English

 

الخميس. مارس. 20, 2003

شرعي » الإسلام وقضايا العصر » السياسة

 

الحرب الجائرة على العراق.. دراسة شرعية

فقه الدوافع الأمريكية: ترتيب شرعي عام

محمد أحمد الراشد

الاحتياطي النفطي العراقي مصدر أمن طاقة للولايات المتحدة
الاحتياطي النفطي العراقي مصدر أمن طاقة للولايات المتحدة

والتأمل البسيط يجعل الهدف الحقيقي من الحرب مفضوحًا، فإن إزالة صدام لا تستدعي حربًا، ولم يبق عنده شيء من سلاح دمار شامل، وإنما هو النفط الذي يغري، فإن دراسات الخبراء تشير إلى أن الاحتياطي النفطي العراقي هو أكبر احتياطي في العالم، خلافًا لما يعلن من أن احتياطي أرامكو هو الأكبر، وكادت فرنسا وألمانيا أن تحصلا على امتياز حقل مجنون العملاق في أواخر الثمانينات، ففوتت أمريكا الفرصة عليهما عبر إغراء صدام باحتلال الكويت ثم الانقضاض عليه، وبدلت حرب الخليج الثانية جميع الخوارط والتراتيب القديمة، وفرضت أمريكا نفسها عالميًا كقطب أوحد لا معارض له، وأرخصت أسعار النفط بما يحفظ مصالح ميزانيتها، حتى قال بعض خبراء النفط العرب بأن ما فقدته البلاد العربية عبر الثمن النازل عن المقدار الواجب اللائق يقدر بأكثر من ألف وخمسمائة مليار دولار خلال هذه السنوات الأخيرة بعد تحرير الكويت.

ثم هي أمريكا تندفع اليوم لإكمال سيطرتها على نفط العالم بعامة ونفط العراق والخليج بخاصة، وتجعل ذلك ركنًا في خطتها الإستراتيجية المقدمة إلى الرئيس بوش الابن قبل انتخابه بستة أشهر؛ إذ إن العالم بعد سبع سنوات من الآن سيستورد من العراق فقط ربع كمية الاستهلاك اليومي، ومن الخليج نصف الكمية، فإذا أخذنا في الاعتبار أن نفط إيران معني من قبل أمريكا أيضًا، ونفط الجزائر وليبيا والسودان؛ فإن اعتماد العالم في المستقبل سيكون بصورة تامة على النفط العربي إلا قليلا، ومن الأسرار التي لا يعلمها إلا قليل من الناس أن أمريكا قد اكتشفت من قبل أن السودان كله يطفو فوق بحيرة من النفط، لكنها لم تستخرجه وتركته ليكون الاحتياطي الرئيس إذا اضطربت أحوال الخليج وأُغلقت قناة السويس، وفي خطتها أن تستخرجه وتبني أنبوبًا يوصله إلى سواحل غرب أفريقيا ليشحن إليها بحرية عبر المحيط بعيدًا عن المضايق، فجاءت حكومة الإنقاذ الإسلامي في السودان وتحدت الإرادة الأمريكية واستخرجته قبل أوانه الذي حددته الإستراتيجية الأمريكية، ومن ثم كان الغضب الأمريكي على السودان، وبعد إنجاز حربها واحتلال العراق سيكون أول بلد تصب عليه غضبها هو السودان، لوقف عمليات الاستخراج والاحتفاظ بنفط السودان كاحتياطي مستقبلي فقط يوفر لها الطاقة.

