English

 

السبت. سبتمبر. 15, 2001

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

ثالوث العولمة القاهر: العسكرة والاقتصاد والثقافة

نحو برنامج لمواجهة العولمة

البرنامج لابد وأن يكون شاملا
البرنامج لابد وأن يكون شاملا

أ - الاهتمام بالبعدين السياسي والعسكري:

يجب الاعتراف بأن العولمة نظام راح يُفرض بالقوة وممارسة الضغوط المختلفة، سواء مباشرة من جانب الإدارة الأمريكية، أم من خلال البنك وصندوق النقد الدوليين، وليس نظامًا راحت تفرضه التطورات الاقتصادية أو الثورات العلمية والتقنية والمعلوماتية بطريقة الانسياب السهل.

وهي ليست نظامًا "ديمقراطيًا عالميًا" تقرره أغلبية الدول، أو يترك لها الخيار بشأنه. 

فعلى سبيل المثال إن الذين يؤكدون أن الانغلاق في وجه العولمة يؤدي إلى التهميش لا يلحظون أنهم يلوحون بالتهديد ويجعلون دخول العولمة عملية قسرية بالضرورة، ولا يلحظون أن الأسباب والعوامل التي تجعل عدم الدخول في العولمة تؤدي إلى التهميش ستظل فاعلة بعد دخول العولمة: أي ستبقى فاعلة في إعادة صياغة بلدك ضمن ما تريده العولمة الأمريكية منك.

أما الذين يلطفون هذه العملية بالحديث عن التكيف الإيجابي، ويجعلون الكرة في "ملعبك"، ويقولون: انزل إلى الميدان، وستحصل على مكاسب بمقدار اجتهادك، فإنهم بضربة واحدة يحولونك إلى قوة فاعلة وهمية قادرة – بنظرهم - على تجاوز الضغوط التي كانت قبل حين أمرًا لا يقاوم.

صحيح أن هنالك اقتراحًا قويًا بخصوص التفاعل الإيجابي مع العولمة أو التكيف الإيجابي، وهو التأكيد على السوق العربية المشتركة، ومن ثم مواجهة العولمة وضغوطها من خلال هذه السوق، وهو اقتراح يجب أن نتمسك به ونضغط باتجاهه، ولكن يجب أن ندرك محدودية إمكانات تنفيذه وعلى التحديد؛ بسبب موازين القوى العسكرية والسياسية التي قامت العولمة على قواعدها، وبسبب الأسباب والعوامل التي فرضت علينا الدخول في العولمة؛ لأن إمكان تحقيق السوق العربية المشتركة عليه أن يواجه ضغوط الولايات المتحدة وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي، سواء أكان كل دولة منفردة أم مجتمعة.

من هنا ليس من الممكن مواجهة العولمة أو التكيف مع العولمة أو المراهنة عليها أن يتحقق في الميدان الاقتصادي البحت ما لم ينظر إلى العولمة في بعدها العسكري ـ السياسي؛ ذلك لأن أي تكيف معها أو مواجهة أو مراهنة في بُعدها الاقتصادي فقط سيدخل بنا في الدائرة المفرغة وينتهي إلى الفشل الذريع.

يمكن القول بأن ما فعلته تظاهرات سياتل وواشنطن أو الاحتجاجات التي اندلعت في عدد من العواصم العالمية تؤشر إلى شكل هام وأساسي من أشكال مقاومة العولمة ومحاولات فرض التعديلات والتنازلات عليها، إن لم يكن إعادة النظر فيها من حيث الأساس، أما تركها تفعل ما تريد دون فضحها سياسيًا وثقافيًا وفكريًا ودون شن النضال الشعبي ضدها، فلن يساعد على وقف وحشية الشركات متعدية الجنسية متعدية الحدود ونهمها غير المحدود للأرباح وامتصاص الدماء.

إن الدفاع عن الإنسان والبيئة، وعن احترام إرادة الشعوب المهددة، وعن الديمقراطية والثقافة التي يراد تحويلها إلى سلعة، وعن القيم والمبادئ، وعن مراعاة مصالح الأمم وحقوقها والعدالة العالمية، كل هذه تدخل ضمن العمل السياسي الذي يجب أن تواجه به العولمة.

أما على مستوى الدول، وهي منخرطة في منظمة التجارة العالمية، وهي تحاول "التكيف"، فيجب أن تشكل جبهات ضغط لإحداث التغييرات الضرورية في اتفاقية منظمة التجارة العالمية، وفي اتفاقية حقوق الملكية الفكرية وفي سائر الاتفاقات المشابهة، الأمر الذي يتطلب استعادة دور مجموعة الـ 77، وتشجيع مجموعة الـ 15 وحركة عدم الانحياز ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية، والمجالس الإقليمية، على ممارسة الضغوط السياسية والمعنوية والأدبية لكبح جماح العولمة بطبعتها الأمريكية. 

