|
| الأطفال والسرطان: حصاد الضربة السابقة للعراق |
بعد هذا العرض الذي قدمنا نجد أنه من المفروض أن تبدي جميع الحركات الإسلامية أنواع المساندة للمواقف الرسمية الفرنسية والألمانية والبلجيكية الرافضة للحرب، واستثمار معطيات هذا الرفض بمهارة، ثم التشجيع للمواقف الشعبية الأوربية والأمريكية والعالمية، والتي عبرت عنها المظاهرات المليونية في كثير من العواصم؛ لأن هذه المواقف نستفيد منها لقضيتنا العراقية، وربما تؤدي إلى تحجيم أضرار الحرب، والأهم من ذلك: أنها بدأت بلورة وبناء قطب دولي ثان منافس لأمريكا، هو ضروري لكبح جماحها وإنهاء انفرادها، ويناقض مفهوم النظام العالمي الجديد وخطط العولمة فقد برز طرف جديد ينافس واشنطن ويقود تكتلات أخرى في آسيا والعالم الإسلامي وبعض دول العالم الثالث التي تعاكس الكبرياء الأمريكية وحلفها الإستراتيجي مع إسرائيل.
وخبراء السياسة، مسلمهم وكافرهم، يجمعون اليوم على أن الغرور الأمريكي سيتضاعف ويسعى إلى إفقار العالم كله ما لم ينشأ هذا القطب الدولي الثاني الذي يتحدى، ومن اللازم أن تعضد الحركات الإسلامية هذا التوجه مهما شابته شوائب مصالح فرنسا أو غيرها من الدول الممثلة له، وفقًا لميزان الشرع في الموازنة بين المصالح والأضرار، والحرص على التخلص من أكبر الضررين باحتمال أدناهما، والأمة الإسلامية تعيش حالة ضعف سياسي وعسكري واقتصادي ومن حسن السياسة أن تكون هناك منهجية متدرجة توصل إلى موقع قوي عبر التفافات ومناورات وتحالفات تتيح لها تخفيف القبضة الأمريكية، وتبقى تكرر محاولات التفلت إلى حين حصول الانكفاء الأمريكي يومًا من الأيام، وهو قادم بإذن الله، تشير إليه قوانين التاريخ وظواهر سقوط الحضارات، وتؤكده مشاكل الجريمة والمخدرات والتردي الأخلاقي، وبداية انحدار المؤشر الاقتصادي بعد بلوغه الذروة، وأهم من ذلك كله: شيوع كراهية أمريكا وانتشار وعي سياسي كاشف لأسوائها وجرائمها لدى معظم شعوب الأرض، ثم الله تعالى جبار منتقم، نحسن الظن به أنه يرحم المستضعفين، وكم من آهات أرامل وأيتام ومرضى، ويبطش بالجبابرة الظلمة وطبقة الساسة المرابين الحارسين لمصالح البنوك والاحتكارات العالمية المالية وجشع الشركات النفطية وسطوة الشركات العابرة للقارات ولا أخلاقية صنّاع السلاح الذين يؤججون الحروب عمدًا من أجل المال.
وليس هذا هو قولنا فقط، بل هو الوعي الجديد الذي يسود أوساط أحزاب الخضر في أوروبا، وهي القناعات التي تستولي اليوم على أفكار وتحليلات معظم الأحزاب الليبرالية واليسارية في العالم أجمع، ومعظم النقابات العمالية والاتحادات الطلابية، والتي شهدت لها المظاهرات الضخمة في أرجاء العالم، وأنتجت فكرًا سياسيًا يمكننا أن نشترك فيه على سواء، يرفض العولمة والقطب الواحد. بل حتى الجيوش الأوربية أصبحت رافضة لمنطق الحروب العدوانية، وظهر ذلك جليًا في اجتماع حلف الناتو، ويقال أنه ليس في الجيش البريطاني جنرال واحد يؤيد موقف بلير، وهم يرفضون الحرب جميعًا، وإنما يعاندهم بلير ويصر على الحرب استجابة لمصالح شركة النفط البريطانية التي وجه رئيس مجلس إدارتها رسالة إليه بهذا المعنى. بل وحتى داخل أمريكا تتعاظم المعارضة للحرب، وقبل شهرين كانت 95% من رسائل المواطنين إلى أعضاء الكونغرس تعارض الحرب.
وبالأمس حصلت مليون مكالمة هاتفية من المواطنين الأمريكيين المعارضين عطلت خطوط هواتف الحكومة كلها.
وكان المفترض أن تساعد الدول العربية والإسلامية على نشوء هذا القطب العالمي الثاني المعاكس للطموح الأمريكي العارم، وأن ترعى بذرته الأوروبية النامية، لكن حكامنا قعدوا ويقعد بهم العجز والحياء، ولم ينتصروا حتى لأنفسهم؛ إذ إن الخطة الأمريكية صنفتهم على أنهم حكام انتهت أوقات لياقتهم للاستمرار في الحكم، وأنه يجب استبدالهم، كما يتم رفع المعلبات التي تنتهي صلاحياتها للاستعمال من رفوف البقالات، فهم يعلمون بأن مسلسل التغيير سينالهم قريباً، وصرح وزير الخارجية الأمريكي كولن باول بذلك، وأن خارطة المنطقة ستتغير بما يحقق المصالح الأمريكية، ولكن حكامنا يحدوهم رجاء أن تتنزل عليهم رحمة الاستثناء الواشنطني الشيطاني إذا هم بالغوا في الطاعة وجددوا العهد وضاعفوا إذلال شعوبهم وضيقوا الخناق عليها، وكان بإمكانهم أن يكونوا أقوياء بأوروبا، وأن تكون أوروبا قوية بهم؛ لأن الحرب ستكون ذات تأثير مباشر على أوربا كلها، اقتصادياً وأمنياً، وهي مستعدة لتحالف يمنع عنها الأذى الأمريكي وشرر الحرب المتطاير، وصارحت الحكام العرب بذلك، فأبوا إلا نفورًا، وقعدت بهم هممهم وآثروا مصالحهم الشخصية رغم أن أمريكا ستخلعهم قريبا.
هذا والله غالب على أمره، ولكن أكثر الناس لا يعلمون.
وما يدرينا؟ لعل إثخاناً ينتظر جنود أمريكا في العراق فيكون منهم الانكفاء، فقبل أيام وقف الجنرال الأمريكي المتقاعد الذي كان قائداً للحملة الجوية على العراق سنة 1991 م منتقدًا دعوى رامسفيلد بأن الحرب قد تستغرق أسبوعين أو ثلاثة، وسخر من ذلك وتحدث عن اختلاف الظروف اليوم عما كانت عليه، وأن الحرب ستكون طويلة، وأن على العوائل الأمريكية أن تتوقع فقدان الكثير من أبنائها.
وبالله اعتصام المستضعف المقهور، هو مولانا، وهو أرحم الراحمين.
تابع محاور الدراسة:
|