كذلك تشير دراسات الخبراء إلى أن أمريكا لا تريد احتكار نفط العراق فحسب، بل واستخدامه كسلاح سياسي فعال ليس تجاه دول العالم الثالث فقط، بل وتجاه دول أوربا الكبرى أيضًا بحرمانها من شرائه إذا كانت تشاكس أمريكا وتتمرد، وهذا هو بعض سر الموقف الفرنسي الألماني الرافض للحرب، ثم تؤكد الأخبار أن أقطاب الإدارة الأمريكية: بوش ومن قبله أبوه وجده، وديك تشيني، ورامسفيلد، وكونداليزا رايس: كلهم لهم شركات نفطية ستذهب لها بعض حصص نفط العراق والخليج، وأفصح سقوط الطائرة الإغاثية في باكستان قبل أيام عن عمل خفي لوضع هندسة مرور أنابيب النفط والغاز من آسيا الوسطى عبر أفغانستان وصولاً إلى الخليج، وهو ما يعتبر الهدف الرئيس من غزو أمريكا لأفغانستان، واستترت من أجله بستار مكافحة الإرهاب بعد أن أغرت ومكّنت الشباب المتحمس من تنفيذ عمليات اختطاف الطائرات ودك أبراج نيويورك، ثم عادت تولول وتطبق خططها الاستعمارية تحت غطاء مقاومة الإرهاب، وحري أن ننظر إلى ما في ثنايا قصة الطائرة من امتلاك جمعية إغاثية غربية لها، فقد أصبح جزء من العمليات الاستخبارية التجسسية يطبق في بلادنا تحت مظلة الإغاثة، كالذي كان ويكون من إعانة حركة تمرد جنوب السودان باسم الإغاثة الإنسانية وتوزيع السلاح هناك بطائرات الإغاثة.

وقد صرح بوش بأن آبار النفط العراقي ستكون وديعة عند أمريكا لحساب الشعب العراقي، فأعاد إلى ذاكرتنا مَثل إيداع الشحم لدى القط.

وفي القصص أن الأسد استعان بالذئب والثعلب في يوم صيد، فصادوا جملاً وغزالاً وأرنبًا، فضحك الثعلب، وقال بفضول: قد جاءت النسبة قدرية واضحة التناسب: فالجمل لمولانا الملك، والغزال للذئب، والأرنب لي. فلطمه الأسد وأسال دمه على وجهه، والتفت إلى الذئب يستشيره، فقال الذئب: بل الجمل تأكله الآن أيها الملك، وأحب لك أن تتلهى عصراً بين الوقتين بالأرنب، ثم يكون عشاؤك الغزال فإنه أخف على المعدة عند النوم. فابتسم الأسد، وقال: هذه هي الحكمة بعينها. من أين تعلمتها؟ قال: رأيتها في الكتاب الذي كتب بالمداد الأحمر (يعني وجه الثعلب الدامي).

فوديعتنا لدى الملك بوش لن تقسم إلا كذلك، ودروس أمريكا لشعوب الأرض هي الكتاب البليغ الفصيح الأحمر، وستسيطر على العراقيين أحزان وآلام نتيجة سعة التدمير، وكثرة القتلى وجريان الدماء، والأمريكي المنتصر سيتصرف بزهو وخيلاء وتكبّر، ويتبجح علانية، وستدون مكتبة واسعة من كتب سطرت بالمداد الأحمر التهديدي لكل البشرية، وليس كتاباً واحدا.

وهذه بريطانيا حاربت في فوكلاند قبل عشرين سنة تحت شعار توريد الديمقراطية إلى الأرجنتين، وهي الآن تستنبط النفط من تلك الجزيرة النائية التي عجب السذج من اهتمام بريطانيا بها ذاك اليوم، وصار المثل الفوكلاندي واضحاً في قيادة حروب النفط بشعارات التباكي على الديمقراطية.

لكن التأمل يدلنا على أن هذه الأهداف النفطية والسياسية التي تريد أمريكا الوصول إليها عبر الحرب تعتبر ثانوية بالنسبة إلى الهدف الرئيس الأهم المتمثل في محاولة تحطيم العراق وجيشه وتدمير البنية الصحية والنفسية المعنوية للشعب العراقي بحيث يعجز عن دخول حرب مع إسرائيل، فأمريكا تقوم بهذه المهمة نيابة عن إسرائيل؛ إذ اليهود يجدون في التلمود أن خراب دولتهم الثانية هذه سيكون على أيادي جند أُولي بأس شديد يخرجون من أرض بابل كما خرج بُختّنَصّر الذي خرب دولتهم الأولى قبل آلاف السنين وساقهم أسرى.

لقد صممت أمريكا مواصفات حصار العراق وامتداد وقته بحيث تحصل حالة سوء تغذية في عموم الشعب طويلة الأمد تؤدي إلى وهن عام وإحداث طفرة وراثية تنتج المرض المنغولي وأنواع الإعاقة والتخلف إلى درجة يضمر معها الذكاء وعموم مستلزمات الأداء الحربي لشعب العراق وتحصل حالة انكفاء عام واهتمام بالآلام، فينام اليهود عندئذ بأمان.