وهذا كله يحمل مفهومًا غير مفهوم، هو مفهوم "التكيف الإيجابي" المدعو لأخذ مكان في المنافسة الاقتصادية. فإذا كان من الصعب رفض هذا المفهوم الشائع، أو إقناع الكثيرين بعبثيته فإن من الضروري مجابهته بما يحمله من أوهام، وانعدام واقعية، وتخدير للأوجاع، وخداع للنفس؛ لأنه انخراط في منافسة غير متكافئة من كل الأوجه، ولأن الدخول في قوانينها بمثابة الدخول للعبة عمياء يحدد قواعدها الآخر صاحب المصلحة المادية المستبدة، ويتحكم فيها بما في ذلك من تكبيل ليديك وقدميك لن يوصل إلى تحقيق الحد الأدنى من التنمية أو التطور، بل في الأغلب سيزيد التدهور الاقتصادي والاجتماعي والتبعية السياسية.

ب - مراقبة الصعيد الاقتصادي:

إن العلة الأساسية في عدم نجاح التنمية منذ خمسين عامًا تكمن في النظام الدولي الاقتصادي الظالم، الذي أقام الهوة الكبيرة بين أسعار التكنولوجيا والسلع المصنعة من جهة، والمواد الخام والمنتجات الزراعية من جهة أخرى. هذا فضلاً عن النظام السياسي الدولي الظالم الذي يسمح بالتدخل في الشؤون الداخلية للدول وبالعدوان لمن هو قادر عليه. ولهذا، فإن مشكلات الفقر والتخلف الاقتصادي لا تحلها العولمة، وإنما تبدأ المعالجة بإحداث التغييرات الضرورية في النظام العالمي السائد عسكريًا وسياسيًا واقتصاديًا وإعلاميًا وثقافيًا.

فالمطلوب تضامن عالمي واسع النطاق لإقامة عالمية سياسية واقتصادية أكثر عدالة بديلاً للعولمة الأمريكية التي ورثت كل سيئات العالمية الإمبريالية السابقة، وأضافت إليها وحشية رأسمالية القرن التاسع عشر.

والمطلوب عند التركيز على إقامة السوق العربية المشتركة أن يركز على التضامن العربي والبعد السياسي للعلاقات العربية ـ العربية والخروج من التبعية، وإلا بقي مشروع السوق المشتركة بلا ظهير ولا سند.

جـ– البعدين: الثقافي والسياسي:

ثم يجب أن يعالج البعد الثقافي في العولمة وما يشكله من تهديد لهويتنا الثقافية، أو للبعد الإعلامي وما يشكله من خطر على شراء إعلامنا المحلي في قابل الأيام، حين يُفرض على الإعلام أن يخصخص بكل فروعه، ويصبح سلعة معروضة للشركات الخارجية، أو حين تفتح حدود البلاد لمن شاء من مؤسسات الإعلام العالمية، وهو ما سينطبق على مؤسسات التعليم والثقافة ومراكز البحوث والجامعات والمنظمات غير الحكومية كذلك.

د - مواجهة العولمة في بعدها الصهيوني:

وأخيرًا يجب التنبه بصورة خاصة إلى الجوانب المتعلقة بعلاقة العولمة بالمشروع الصهيوني في بلادنا العربية.

فنحن نجد هنا توءمة بين العولمة المؤمركة، والمشروع الصهيوني، وهو أمر يظهر العلاقة العضوية بين العولمة في جانبيها الاقتصادي والتقني، والعولمة في بعدها العسكري والسياسي، واعتبار الثاني الأساس الذي تقوم عليه.

ومن هنا، فإن كل ما أشير إليه من إشكالات حول العولمة عمومًا، سواء أكان في أبعادها الاقتصادية أم أبعادها العسكرية والسياسية أم الاجتماعية والثقافية يجد ترجمة له هنا ضمن خصوصية العلاقة بينها وبين المشروع الصهيوني في المنطقة العربية، الأمر الذي سيعطي خصوصية مقابلة للصراع أو المواجهة أو "التكيف" بيننا وبين العولمة؛ إذ يدخل العنصر الصهيوني هنا سمة عضوية فيها قبولاً ورفضًا، تكيفًا أو مواجهة سياسية، الأمر الذي سيخلق بدوره صعوبات إضافية أشد أمام إقامة التضامن العربي والسوق العربية المشتركة باعتبارهما من وسائل مواجهة العولمة، والخروج من عبثية أي معالجة قطرية منفردة في التعامل وإياها.

فالولايات المتحدة والدولة العبرية ستجعلان الحيلولة دون إقامة سوق عربية مشتركة معركتها الكبرى، هذا مع ضرورة تولية عناية خاصة لمحاولات إثارة الانقسامات الداخلية حيثما كان هنالك اختراق يمكن إحداثه، الأمر الذي يتهدد أكثر من دولة قطرية عربية بمخاطر الحرب الأهلية أو الانقسامات التي تؤدي إلى المزيد من التفتيت.

تابع محاور المقال:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم