|
| الثقة في الوعد الأمريكي.. هل هي قرار سليم؟ |
من خلال سرد الحقائق وانكشاف الخطط الأمريكية يصبح من الواضح جدًّا أن تعاون أي مسلم مع هذه الحملة الاستعمارية هو من الحرام القطعي الذي لا مجال للتأول فيه، سواء كان ذلك بالقتال مع الأمريكان، كما هو شأن لواء بدر المسنود من إيران، أو اللواء الكردي الذي تم تدريبه من قبل ضباط أمريكان ليكون طليعة الزحف الأمريكي في الجبهة الشمالية، أو قتال الجيش التركي بمعية الجيش الأمريكي، أو كان بنوع من أنواع الخدمات اللوجستية أو المحلية التي تقدمها الكويت وبعض البلاد العربية وتركيا، بل حتى الميل القلبي وتمني انتصار أمريكا: كل ذلك يدخل في دائرة الحرام، كما هي فتوى العلماء، وبقولهم أقول.
وتقديم الغطاء السياسي للغزو الأمريكي عبر مؤتمر المعارضة العراقية الذي انعقد في لندن وينعقد الآن ثانية في أربيل: يعتبر المنزلة الوسطى في هذا الحرام، تقع بين القتال والتمني. فمن اقترف ذلك عالمًا بأبعاد السياسة وخفاياها ففقد ارتكب إثمًا مبينًا وذنبًا غليظًا تؤكد قواعد الفكر السياسي الإسلامي حرمته القطعية. ومَن حَشَر نفسه بسذاجة وعفوية مع العامدين فهو بحاجة إلى توبة واستغفار من خطأ مجزوم به.
لقد حاول بعض المصلحين من أبناء الأمة الاقتراب من المعارضة العراقية وسوق رحيم النصح لها، يدفعهم حسن الظن، وتأولاً في إسماعها كلمات الحق الذي يؤمنون به، فوجدوا أن أمر هذه المعارضة ليس في يدها، بل بيد السفير الأمريكي المبعوث لها، وبيد الفتاة الشرسة والنحسة كونداليزا رايس.
ولئن أوهمت المعارضة نفسها بوهم تكوين حكومة من أحزابها ورجالها بعد انتهاء الحرب فإن هذا الخيال أصبح مفندًا تمامًا بتأكيدات الإدارة الأمريكية أنها ستعين جنرالاً يحكم العراق سنوات عديدة، ويختار لجنة صغيرة معه تحكم العراق حكمًا عسكريًا عرفيًا، ويكون من ضمنهم جنرال تركي يمنع استقلال الأكراد.
والمفروض أن تعي المعارضة هذا الدرس جيدًا وتتوقف عن خداع أتباعها بعد ما تبين لها أنها كانت مجرد أداة لتحقيق غطاء سياسي لمشروع الحرب الأمريكية عبر مؤتمر لندن واجتماعات واشنطن التي سبقته واجتماع أربيل الحالي، لكنها لم تفعل، لأنها تعتمد على الأموال الأمريكية وبعض عناصرها مربوط استخباريًا وأمنيًا، والتفلت محال، وكانت هناك بدايات ومقدمات جعلت التزام نتائجها أمرًا لا مناص منه، واستمرار الارتباط حتمي، وإلا انكشف سِر وانكسر ضلع، ووجدت المعارضة نفسها أسيرة محبوسة في نطاق الولاء الذي بذلته دون وعي سياسي، فضلاً عن وعي حضاري يجب أن ترتكز عليه القرارات المصيرية، فضلاً عن وعي إيماني شرعي باعتبارهم مسلمين يخاطبهم القرآن بجهاد وعزة.