ولكن الله سلـّم، وشاءت حكمته أن يكون التمر الكثير في العراق أفضل غذاء غني بأنواع المعادن والفيتامينات، فأنجد أهل العراق، وفشل الحصار في تحقيق هدفه، وصار تحطيم هذا الشعب الجسور من مهمات الحرب الاستعمارية الأمريكية الجديدة، بحيث صممت لنشر الموت الذريع في هذا الشعب الأبي، أو الإعاقة الدائمة، عبر استعمال آلاف الصواريخ والقنابل الذكية الليزرية وقنابل أخرى تسمى قنابل المايكروويف تعطل جميع الأجهزة الإلكترونية وتحرق جلود الناس، وربما استعملت أمريكا الأسلحة النووية والقنابل النيوترونية، كما صرح رامسفيلد وزير دفاعها، لنشر الإعاقة فيمن تناله إشعاعاتها، وهو ما يؤيد الشكوك في أن الحرب إنما تراد لتحطيم الشعب والبنية الصحية والطاقات الصناعية والزراعية، وحرق النخيل الذي يتحدى التجويع، ثم تتولى خطة إفقار العراق على المدى الطويل إتمام المهمة الشريرة، وتحول مياه أنهاره إلى إسرائيل فتيبس الحقول، وتحول أثمان نفطه إلى إطفاء الديون وسداد العقوبات وكلفة الحرب، فتكون الكارثة الصحية ويحصل الانهيار المعنوي، وإنما ملاذنا رحمة الله تعالى لعباده المستضعفين، والثقة به أنه يدافع عن الذين آمنوا، ويثأر للمظلوم، مع العلم أن مدير برنامج الغذاء العالمي قد صرح أمس بأن المتوقع أن الحرب ستصيب ما بين خمسة إلى عشرة ملايين عراقي بنقص الغذاء، وأن جمعيته لا تستطيع إلا مساعدة تسعمائة ألف فقط.

وإمعاناً في الاحتياط وفي تحقيق الأمن الإسرائيلي بصورة تامة تجنح الخطة الأمريكية إلى استثمار الانتصار الحربي القادم لإجبار الحكومة العراقية العميلة التي سينصبونها على انتهاج ثلاثة مناهج سلبية تمنح لإسرائيل أمنها:

أولها: الاعتراف الرسمي بإسرائيل، وعقد معاهدة على غرار معاهدات السلام التي وقعها السادات وغيره، والقبول بالتطبيع السياسي والاقتصادي والاجتماعي مع اليهود، وبذلك تتوفر حماية دائمة لإسرائيل وفق القانون الدولي وأنظمة الأمم المتحدة وحلف الناتو تمنع العراق من شن حرب في المستقبل على إسرائيل أو إلحاق أي نوع من الأذى بها مهما صغر، وذلك يعني تعطيل فريضة الجهاد والمفاصلة الإيمانية الواجبة تجاه أخبث الكفار. ويتضمن هذا الحال نزع الهوية الإسلامية للشعب العراقي عبر المناهج الدراسية والتلقين الإعلامي الكثيف، وغرس تربية غربية جاهلية بديلة أمريكية الأنماط والأذواق، وفرض هزيمة معنوية وفرض شعور يأس واستسلام للعدو. والجدير بالذكر أن رسائل كونداليزا رايس مستشارة الأمن القومي الأمريكي إلى أقطاب المعارضة العراقية اشترطت عليهم صراحة وجوب الاعتراف بإسرائيل، وقبلت المعارضة ذلك.

ثم ثانياً: تسريح الجيش العراقي، وبعثرة خبرته القتالية التي تراكمت عبر حربه مع إيران بخاصة، وتشتيت معادنه القيادية، ونزع أسلحته، ومنع احتمالات تطويرها. وهذا شرط واضح أيضاً في رسائل مستشارة الأمن القومي قبلته المعارضة، وفيه ما فيه من توفير الأمن لإسرائيل، بل جميع حكام العرب بلا استثناء يلوكون نصيحة للعراق تحثه على التنفيذ الكامل لقرار الأمم المتحدة رقم 1441 ونزع أسلحة الدمار الشامل، وكأنهم يخاطبون إسرائيل، وكان المستشار الألماني شرويدر أحرص منهم على قول الحق، فأوجب في خطابه أمام البرلمان الألماني نزع أسلحة الدمار من جميع الشرق الأوسط، ويعني بذلك القدرات النووية الإسرائيلية.

