إسلامية من خلال صندوق الانتخابات. في هذه الحالة، على المسلمين أن يحترموا النظام الذي أوصلتهم آلياته إلى الحكم ذلك لأنهم حكومة إسلامية ضمن أمة ديمقراطية. فعندما قرر المسلمون خوض الانتخابات فعلوا ذلك بناء على معرفة مسبقة بأن النظام الذي ينشطون من خلاله ليس نظاماً إسلاميًا، وأنهم فعلوا ذلك بناء على اتفاق ضمني أو صريح مع الأحزاب الأخرى ومع الناس داخل النظام أن قواعد النظام يجب أن تحترم.
أي أن قبول المسلمين لمنطلقات النظام الديمقراطي عبارة عن عهد يجب أن يتقيدوا به، ليس فقط من قبيل الاحترام المتبادل بين مختلف الأطراف، ولكن لأن الإسلام يصر على احترام العهود والمواثيق. فمثلاً يقول سبحانه وتعالى: "إن الذين آمنوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض والذين آمنوا ولم يهاجروا ما لكم من ولايتهم من شيء حتى يهاجروا وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق والله بما تعملون بصير" (الأنفال، 72) وتنص آية: "ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولا." (الإسراء، 34) وهناك آيات كثيرة تؤكد على احترام العهود والمواثيق. وبإمكان المسلمين أن يحوّلوا النظام الديمقراطي إلى إسلامي بحسن أدائهم والعودة إلى القرآن الكريم ليستوعبوا أن الإسلام دين انطلاق وليس دين كهنوت قهري.
طالع معنا محاور بقية الرؤية:
|