وقد أبطلت صراحة الإدارة الأمريكية مزاعم المعارضة العراقية الواثقة بها، وهناك اليوم يأس تام من أن يكون لأحزاب المعارضة أي دور في الفترة الانتقالية التي قد تطول، وأولى بالمعارضة أن تيأس وأن تعترف بخطأ التقدير والتدبير، وكان أبشع ما في هذا الخطأ التوافق مع المنطق الكويتي الحكومي الزاعم تمكين الجيش الأمريكي من تحرير شعب العراق ومنحه الديمقراطية دون النظر إلى القتل الذريع والإعاقة الواسعة التي تصاحب هذا العطف الكاذب عبر حرب لئيمة قد يصل أمرها إلى استعمال القنابل النيوترونية، وصدق أحد المراقبين في التنبيه إلى أن من الحب ما قتل، كما قال الشاعر قديما، وإن مَن أعان على قتل مسلم هو في الحكم الشرعي مسرف في الإثم ومحروم من رحمة الله، فكيف بمن سيعين على قتل مئات ألوف أو ملايين؟
إن نقطة ضعف المعارضة العراقية تكمن في أنها رهنت القضية العراقية لدى أمريكا، وباتت تعتقد اعتقاد أنور السادات في أن تسعة وتسعين بالمائة من الحلول هي في السلة الأمريكية، ونزلت مرتبة العلاقة مع أمريكا من منزلة التفاوض المفترض إلى مرتبة التبعية وحسن الاستماع للسفير الأمريكي لدى المعارضة، وفي هذا ما يؤسس في المفهوم الشرعي حالة ولاء لكافر تخالف قواعد الإيمان، وتحول التفاوض إلى تفويض.
وفي آخر تصريحات السيد محمود عثمان، أحد أقطاب المعارضة الكردية مساء يوم 24-2-2003 في قناة ANN الفضائية فيما ينقله عن القيادات الكردية أن تأجيل اجتماع المعارضة في أربيل لأكثر من أسبوعين إنما هو بسبب عدم وصول الطرف الأمريكي، وأنه هو الطرف الأهم في الاجتماع لا الأحزاب العراقية الأخرى، وأن الأكراد يريدون التباحث مع الأمريكان مباشرة، وبخاصة في موضوع إشراك تركيا في الترتيبات الأمنية وفي الحكم القادم وامتلاكها حصة من نفط العراق ثمنًا لتعاونها، والأكراد في حرج من ذلك شديد، وانطلى عليهم المقلب الأمريكي، وعلى بقية المعارضة.
ولم تتضمن كلمة السفير الأمريكي زلماي خليل زادة بالأمس في صلاح الدين أي وعود للمعارضة واضحة، والمفروض أن يتوب الجميع من هذا الاعتقاد بولاية أمريكا على قضيتهم ووصايتها على العراق، وخير للمعارضة أن تستقل عن أمريكا، وأن تعارض الحرب، وتسعى إلى انتزاع الحقوق عبر طرق ذاتية، لو كان رجالها يفقهون، والاعتراف بالخطأ فضيلة، والتوكل على الله أولى.
وإذا كانت هذه التدبيرات المستقلة أضعف من أن تمنع الحرب فليؤمنوا بأن الدنيا تؤخذ غلابا، وليستعدوا لمرحلة مقاومة ودفاع فيما بعد الحرب، معتصمين بالإيمان، وساعين إلى عراق موحد تحت راية حكم إسلامي؛ لأن الجيش الأمريكي محروم من الصبر على ضرائب سجال الحروب، وإنما يتقن الحرب السريعة فقط عبر تفوق السلاح، فإذا كان هناك قتل جندي واحد في اليوم فإن القيادة توشك أن تعلن انسحابها، وإنما نقتدي بتجارب الأمم، والله يبارك عمل المجاهدين إذا صدقت نياتهم، ويجعل القليل كثيرًا، والضعيف قويًا، والجيل السياسي الحاضر قد نسي بركات هذه الموازين الإيمانية، وذهل عن معنى العزة الإسلامية وهو بحاجة إلى مثل هذه الموعظة التي ترجعه إلى الأصالة وإلى المنهج القرآني في العمل السياسي، والنظر إلى مدلول الفقه، والتفرقة بين الحلال والحرام، وتحدوه إلى التزام البراء من الكافرين، ولا يحق لأي كبير من رجال المعارضة مهما سطع نجمه أن يكون فوق هذه الموعظة ويسوم سعره غاليا، بل الكبير صغير إذا تجاوز الشرع وارتكب المعاصي السياسية، وما كانت أحكام الشرع والتزامات الإيمان لتحرج أحدًا وتعقله عن تحقيق المصالح السياسية لبلاده بالحسنى؛ لأننا حين نأمر بالتزام الموازين: نأذن في الوقت نفسه باتباع فقه الموازنات، وما فيها من التفاف وتملص، وفي الفقه مرونة.