وحيث يرد ذكر كونداليزا هذه يتذكر كل عراقي مثقف رسائل مس بيل، الجاسوسة الشهيرة التي رافقت حملة الجنرال مود لفتح العراق وأشرفت على تكوين الحكومة العراقية الأولى من عناصر مثيلة لعناصر المعارضة الحالية؛ فالتاريخ يعيد نفسه.

والثالث: تقسيم العراق فوراً بلا مقدمات أو على مرحلتين، عبر تكوين الفيدراليات التي يتطور أمرها بعد سنوات إلى استقلال، وينصرف الأكراد حينئذ إلى ترسيخ قواعد دولتهم الوليدة وتوسيعها ويحدث منهم تنصل من سيرة صلاح الدين الأيوبي، ويعفون أنفسهم من أي مشاركة في جهد إسلامي قادم يحاول تحرير فلسطين، ويحتجون بالضرورة والضعف وأولوية تحرير بقية كردستان في تركيا وإيران وسوريا، وسيكون منهم وفاء للمعاونة التي أبدتها إسرائيل للقضية الاستقلالية الكردية وللروابط التي أقامها الملا مصطفى البارزاني معها خلال زيارته الشهيرة لإسرائيل، بحيث أن الدولة الكردية ستكون مأسورة إلى ذلك الجميل اليهودي.

نحن اليوم نجد ألسنتنا معقولة عن مصارحة الإخوة الأكراد بأكثر من هذا؛ لأن ظلماً بشعاً نالهم من صدام والذين قبله، وأصبحت القضية الكردية شائكة؛ إذ بينما ترتفع الدعوات الحقة لرفع الظلم عنهم ومنحهم الحقوق السياسية والإنسانية، والتي نؤيدها ونراها أساساً مدنياً يدعم الأساس الإيماني الذي تقوم عليه روابط الأخوة بين شعوب الأمة الإسلامية: تختلط هذه الدعوات بشوق كردي عارم يحدوهم نحو الاستقلال.

الميزان الشرعي الذي نزن به أمورنا السياسية يقضي بوقف نزيف تقطيع أوصال الأمة الإسلامية الواحدة، ومنع تكوين الدول على أساس قومي، وهو ما يجعلنا اليوم نجفل من تقسيم العراق، ومنح الاستقلال للأكراد بقرار أمريكي وتحت سيطرة استعمارية تهدف إلى تحقيق الأمن الإسرائيلي عبر تقطيع أوصال العراق، وقول الإخوة الأكراد حين دفاعهم عن توجههم بأن المنطقة مقسمة أصلاً على أساس قومي أرادته معاهدة سايكس- بيكو وحرم من ذلك الأكراد فقط: هو قول ترفضه المعايير الشرعية أيضًا؛ لأن الخطأ لا يقلد، بل يبقى أمراً سلبيا نحاول تعديله ما استطعنا، ومعاهدة بوش- بلير الحالية إنما هي صيغة جديدة لجريمة سايكس- بيكو، والتاريخ يعيد نفسه، والواجب أن نتنصل منهما معًا، وأن نرفع شعار ما بقي موحدًا على وحدته، والدعوة إلى لمّ شمل ما فرقته السياسات الاستعمارية من قبل، وتوحيد الأمة ثانية.

وكما أننا دعاة الإسلام العرب ننكر على العلمانيين والقوميين الذين بين ظهرانينا من أبناء جلدتنا ونطالبهم بالتزام منهج القرآن وفكر الإسلام وروابط الإيمان، ونقول لهم بصراحة بأنهم على خطأ، فإن دعاة الإسلام الكرد عليهم التمرد على ردود فعل النكبات التي وقعت على الشعب الكردي ودعوة علمانيي الأكراد وقومييهم إلى التزام الحكم الشرعي في وحدة الأمة الإسلامية، والتحول إلى بذل جهد مشترك مع جميع دعاة الإسلام العرب وغيرهم لإقامة حكم إسلامي عادل يمنع التظالم القومي ويعيد إلى كردستان الابتسام بعد مسلسل الأحزان.

