إنّنا نؤكّد أولاً أنّ كلّ عمل عنفي يستهدف المدنيين عن سابق تصوّر وتصميم هو عمل مُدان وغير شرعي، مهما تكن القضية التي يُدافع عنها الفاعلون عادلة أو شريفة.
لكنّنا نقول أيضًا: إنّ قتل المدنيين الأبرياء كان دائمًا بضاعة أمريكية صهيونية، ويكفي أن نتذكّر قصف مدينتي هيروشيما وناكازاكي التي ذهب ضحيّتها ربع مليون قتيل، ثمّ قصف الطائرات الأمريكية لجميع مدن اليابان بعد خمسة أيّام بهدف إنهاء الحرب العالمية. وكذلك قصف مدينة (فينية) الفيتنامية بطائرات (ب 52) الأمريكية وتسويتها بالأرض وعدد سكّانها (600 ألف نسمة)، وغير ذلك كثير.
ويُضاف إليه ما فعله العدوّ الصهيوني من مجازر قُصد بها المدنيون الفلسطينيون، فضلاً عن المصريين والسوريين والأردنيين واللبنانيين، وكلّ ذلك يتمّ بأسلحة أمريكية وبدعم أمريكي وبتغطية كاملة من الإدارة الأمريكية. إنّ هذه الوقائع تستثير الناس للردّ والانتقام.
ومع أنّ المعاملة بالمثل مبدأ إنساني مشروع ومقبول خاصّة في الحروب، إلاّ أنّ طبيعة الحرب الإسلامية أنّها لا تهدف للانتقام والتشفّي، ولا لفرض الهيمنة والتسلّط، إنّما تهدف لمنع الاعتداء على العقيدة، ولإتاحة المجال أمام الناس جميعًا لقبول الإسلام أو رفضه بكلّ حرّية. هذا الهدف لا يسمح بالانتقام الذي يزيد مشاعر العداء. والمسلم عندما يقاتل يريد أن يبلّغ دعوة الإسلام لمن يقاتله، ويحرص على انتزاع مشاعر البغضاء من صدره؛ لأنّه في الأساس يهدف إلى هدايته لا إلى قتله أو إيذائه.
لذلك عندما انتهت غزوة أُحُد، ووجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم) حمزة بين الشهداء، وقد مُثِّل بجسده تألّم كثيرًا وغضب وأقسم أن يمثّل بسبعين من المشركين؛ انتقامًا لحمزة. ولكنّ الله تعالى ذكّره فقال: "وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ" (سورة النحل: الآية 126)؛ فصبر رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ولم يُمثّل بأحد من المشركين.
وإذا كانت هذه التفجيرات، تُعتبر جرائم لحقت بمدنيين أبرياء، فهل كان من المعقول أن يطرب لها بعض المسلمين هنا وهناك، ويعلنون فرحهم أو شماتتهم؟
نبادر إلى القول: إنّه لا يمكن لإنسان مسلم أن يشمت أو أن يفرح لقتل بريء، وهو الحريص على رفع الأذى عن جميع الناس، بل حتّى عن الحيوان، والأحاديث الصحيحة حول الكلب العطشان ومن سقاه الماء، وحول الهرّة المحبوسة الممنوعة عن الطعام معروفة من الجميع.
لكن التفجيرات في نيويورك وواشنطن لها وجه آخر، إلى جانب هذا الوجه المُدان. فهي ضربة للعنجهية الأمريكية التي بلغت حدّها، وللغرور الأمريكي الذي يحتقر العالم كلّه، وهو الذي أتاح لأمريكا الانسحاب من مؤتمر "دوربان" ومخالفة العالم كلّه دون أيّ اهتمام. وهي ضربة في العمق تناولت الرموز السياسية والعسكرية والاقتصادية.
فالفرح الذي يظهر هنا وهناك هو نتيجة للرغبة بالانتقام ولمشاعر الحقد ضدّ الطغيان الأمريكي، ولكن أصحابه غفلوا عن أنّ هذا الإذلال قد تمّ بوسائل غير مشروعة، وبالاعتداء على المدنيين. وهو أمر يجب استنكاره وإدانته في جميع الظروف. ولذلك نرى أنّ مظاهر الفرح والابتهاج كانت قليلة إجمالاً بين المسلمين، وقد صدرت عن بعض الأطفال والأغرار في الشوارع والحارات.