ولكن ذلك إنما يسوغ لمن يفاوض من موطن المكافأة، وليس لمن يلغي أفكاره ويصير تابعًا ويرتضي غزو الكافر لبلده ويقدم الغطاء السياسي لحروبه، والقلب الحي العامر بالإيمان يميز الفرق ما بين السيرتين، ويستروح لتأويل مخرّج على قواعد الشرع، ويشمئز من منطق التبعية وفلسفة استضعاف النفس، والعلماني بعيد عن إدراك هذه المعاني، والطائفي أبعد، ويجعل القومي التعاون مع الشيطان ضرورة مرحلية، وفاز بلذة السكينة القلبية وثبات المنهج الجهادي مؤمن يشعر بالأخوة الإسلامية العامة ويجرد أعماله "في سبيل الله" وابتغاء مرضاته، والفقه لا يسمح أبدًا لمعارض أن يفسد في الأرض عبر الحرب وتمكين الكفار بمقابل التخلص من نظام ظالم مهما بلغ ظلمه، وجميع ما ارتكبه صدام من قتل وظلم وعدوان لن يبلغ عُشر ويلات الحرب الأمريكية.
والمصالح التي فوتها صدام على الشعب العراقي وعلى الأمة لن تبلغ أيضًا عُشر الأضرار النفطية والاقتصادية والمعنوية التي تنويها أمريكا تجاه العراق والمنطقة والأمة جمعاء، والمزايدات الجزافية التي ترتكبها المعارضة ليست بشيء، ولا لها من الحكمة سند، وإنما هي تدور بين تنفيسات ثأرية، أو مصالح شخصية، ويبقى منهج الاستقلال عن الكافر الغازي والظالم المستبد معًا في الوقت الواحد هو المنهج الأصوب الأطهر.
ومن منطق بعض أطراف المعارضة أنها تدعو إلى إنقاذ العراق من صدام بأي ثمن، وليأت بعده من يأت!!
وهذه صيحة مظلومٍ ناله الإحباط ونفد صبره، وهو قول يرده الفقه وتنكره موازين الشرع؛ لأن الموازنة تبدي أن الظالم صدام مهما بلغ أقل ضررًا من جنرال أمريكي يحكم العراق وينفذ أوامر بوش ويمتص رحيقنا ويسرح جيشنا ويقسرنا على الصلح مع إسرائيل ويطبّع حياتنا مع يهود وينشر الفساد ويبدل مناهج المدارس إلى ما يوافق مصالحه ويجعل العراق منطلقًا لتغيير الحكومات العربية والمجاورة إلى حكومات أكثر تبعية لأمريكا وأعتى في محاربة الدعوة الإسلامية.
والذي يقول مثل هذا القول ممن هو في داخل العراق لن يكون لقوله ميزة، كما يتبادر إلى ذهن المستعجل، يظن أنها شهادة مكتوٍ بنار الظلم تمثل حقيقة الوضع، بل هي هدر؛ لأن الناس في الداخل في شبه سجن، حيث لا جرائد ولا وثائق ولا سماع للقنوات الفضائية إلا قليلا، وهم لا يعلمون أسواء الخطة الأمريكية: فنتأول لهم أنهم في ظرف صعب يجنح بهم إلى الإغراب والتمني غير الواعي، ولا مساغ لترجيح قولهم على موازين الشرع، والفكر السياسي الإسلامي لا يشهد لهذه الاستغاثة، وإنما يزال ظلم صدام بطرق أخرى غير الحرب.