وليست بقية قصة التقسيم التي تضع هندسة تكوين دويلة شيعية في جنوب العراق بأقل خطراً على الأمن الإسلامي وتوفيراً للأمن الإسرائيلي؛ إذ إن هذه الدولة الوليدة بأياد أمريكية ستنشغل لدهر طويل بتمتين الروابط مع إيران، وبتصفية حسابات تاريخية، وتنصرف عن قضية تحرير فلسطين بالضرورة، ويبقى الجهاد ضد إسرائيل مهمة دويلة وسط العراق فقط، المكبلة بمعاهدة السلام، وبالفقر والأمراض، والتي لا جيش لها أصلا.

وبذلك تتضح خدمة خطة التقسيم وتسريح الجيش وتقنين السلام لعملية تحطيم الشعب العراقي جسدياً ونفسياً كركن من أركان الإستراتيجية الأمنية الإسرائيلية كما رواها قبل ما يقرب من نصف قرن الصحفي الهندي كارنجيا في كتابه "خنجر إسرائيل" نقلاً عن بعض رؤساء الدول وقادة إسرائيل أنفسهم.

ومع جسامة هذه الأهداف في الاستيلاء على النفط الوافر وتدمير الشعب العراقي وتوفير الأمن الإسرائيلي يوجد في المخطط الأمريكي أبعاد أخرى عديدة، منها:

بُعد الاستنزاف المالي والإفقار الطويل الأمد، فعلى العراق أن يدفع عقوبات مالية للكويت وغيرها تزيد على مائتي مليار دولار، وأن يدفع لأمريكا نفقات الحرب القادمة التي تبلغ أكثر من مائتين وسبعين مليارًا أخرى، ولو أضيفت لها مديونيات العراق لروسيا وغيرها يكون عليه أن يدفع أكثر من خمسمائة مليار دولار مع فوائدها؛ وهو ما يجعل ثلاثة أجيال عراقية قادمة أو أربعة تعيش تحت خط الفقر المدقع وبلا أمل ولا عمل حتى نهاية القرن الحادي والعشرين.

ويزداد الضرر عبر سريان الاستنزاف إلى الدول العربية التي أعلنت البنوك فيها فقط أنها ستخسر ستين مليار دولار بسبب الحرب، وكل ذلك يشكل كارثة إنسانية لم تقع في الحياة البشرية بهذا الحجم عبر طرق الضغط السياسي الدولي، وما من سبب سوى القدَر المكتوب على أهل العراق أن يكونوا هم الذين يهدمون هيكل سليمان الثاني ويفتحون القدس وُيتبرون علو يهود تتبيرًا، وخطة الإفقار تزيدنا إيماناً بذلك، لتكون المعجزة أتم: أن قوماً فقراء يفتح الله على أيديهم الفتوح بلا سلاح وتكنولوجيا متقدمة، بل بفداء الأرواح وعمق التصميم وشدة الإرادة وصلابة التحدي، ويفعل الله ما يشاء.

بعد تدمير للزراعة، فإن أمريكا تريد تعميم استخدام الحنطة كسلاح ضغط على جميع الأمم، مارسته بنجاح في إسقاط الإتحاد السوفيتي، وتمارسه اليوم تجاه مصر حيث لا تفرغ بواخر الحنطة الأمريكية حمولتها في المواني المصرية إلا بعد فراغ المخزون المصري واضطرار القاهرة لتقديم تنازلات سياسية والقيام بدور السمسار لتسويق الطلبات الأمريكية لدى الحكومات العربية، وكانت أمريكا سنة 1990 قد منعت دولة جزيرة العرب من إنتاج الحنطة، في قصة شهيرة.

وكما ثبت أن إسرائيل بعد معاهدة كامب ديفيد قد استخدمت مجالات التعاون الزراعي مع مصر لتدمير النظام الزراعي المصري الموروث وإفساد التربة وتسميم الأسمدة من أجل تجويع الشعب المصري وتسويق الحنطة الأمريكية، فإن تدميراً أمريكياً لمنتوج الحنطة العراقي يوشك أن يكون، لطعن خطة الأمن الغذائي العراقي والتحول إلى الاعتماد على الحنطة الأمريكية التي لن تكون بغير ثمن سياسي جديد مع كل شحنة تصل الميناء، وسيزداد السوء بتدمير النخيل، رمز العراق، ومحور الأمن الغذائي العراقي، لتمكين الطفرة الوراثية أن تجد لها مسرباً عبر سوء التغذية ونقص المعادن في الغذاء.

البُعد المائي: والماء بند رئيس في الخطة الأمنية الإسرائيلية، فهي برغم تفوقها العسكري توشك أن تختنق عطشا، وسيتبع احتلال العراق احتلال سوريا أو إجبارها على توقيع معاهدة صلح مع إسرائيل يكون من أهم بنودها السماح بمد القنوات أو الأنابيب عبر أراضيها من تركيا إلى إسرائيل لنقل معظم مياه الفرات ودجلة لها، وكنا نعجب من مضي تركيا قدما في خطة بناء السدود المائية، وما كنا ندري أنها تنتظر مثل هذه الحرب التي تفتح لها مجال بيع الماء إلى إسرائيل.

ومع الأسف فإن الحزب الإسلامي الذي وصل إلى الحكم في تركيا قد سقط في أول امتحان واجهه، وسمح بانتشار القوات الكافرة في أراضيه لغزو بلد مسلم شقيق، وسيبيع الماء لاحقاً إلى إسرائيل، ولو كان رؤساء هذا الحزب حكماء لمنعوا أمريكا، والشعب يؤيدهم، ولصاروا أبطالاً، لكنهم قدموا الولاء لكافر مقابل عشرين مليار دولار فقط، لا يبارك الله بها، ولو أبدوا صلابة وخلعهم الجيش عن الحكم لصاروا من كبار الأبطال لدى الأمة كلها، ولعادوا لاحقاً إلى الحكم بإجماع من الشعب، ولكن خدعتهم دعاوى السياسة الواقعية وأوهام وجوب المسايرة لأمريكا، فزايد عليهم حزب الشعب التركي، الأمريكي الولاء والعِرق والهوى والتمويل، وأصبح يبيع الوطنية ويبشر بالسلام إذ هو الحزب العميل الخياني.

والبعد الثقافي بإشاعة النموذج الأمريكي والفلسفة المادية التي ابتنى عليها المجتمع الأمريكي الحاضر، وستلغى المدارس الإسلامية، وتبدل مناهج التربية المدرسية كلها، وكانت معاهدة كامب ديفيد قد أتاحت تخريج ثلاثة آلاف طالب دكتوراه مصري بمنح دراسية من جمعيات صهيونية أمريكية تركتهم يؤمنون بالسلام والتطبيع، وتحقق بذلك اختراق يهودي كبير لفئة المثقفين المصريين الذين وقفوا مواقف بطولية واعية ضد التطبيع بقيادة الإسلاميين، وهؤلاء الذين خرجتهم المنح الدراسية الصهيونية مدخرون لإحداث هذه النقلة الثقافية التي تريد أمريكا تطبيقها بعد الحرب في العراق وعموم العالم العربي، والمخفي أعظم من المعروف، والمظنون أن قمعاً لكل الحركات الإسلامية ستمارسه المخابرات الأمريكية ضمن ترويج هذا النموذج الثقافي الكفري، وتتم محاصرة كل داعية وعالم ومفكر وباحث وأديب، ويسود زمن النكِرات والخونة والمهازيل.

وكل هذه الترديات المالية والزراعية والثقافية، والعطش والجوع والمرض، ستتيح لإسرائيل بلوغ منزلة "العلو الإفسادي الكبير" التي أخبرنا عنها القرآن، وسنرى منها مشية الخيلاء والكبرياء، وذلك قدر رباني ينبغي أن تبلغه إسرائيل ويحل في عالم الواقع بوضوح، ليأذن الله لعباده الذين ارتضى أن يجوسوا خلال الديار، ويدمروها، ويرى مَن هنالك من مسلم وكافر وعد الله تعالى، وأنه صار وعداً مفعولا، فالحرب وجميع أبعادها: هي مقدمة لهذا الوعد الذي لا بد أن يكون.

تابع محاور الدراسة:

 
أرسل لصديق أرسل لصديق
           

 

ابحث

بحث متقدم