ومن الخطأ المحض جنوح المعارضة إلى القول بأن استقلالها عن أمريكا لا يمنع أمريكا من ضرب العراق، وأن الأمر ما دام كذلك فإن الأفضل أن تكون ضمن الحملة وعلى علاقة بأمريكا. فهذا منطق سياسي بحت يبالغ في الواقعية لا يشهد له تاريخ الاستعمار الذي يضع مثل هذه المعارضة في موضع التابع المأمور فقط، فوق أنه مناقض للمفهوم الشرعي في النهي عن المنكر والجهاد، فلو كل منكر لا نستطيع دفعه نكون معه لتم نحت التطبيقات العملية للأوامر الشرعية شيئًا بعد شيء إلى درجة أن نكون داجنين لا مدججين، وتابعين للكافر والفاسق إذا كان هو الأقوى سلاحاً ومالاً وأثرًا، ولكنه صراع قدَر السوء بقدر الخير هو الطريق الإيماني الذي نؤمر به، فالحرب لا نقدر على دفعها كلياً، فندفعها جزئياً بالامتناع عن تقديم الغطاء السياسي لها أو بعض الغطاء، وبالعفاف والبعد عن المستعمر، ليبقى العِرق الجهادي نابضا ومفهوم الإنكار سائدًا وحيًا إلى يوم آخر يتمكن فيه جيل بعدنا من القيام به، وهذا هو الإنكار بالقلب لمن يتدبر، فشعور القلب لا يدفع المنكر، ولكنه يُبقي صاحبه متوثبًا، ويُبقي القضية حيّة في الضمير، بينما التعاون مع المنكر القوي الفارض لنفسه يجعل المتعاون قانعًا بالحال وتسري إلى قلبه سلبيات عديدة تنسيه معنى الثورة والجهاد تدريجيًا.
ومَن الذي يضمن أن مطالب المعارضة ستجد طريقًا إلى التنفيذ ويُبنى عليها نظام الدولة الجديدة؟ هذا افتراض مجرد، ويومها بعد إزالة صدام ستُبنى الدولة بقرارات أمريكية بحتة، وسيجيء طاغية آخر بديل أمريكي الولاء ينفذ ما تراه أمريكا، هذا إذا لم يكن جنرالاً أمريكياً يشدد القبضة لسنوات عديدة، وفي لجان الكونغرس الأمريكي في 12-2-2003 تم التصريح بأن الإدارة الأمريكية سوف لا تسمح للمعارضة الخارجية بالتدخل في شؤون النظام الجديد، وبذلك ينهار السبب الذي استندت إليه المعارضة في تعاونها مع أمريكا، وسوف لن تستطيع الأطراف العراقية أن تفرض قدرًا من إرادتها؛ إذ القياس على تاريخ الاستعمار يُبدي التشاؤم، وستبذل أمريكا جهودًا وتقدم ضحايا، فلماذا تعطي للمعارضة حق القرار؟
وللعلم، فإن في التقرير الذي قدمه محمد جمال عرفة إلى موقع إسلام أون لاين على الإنترنت نقلاً عن مجلة أمريكية متخصصة صدرت قبل يومين أن رامسفيلد اختار الجنرال المتقاعد جاي جارنيز ليكون الحاكم المدني للعراق بعد الحرب، وهو جنرال مقرب من صقور الإدارة الأمريكية، ومن اللوبي الصهيوني الأمريكي، ومن حزب الليكود الإسرائيلي، وله ارتباطات بالمعهد اليهودي لشؤون الأمن القومي "جينسا"، وكان آمراً لوحدة صواريخ باتريوت الأمريكية في إسرائيل خلال حرب تحرير الكويت، وتولى بعد ذلك قيادة الدفاع الصاروخي والفضائي، وكان له دور في عملية الانتشار في كردستان، ويملك شركة لصناعة الصواريخ تستفيد من نفوذه، ويحيل إليها طلبات شراء الصواريخ، في قضايا مفضوحة ساعدت إدارة بوش على إغلاقها، وفي التقرير تفصيل لكل ذلك واسم المجلة والكاتب.
ومن التدليس قول المعارضة: إن التغيير سيكون مهمة عراقية بدعم أمريكي، فهذه مغالطة مكشوفة؛ لأن تعداد الجيش الأمريكي الغازي يصل إلى ربع مليون، وتظاهره جيوش حليفة له بريطانية وغيرها، بينما لا يصل عدد المقاتلين الأكراد ولواء بدر إلى 5% من حجم القوات الغازية، فليس هو دعم، بل الجيش الاستعماري الكافر هو المنفذ للحرب، والعراقي تابع صغير الحجم جدًّا مسلوب الإرادة يدور في فلك الأوامر الأمريكية وما من حولٍ له ولا قوة.
تابع محاور الدراسة:
|